الخميس، 23 ديسمبر 2021

الكارنيه .. جواز مرور إجتماعى مصرى



 

بقلم / ياسر رافع

مشهد الفنان المصرى عادل إمام فى مسرحيته الشهيره " شاهد مشافش حاجه " وهو يحكى موقف له فى الأتوبيس عن رجال البوليس – الشرطه -  وعن أنهم يحملون كارنيهات مجانيه تتيح لهم ركوب المواصلات العامه مجانا ولما حاول أن يذكر كمسرى الأتوبيس بأنه بوليس فما كان من الكمسرى إلا أن طلب منه تحقيق الشخصيه وما أن عرف أنه ليس منتميا للبوليس حتى بدأ فى ضربه وتفاعل كل الركاب فى ضربه ، وعلى الرغم من ضحك المشاهدين على رواية هذا الموقف الكوميدى إلا أنه مشهد كاشف لتطور الحياة الإجتماعيه فى مصر
مصر يوم 23 يوليو 1952 كانت على موعد تاريخى أنقذها من سياسات إقتصاديه وإجتماعيه ممتده منذ القرون الوسطى ، وبداية لتحول إجتماعى ضخم عرف لاحقا بالطبقه المتوسطه الجديده والتى تختلف كليا عن الطبقه المتوسطه أو شبه المتوسطه فى العهد الملكى ، وقد قامت تلك الطبقه وتنامت من رحم التغيرات الكبرى التى صاحبت حركة التحديث فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين ، وقد رأت الدوله فى ظل هذه التطورات أن تحمى قطاعات معينه من موظفيها من الإنحراف والفساد فعملت على أن تعطى لهم مميزات إقتصاديه تساعدهم على الحياة الإجتماعيه الكريمه فكانت أن جعلت من رجال أجهزة الأمن من الجيش والشرطه والقضاء  يحملون كارنيهات – بطاقات هويه – مجانيه يركبون بها المواصلات العامه  ، أما بقية موظفي الدوله فلقد رؤى أن يحصلوا على تخفيضات على سعر الركوب إذا قاموا بعمل إشتراكات سنويه ، وأستمر هذا الوضع طيلة سنوات الخمسينات والستينات وحتى منتصف سبعينيات القرن العشرين معيارا لنزاهة  رجال الدوله و تمييزا إجتماعيا نظرا لما يبذلونه من جهد لصالح الدوله ، ولكن مع دخول مصر مرحلة الإنفتاح فى سبعينيات القرن العشرين والذى أتاح فرصه لطبقات إجتماعيه أن تثرى بطرق ملتويه وفاسده أن توجد نمط إجتماعى بشر بتضاؤل زمن الكارنيه وأصبح التطلع لنمط الثراء السريع حلما لكثير من موظفى الدوله الذى أفلت بعضهم بفعل الفساد وتبرأ من حمل الكارنيه ، ولكن ظلت الغالبيه الكاسحه تحمل الكارنيهات وسط أزمه إقتصاديه خانقه إستمرت حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين  ومع بدايات فترة التسعينيات بدأ نظام الرئيس السابق مبارك يتبنى سياسات إقتصاديه جديده للتحول من النظام الإشتراكى إلى النظام الرأسمالى عرفت " بسياسة الخصخصه " السيئة السمعه ، ولكن مع الإنفراجه الأولى لتلك السياسه حدث أن تراجع مفهوم حمل الكارنيه مقابل شيوع حاله من الرخاء الإقتصادى وأصبحت فكرة إظهار الكارنيه فى المواصلات نوع من الإقرار بفقر حامله وهو ما جعل أصحاب الكارنيهات يتوارون بها خصوصا مع بداية ظهور نوع جديد من الكارنيهات وهى بطاقات الدفع البنكيه فى يد قطاعات واسعه من المواطنين وأصبح ركوب المواصلات الخاصه نوع من الوجاهه الإجتماعيه وتعبيرا عن تغير إجتماعى ، كل هذا مواكبا لإتساع طبقة الأثرياء فى المجتمع خصوصا مع تنامى رائحة الفساد الناتجه عن سياسات الخصخصه .
وأستمر إنحصار التمايز الطبقى لحملة الكارنيهات مع تنامى الطبقات الإجتماعيه الثريه المعتمده على العمل الخاص والتى جعلت من ذكر كلمه الموظف الحكومى نوع من الإزدراء ، حتى حدث التحول مع نهاية حكم مبارك وإشتداد الأزمه الإقتصاديه نتيجة سياسات الخصخصه ولأسباب إجتماعيه وإقتصاديه فاسده خرج الكارنيه من إطار التمايز فى ركوب المواصلات العامه إلى تمايز طبقى إجتماعى يعبر عن طبقات إجتماعيه تريد أن تنسلخ بتمايزها الوظيفى وتنضم إلى الطبقات الإجتماعيه  الثريه التى بدأت تحكم المجتمع ، وأصبح مألوفا أن تجد فى مصر من يشهر فى وجهك الكارنيه الوظيفى ليعلمك بأنك اقل قدرا منه فى إنعكاس لتنامى طبقات إجتماعيه أراد المشرع قديما أن يحافظ عليها من الفساد لصالح المجتمع ولكن ؟!!
ومع تنامى قدرة حملة الكارنيهات المميزه إجتماعيا أراد الفقراء من غير حملة الكارنيهات البحث عن متنفس مادى يتيح لهم التماهى مع قدرة أصحاب الكارنيهات فى قضاء مصالحهم الشخصيه فما كان من كثير من فقراء المجتمع أن تسارعوا إلى إصدار كارنيهات الحزب الوطنى – المنحل بعد ثورة 25 يناير – من أجل إستغلال نفوذ الحزب والمنتمين له فى سرعة إنجاز المعاملات داخل المصالح الحكوميه وغيرها .
ولكن ماذا تغير فى حمل الكارنيه بعد قيام ثورة 25 يناير وحتى الأن ؟!
لم يتغير شيئا بل إزداد الوضع سوءا وأصبح حمل الكارنيه عنوانا لتنامى طبقى متمايز عن بقية المجتمع بل وربما للثراء السريع ، ومفتاحا إجتماعيا لغالبيه الزيجات التى تحدث فى المجتمع وأصبح حملة الكارنيهات فى الماضى هم الأن طبقه إجتماعيه لا تتزوج إلى من بينها فى معظم الحالات حتى لا تضيع المميزات الجديده وتساعد على إستمرارها لأجيال قادمه من أبناءهم  ، لهذا لا عجب أن تجد أبناء الفقراء وهم يتكالبون على وظائف حملة الكارنيه أملا فى مقابل مادى كبير ووجاهه إجتماعيه تفتح الأبواب المغلقه أمامهم
وأصبحت الجمله الشهيره " الجنيه غلب الكارنيه " والتى كانت تشير إلى أن المال مقدم على حملة الكارنيه من موظفى الدوله من الماضى بعدما إقترن المال بالكارنيه كتمايز طبقى فى عيون فقراء هذا الوطن إلا من رحم ربى من شرفاء هذا الزمن الغريب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...