الخميس، 23 ديسمبر 2021

من يطلق شرارة الحرب ! الدين أم السياسه ؟




بقلم / ياسر رافع

فى يوما من الأيام قررت أن أكون مكتبه دينيه بعد سنوات طويله من القراءه المتنوعه والتى رأيت أنها ضروريه ، وكان القرار فقد قمت بشراء كتب الأصول الشهيرة لعل وعسى تدخلنى مباشرة إلى المعلومه الكامله ، ولكن حدث عكس ما توقعت تماما فقد زاد تشتتى فالأراء مختلفه وتعطى إشارات متضاربه ، فما كان أن إستشرت عمى الأكبر الأستاذ محمد الذى ضحك عندما سألته عن حيرتى فنصحنى قائلا " لا تكن كمن أراد السباحه فى البحر فقز وسط البحر ، إذا أردت أن تتعلم فعليك بتلمس مياه الشاطئ أولا ثم تعلم السباحه خطوه خطوه " ،
وكانت تلك أكبر وأقيم نصيحه تعلمتها عند التعرض للمسائل الدينيه وخاصة الشائكه منها ، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتلمس مياه الدين ، مره من على الشاطئ ، ومرات محاولا السباحه ، ولكنى إكتسبت خبرة خصوصا لا بأس بها عندما وجدت سفن السياسه تسبح فوق مياه الدين لإستغلال مياهه الهادئه للوصول لشطآن بعيده لسفك دماء شعوب ظنت أن مياه شاطئها الدينى مسالمه وأن البحر لن يقذف إلا اللؤلؤ والمرجان . فماذا حدث ؟!
الدين هو الجلد العارى للإنسان وهو الملاذ الأخير له عندما تعجز كل المكتسبات الدنيويه عن سد إحتياجاته النفسيه والروحيه ، ولكنه فى المقابل أستخدم فى السياسه عبر التاريخ الإنسانى بأبشع الصور لتحقيق مطامع سياسيه ودنيويه تغلفها شعارات دينيه براقه ، ولعل منطقة الشرق الأوسط هى أكثر المناطق فى العالم التى أستخدم فيها الدين كستار لأطماع جعلت من سفك الدماء وسيله ناجعه للسيطره على دوله ، فمثلا منذ خمسينيات القرن العشرين أستخدم الدين بكثافه فى الصراع بين أمريكا والإتحاد السوفيتى السابق والذى رأت فيه أمريكا أن الإنتصار على السوفيت لن يحدث إلا عبر تجييش المسلمين من دول الجوار وداخل الاتحاد السوفيتى ذاته عبر ثنائيه الدين فى مقابل الإلحاد وهى السياسه التى رأينا فيها تعاونا من الدول الإسلاميه مع أمريكا ورأينا كيف تم حشد الشباب العربى والمسلم تحت مسمى الجهاد فى أفغانستان وهو الأمر الذى لم يجنى منه الدين إلا أن تلوثت مياهه بأدران التطرف والإرهاب وموت ملايين المسلمين فى حرب أستغلوا هم ودينهم عبر سفن سياسيه قدمت إلى شواطئهم  ، حتى الحرب العراقيه الإيرانيه التى قامت تحت دعاوى حماية الجبهه الشرقيه للأمه العربيه إلا أنه جرى إستدعاء الدين فى فترات طويله منها من أجل الحشد والتجييش وأصبحت كلمات الشيعه الصفويين مقابل العرب السنه أمرا مستساغا .
ولما قامت حرب الكويت والتى كانت تدشينا للقوه الأمريكيه كمتفرده وحدها بزعامة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وأصبحت قواعدها العسكريه دائمه فى المنطقه ظهر نمط آخر لإستخدام الدين لأول مره منذ  القرون الوسطى ، حيث كانت زلة لسان (هكذا برر الموالين العرب ) الرئيس الأمريكى جورج بوش عشية العدوان على العراق 2003 حيث وصف العدوان بأنه " حربا صليبيه " وهو ما أثار هواجس كثيره لا تخطأها العين ، وهى هواجس بررتها أجندة المحافظين الجدد فى أمريكا الذين يتخذون من الدين ستارا كبيرا وما دعمهم لإسرائيل الا دعم دينى فى الأساس .
