الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

الميسترال .. تغيير عقيده

 


بقلم / ياسر رافع

تعرف العقيده العسكريه  " بأنها الفكره الأساسيه للجيش " طبقا للمؤرخ العسكرى ( جارى شيفيلد ) .. وهى  " النظام الأساسى  المعتمد من الدوله لمجمل الأراء العلميه حول طبيعة الحرب الحديثه وإستخدام القوات المسلحه خلالها ، وهى تتكون من شقين أساسيين ، شق إجتماعى سياسى  ، وأخر عسكرى تقنى " طبقا للمفهوم الروسى ، وهى " الإطار المنظم للعمل خلال حقبه زمنيه محدده نظرا لطبيعة الصراع الدائر فى ذلك الوقت ومدى إستعداد القوات العسكريه له وطرق الإشتبالك المفروضه من أجل إتمام المهمات " طبقا للمفهوم الكندى .. من خلال التعريفات السابقه يتبين لنا أن العقيده العسكريه هى الفكره الأساسيه والتوصيفيه للحاله العامه للسياسه الخارجيه للدوله والحاميه للإطار العام لمفهوم الأمن القومى وحدود التدخلات العسكريه فيه .. ومع ذلك فإن العقيده العسكريه ليست جامده وثابته على مدار الحقب الزمنيه ، وإن كانت تتحكم فيها ثوابت التاريخ والجغرافيا ، وهذا ممتد على مدار التاريخ المصرى منذ قديم الأزل ، فالدوله المصريه القديمه  أول من وضعت اللبنات الأولى لمفهوم الأمن القومى وبالتالى بنت عليه عقيدتها العسكريه  والتى ركزت على حماية حدود الدوله المتراميه الاطراف وكذلك الوقوف ضد تمدد القوى الأخرى على حساب مصالح الدوله وشعبها ، ولكن مع أفول نجم الدوله الفرعونيه القديمه ودخول مصر تحت الإحتلال الأجنبى طيلة أكثر من ثلاثة ألاف عام ، وبالتالى ترك للمحتل تحديد عقيدته العسكريه  التى تتلائم مع ظروفه التى لم يراعى فيها الشعب المصرى وطموحاته الخاصه ، ..

ومع بداية ثورة 23 يوليو وإستعادة المصريين لقيادة أنفسهم مرة أخرى ، فقد بدا أن العقيده العسكريه المصريه لم يطرأ عليها أى تغيير كبير من الناحيه التاريخيه  ، ولكن يبدو ان المساحه الجغرافيه قد زادت إتساعا ، فزاد عليها التوجه غربا ، بعدما كان التوجه شرقا بالأساس وذلك لتبنى مصر إيدولوجيه القوميه العربيه وهو ما إستدعى أن تشمل العقيده العسكريه مفاهيم جديده وتوصيفا دقيقا ، وإستعدادات خاصه وهو ما تجلى فى التدخل فى الأزمه اليمنيه عقب ثورتها .. ولكن يبدو أن صدمة التورط فى الأزمه اليمنيه وما أعقبها من هزيمة 1967 مرورا  بحرب الإستنزاف ثم حرب أكتوبر المجيده ، قد أوجد عقيده عسكريه جديده حذره وربما متخوفه أكثر من اللازم  ، ترى أنها غير مطالبه بالخروج خارج الحدود والإكتفاء ببناء جيش قوى قادر وفاعل فى محيطه الأقليمى ، وهو ما أوجد فتره من الهدوء رأها البعض أنها غير مناسبه لطبيعه مصر التاريخيه والجغرافيه ، خصوصا مع إستدعاء دول الخليج لمصر فى " حرب تحرير الكويت " والذى أظهر ان العقيده العسكريه المصريه وجدت نفسها فى مأزق تحديد العدو وبالتالى ما هى حدود التدخل ؟
وأيضا مأزق التعاطى مع تبعات حرب " تحرير الكويت " و " أحداث الحادى عشر من سبتمر " التى أوجدت قوات وقواعد أجنبيه على الأرض العربيه  ، وتكدس السلاح الأمريكى فى إسرائيل العدو اللدود ..
حتى تفاجأت العقيده العسكريه المصريه بعواصف ربيع الثورات العربيه التى أطاحت بالنظام الليبى بقوه حلف الناتو ، والحرب الأهليه فى اليمن والتى إستدعت تدخلا عربيا بدعم غربى ، والحرب الأهليه فى سوريا والتى تورطت فيها كل القوى الأقليميه والدوليه ، ناهيك عن خروج العراق كقوه مؤثره وفاعله تحت وطأة حربها ضد الإرهاب . هنا فقد بدا أن مصر مطالبه بتغيير عقيدتها العسكريه قصرا لتتماشى مع المتغيرات العربيه والإقليميه والدوليه ، والتى وجدت نفسها فى مواجهة عدو غير تقليدى وهو الإرهاب  ، وهو ما إستجابت له مصر سريعا عبر إنشاء " قوات للتدخل السريع " محموله جوا تطال أى مكان على المساحه الجغرافيه الخارجيه لحماية الأمن المصرى ، وقيام مصر بضربات جويه مؤثره فى ليبيا ضد الجماعات الإرهابيه دون الإنتظار لقرار أممى .. ثم الإعلان عن صفقات أسلحه ضخمه ليس فى عددها فقط ولكن فى نوعية هذا السلاح الذى يبقى مدى تأثيره أكبر من حدود الدوله أو الإكتفاء بدور الحارس فقط للحدود ، ومن هذه الأسلحه  شراء حاملتى طائرات هليوكيبتر " ميسترال " والتى أثبتت يقينا ان مصر قد غيرت فعلا عقيدتها العسكريه ، أو أن هناك تغييرا جذريا فى تلك العقيده ، وأصبح الإرهاب بجانب التدخل الايرانى يمثلان حدودا جديده لتلك الحامله وهو ما يطرح تساؤلات يبدوا اننا لن نجد لها إجابه واضحه الأن ، منها هل صفقات السلاح تشى عن تدخلات مصريه فى منطقة الجوار الليبى ؟؟ أم أن مساحة الحركه الواسعه لقدرات حاملات الطائرات " الميسترال " ستدفع مصر بعقيدتها العسكريه الجديده للخروج لمساحات جغرافيه جديده خارج حدودها لحماية الأمن المصرى والعربى ؟؟ أم انها ستضطلع بمهام جديده على كامل مساحة الإقليم ؟؟ وما هى حدود تماهى العقيده الجديده بسلاحها النوعى مع توجهات القوى العالميه والإقليميه فى الصراع على المنطقه ؟؟ أم أنها بدايه جديده لزمن جديد ؟؟
ولكن يبقى التساؤل الأبرز هل وضعت العقيده الجديده تصوراتها لطبيعة الصراع الدائر حول مصر ، ومدى تأثيره على الشق الإجتماعى ، خصوصا وأن العدو الغير تقليدى له إمتدادات فى الداخل المصرى ، وكذلك مدى جاهزية القوه العسكريه للتعاطى معها ؟؟
للإجابه عن تلك التساؤلات جميعها ، فيجب علينا الإنتظار وترقب سرعة الأحداث ، وربما ننتظر حتى تدخل " الميسترال " الخدمه الفعليه فى أوائل 2016 ، ونرى حدود الإبحار خارج الحدود ، وما طرأ من تغييرات على العقيده العسكريه المصريه فى القرن الواحد والعشرين ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...