الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

دوبلير الرئيس




بقلم / ياسر رافع

من منا لم يسمع بشخصية الدوبلير ذلك الشخص " الذى ينوب عن الممثل أو البطل فى القيام بالمشاهد الخطره ، حيث يقوم مخرج العمل بإستبدال الممثل بشخص متمرس يمكنه أداء المهام الخطره نيابة عن بطل الفيلم ( ويكيبيديا ) ؟  وفى المقابل من منا لم يحدث نفسه بالقيام بدور رئيس الجمهوريه ولو ليوم واحد من أجل أن يقوم بعمل جبار ينتشل به البلاد من عثراتها الإقتصاديه والسياسيه ومحاربة الفساد ؟
إن الإجابه على هذين السؤالين يتطلب أن تكون لنا قدرة على التفرقه بين القدره على عمل له سقف وطموح لا يتجاوزه وأكتفى بذلك ، وبين أمنيات ستظل أمنيات فى خيالات عدم القادرين على تجاوز أعتاب الوهم المغلف بأغلفه غليظه من عدم القدره والطموح معا ..
ولقد تكفل القصص الشعبى قديما بروايات تحاكى الأساطير عن عدم القدره والطموح الشعبى فى مواجهة سلطه جباره وأطلق العنان لخيال العامه بأنها قادره على الحكم عن طريق سرد الحكايات على نمط ألف ليله وليله ليسرى عن المظلومين والكادحين فى ليلهم الطويل الكالح ، ففى إحدى الحكايات " يحكى أنه فى بلاد فارس القديمه كان هناك حاكم ظالم يضطهد الشعب الذى ضاقت به الأرزاق وأشتد عليه الظلم ، وفى يوم من الأيام أراد أن يفعل شيئا ليسرى به عن الشعب ويمتص غضبه ، فأشار عليه وزيره بأن يستدعى الناس ويتخذ مجلسه ثم يأمر الناس فرادى بأن يعرضوا عليه أمنياتهم حتى يحققها ، فدخل الناس عليه فرادى وهو يحقق لكل منهم امنيته ، حتى دخل عليه رجل من العامه وقال للملك " إنى أريد أن أصبح ملكا ولو ليوما واحد بشرط أن يطيعنى كل المحيطين بك " فتحرج الملك ثم أمر الوزير بأن ينفذ طلب هذا الرجل وخلع رداء الملك والبسه إلى الرجل الذى إعتلى العرش ثم إتخذ أول قرار وهو الأمر بالقبض على الملك السابق وإعدامه وتم تنفيذ الأمر ثم أصبح هو الملك الفعلى للبلاد "
قصه مثيره لخيال عدم القادرين من الكادحين والمطحونين بأن هناك أمل ولو بالخيال فى إمكانية تغيير واقعهم البائس ولكنها قصه تناسب الحكام عندما يداعبون خيال العامه ويمنعونهم من التفكير العملى الذى ينتج أحوالا أفضل من الخيال المرضى الذى يعطل ولا ينتج .. وعلى الرغم من الفتره الزمنيه الفارقه بين عصور ألف ليله وليله وعصرنا هذا إلا أن القصه لا زالت موجوده وتحكى إلى الأن وإن إختلف الشكل ولكن بقى المضمون ففى الأمس القريب كنت أشاهد الفيلم الأمريكى " دايف " بطوله الممثل كيفن كلاين  والذى يحكى " أن هناك هناك شخص إسمه " دايف " وهو شبيه جدا للرئيس الأمريكى يقوم بأداء أدوار هزليه فى أوقات الفراغ ضد سياسات الرئيس مستغلا الشبه الكبير فى الوقت الذى يكرس مكتبه لمساعدة العاجزين عن العمل فى توفير فرص عمل لهم فى ظل الأزمه الإقتصاديه ،هذا فى الوقت الذى يبحث فيه الرئيس وحاشيته الفاسده عن شبيه للرئيس ليقوم بأدوار نيابة عن الرئيس ، وفى أول ظهور للدوبلير على مسرح الأحداث للتغطيه على الرئيس الذى كان بين أحضان إحدى العاهرات حدثت مفارقة ألف ليله وليله الرئيس الحقيقى أصيب بسكته دماغيه وأصبح عاجزا كليا عن أداء مهامه ، هنا تفتق ذهن