وما أن إنتهت العشريه الأولى من القرن الحالى حتى ظهرت داعش بوحشيتها المفرطه تتخذ من الدين وسيله للتمدد والتجييش مما جعل الدين بمرور الوقت هو بوصلة الحرب الذى تتخذه السفن المتحاربه على ظهره وسيله للقتل والتمدد ، فظهر التشيع والتسنن والمسيحيه وظهرت النعرات القوميه التى تمترست وراء الدين ، وظهرت الدول المغايره لدين المنطقه بأساطيلها لتمارس القتل هى الأخرى تحت دعاوى دينيه ، ولعل تصريح الرئيس المريكى الأسبق " أوباما " الذى وصف فيه ممارسات داعش قائلا " إن الصليبين ومحاكم التفتيش إرتكبا أفعالا شنيعه بإسم المسيح " وهو ما أثار الهواجس مرة أخرى .
حتى تركيا عندما صرح رئيسها أردوغان بأن حدود نفوذه هى من الأناضول حتى سواكن على البحر الأحمر فى السودان ، فهو بذلك يستدعى إرثا إمبراطوريا مغلفا بالدين وسط منطقه مضطربه ، وإيران التى ترى فى الحرب السوريه وسيله للتمدد نحو البحر المتوسط دخلت الحرب تحت دعاوى دينيه لحماية نظام يتبع المذهب النصيرى ، وحماية المراقد الشيعيه .
ولكن الأخطر هو أن القرن الواحد والعشرين دشن لحقبة سقوط الأيديولجيا وأصبح الدين بمحيطه الهادر وسفن السياسه على سطحه أصبحا المتحكمان فى مصير الصراع العالمى لأول مره منذ القرون الوسطى ، فالأول مره نجد الرئيس الروسى يستدعى الدين فى مواجهة أمريكا ويقول " أن قتلانا فى الجنه وقتلاهم فى النار " – المعنى بتصرف – وجرى أيضا الخروج بتوضيح ليخرج الدين من السياق ، ولكن ها نحن نجد أن الرئيس الأمريكى ترامب يستدعى الدين لزيادة شعبيته ويثنى على بعض الولايات الأمريكيه التى تقدم دروسا لمحو الأميه " الإنجيليه " لتمنح الطلاب خيارا بدراسة الكتاب المقدس ، فى الوقت التى تظهر علينا المتحدثه بإسم البيت الأبيض لتدافع عن رئيسها قائلة " الرب أراد ترامب رئيسا " وهو ما أكد أن سفن السياسه العالميه بدأت تتحرك على مياه الدين للعدوان على شواطئ دول أخرى أملا لحسم الصراعات الدوليه وتحقيق المكاسب .
العالم العربى أصبحت شواطئه مهدده وأصبح بحر دينه وسيله ناجعه لسفك الدماء على شواطئه ، فأشرعة السفن وما عليها من أعلام فى البحر كما الماضى تنبئ عن طبيعة الصراع على الشاطئ العربى ، فهاهى أعلام سفن السلطان العثمانى السنى قادمه من الشمال ، وأعلام الشاه الإيرانى الشيعى قادمه من الغرب ، وأعلام السفن الصليبيه قادمه من الغرب ، كلها أجواء تعيد مشهد القرون الوسطى حروب صليبيه مغلفه برداء وشعارات الدين فى مواجهة تشرذم عربى إسلامى لا يخجل أن يرفع شعارات التمذهب وسط المعركه
يبدوا أن السنوات القادمه لن تخرج عن ظواهر سياسيه تحاول إخفاء سفن السياسه وسط بحر الدين ولكن الحادث على الأرض يقول غير ذلك حتى يأتى اليوم الذى نعرف فيه هل سيكون الدين أم السياسه هو الدافع للحرب العالميه الثالثه ؟! وما المقال إلا محاوله لرصد ظاهره عالميه يجب التعامل معها بمسمياتها الصحيحه فى زمن سقوط الإيديولوجيا وأصبح إستدعاء الدين مدعاه للحذر والتنبه العربى لأشرعة السفن التى تبحر بإتجاه شواطئه لا تريد خيرا له بطبيعة الحال .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...