الحاشيه الفاسده أن تستمر فى أداء اللعبه حتى تنفذ ما تريده من سياسات ثم تتخلص من الدوبلير ، ومع تسارع الأحداث أصبح الدوبلير أكثر إتقانا للدور وأستمر فى الظهور الإعلامى مدشنا مشاريع جديده وملتحما بالشعب فهو لم ينس انه ممثل وله دور سابق فى خدمة المجتمع وقد نال فرصة تغيير الأوضاع وأستطاع ان يعدل الأوضاع لصالح المجتمع والتى تتعارض مع مشاريع الطغمه الفاسده وهو ما أوقعه فى صدام مع تلك الطغمه التى فات أوان أن تتخلص منه أو أن تعلن عن حقيقه موت الرئيس وتخلص من الرأس المدبر الذى لم يصمت على طرده من الرئاسه وقام بجمع أوراق تثبت فساد الرئيس وهو بالطبع ليس الدوبلير ، حتى أصبح الجميع يتكلم بفساد الرئيس وهو ما يقرب فرصه التخلص منه ، ولكن دوبلير الرئيس الذى تحصن بنائبه الشريف والذى أفشى سره له  إستدعى مجلس الشيوخ ومجلس النواب لإجتماع على الهواء مباشرة ، وفى أداء رئاسى بإمتياز أعلن الرئيس الدوبلير أنه مسئول عن الفساد الذى حدث ولكنه فى حركه مسرحيه مباغته أخرج من حقيبته روزمة أوراق قال انها بخط يد رأس الفاسدين وهو الذى أثبت براءة الرئيس ، وفجأة يغمى عليه وينقل إلى المستشفى فى حركه مسرحيه تم خلالها إستبداله بالرئيس الحقيقى فى المستشفى و وأنسحب الدوبلير عائدا إلى عالمه الخاص وبعدها أعلن عن وفاة الرئيس الحقيقى وتوليه نائبه الشريف مقاليد الحكم والذى رحب به الشعب لإستكمال فتره الرئيس الذى وقف بجانبه "
ومع نهاية الفيلم يتبدى التشابه بين رواية ألف ليله وليله الفارسيه وبين الفيلم الأمريكى الحديث من ناحيه التمنى بأداء أدوار عظيمه ومستحيله تعبر عن واقع مأسوى وصلت إليه الشعوب المغلوبه على أمرها أو التى تريد إصلاحات فى مواجهة تغول الرأسماليه الجشعه على حياتها ، ولكن الفارق بين الحكايه والفيلم أن الحكايه وقفت عند مساندة الزمره الحاكمه لأمنيه الرجل فى مواجهة الملك التى ربما أرادت أن تتخلص من الملك وإستبداله بأخر ضعيف وسهل إستخدامه ومن ثم بقاء السيطره على الحكم قائمه ، أما الفيلم فلم يستسلم لفكره بقاء الزمره الفاسده بل تخلص منها الدوبلير عن طريق مساندة الشعب الذى إستدعى عن طريق الإصلاحات وعبر مساندة المخلصين وهم قله فى دائرة الحكم ، ولم ينسى مؤلف الفيلم أن يرجع الدوبلير إلى وضعه الصحيح حتى لا يصبح وجوده إستثناءا غير قابل التحقق فى مقابل تسليم السلطه للشرفاء والمخلصين .
بعد هذا كله هل هناك من يريد أن يلعب دور دوبلير الرئيس أو أن يتمنى ان يكون مكانه سواء على طريقة ألف ليله وليله الفارسيه أو الطريقه الحديثه ، أعتقد أن هذا محض خيال لا يساور إلا مرضى عجزوا وأستسلموا للواقع المرير ولم يعد فى مقدورهم القيام بأى شئ ، فلم تعد تجدى حكايات ألف ليله وليله نفعا فى زمن الفضائيات ولم تعد الزمره الفاسده فى حاجه إلى دوبلير ليقوم بدور الرئيس ، ولكن الذى تبقى هو قدرة الشعب على أداء دور البطل فى تقرير مصيره ومقاومة الفساد والمفسدين فى كل مكان فى مقابل إعلاء للشرفاء والمبدعين من أبناء هذا الوطن ، وهنا وهنا فقط يستطيع كل واحد من هذا الشعب أن يقوم بدور الرئيس وليس دوبلير الرئيس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...