بقلم / ياسر رافع
الحياد يعنى عدم الإنحياز أو الميل فى الموقف إلى طرف أكثر من الأخر خاصة فى نزاع أو حرب ( ويكيبيديا ) .. أى ان الحياد يتطلب أن لا نكون طرفا أصيلا فى مشكلة ما بين طرفين مختلفين ومتنازعين حتى نستطيع أن نقيم أو نعطى أحكاما على حاله بعينها ، لذلك فمصطلح الحياد عادة ما يستخدم فى السياق الدولى والنزاعات الدوليه ، وهو يختلف عن مصطلح " الإعتدال " الذى " يطلق على الأشخاص المنتمين إلى الوسطيه فى المفاهيم السياسيه والدينيه والذين يبذلون مجهودا خارقا فى محاوله عدم الميل مع طرف ضد الأخر فى مسأله تخص حتى المعتدل نفسه " ..اى أننا أمام مصطلح يتطلب الدخول فى معترك الخلاف نفسه عكس مصطلح الحياد لأن مصالح الجميع أصبحت على المحك لذلك فهو مصطلح محلى بإمتياز .. لذلك ومن خارج السياق العام الدائر فى مصر حول تقييم محاولة الإنقلاب الفاشله فى تركيا ، أجدنى مضطرا للحياد الكامل حتى أستطيع إعادة تقييم تلك المحاوله فى ضوء نتائجئها ، مبتعدا عن مسألة الإعتدال من عدمه الدائره بين التنظيمات السياسيه المؤيده والمعارضه للإنقلاب التركى فى مصر وكأن الإنقلاب التركى شأنا داخليا أو معيارا يقاس عليه الوضع المصرى .. إن نتائج محاولة الإنقلاب الفاشله فى تركيا تحتاج منا حيادا كاملا لفهم تداعياتها والتى ستطالنا حتما سواء على المدى القصير أو البعيد ، وهى كالتالى :أولا : إن تأييد المعارضه التركيه للرئيس أردوغان ووقوفها ضد المحاوله الفاشله لم يكن إنتصارا للديموقراطيه فقط بل لعدم الإرتداد للخلف حيث رأت المعارضه أن الإنقلاب لم يكن الا إنقلابا لتيار دينى متزمت على أخر وهذا سيضعف حتما المعارضه ويقضى على المسار الديموقراطى برمته فى تركيا وذلك بعدما تأكدت أن المحاوله لم يقم بها الجيش بل مجموعه صغيره منه ، وهذا أعطى المعارضه طمأنينه بان الجيش سيظل حاميا للمسار الديموقراطى على الرغم من تخوفاتها بشأن الإصلاحات التى يقودها الرئيس أردوغان فى المؤسسات الأمنيه والجيش ..
ثانيا : إتجاه صانع السياسه التركيه " أردوغان " مدعوما بالجيش ناحية الشرق بإتجاه روسيا ، معتذرا عن حادثة إسقاط الطائره الروسيه ليس كسلوك فردى بل متسلحا بسياسه جديده تتماهى مع المصالح التركيه الخالصه مبتعدا بمسافه عن الحليف التقليدى أمريكا وأوروبا ، بعدما رأى تعارضا للمصالح الغربيه والتركيه فى الجوار الإقتصادى والسياسى ، ودعم الغرب لقيام دوله كرديه تنتقص من السياده التركيه على أراضيها وجوارها الإستراتيجى بعدما طال أمد الصراع فى سوريا
ثالثا : الدوله التركيه التى إنتظرت طوال 50 عاما للبت فى طلبها للإنضمام للإتحاد الأوروبى ولم تحصل عليه ، وبعد الإتهامات التى وجهتها للغرب وأمريكا بدعم محاوله الإنقلاب بتزامن مع تدهور إقتصادى يطال الإتحاد الأوروبى نتيجة خروج إنجلترا منه ، فقد رأت أن مصالحها الإقتصاديه مع الشرق وخاصة روسيا ، عبر الإتفاق على تفعيل إتفاق مرور الغاز الروسى لأوروبا الشرقيه عبر تركيا فيما يسمى " بالسيل الجنوبى " والذى سيغطى الإحتياجات التركيه من الطاقه ويجعلها شريكا قويا للطاقه مع أوروبا
رابعا : إن تسهيل تركيا للتواجد الروسى عبر مشروع " السيل الجنوبى " للغاز مع وجود مشروع روسى أخر يسمى " بالسيل الشمالى " لإمداد ألمانيا بالغاز دون المرور بأوكرانيا فهذا سيجعل تركيا شريكا أساسيا فى مشروع روسى يهدف لإعادة السيطره على أوروبا الشرقيه التى ستعانى دوله كثيرا نتيجه أزمه سيوله ماليه نتيجه إتخاذ الغاز الروسى لمسارات أخرى بعيده عنه وربما تفلس بعض دوله مثل أوكرانيا
خامسا : دخول تركيا على خط السياسه الروسيه وتأييد خطواتها الراميه لمواجهة حالة الإحتواء التى تقوم بها الدول الغربيه وأمريكا ، وذلك عبر تأييد الإتفاق بين روسيا وإيران وأذربيجان لخلق ممرات تجاره جديده تخدم مصالح الجوار كله بعيدا عن أمريكا ..
سادسا : تغير السياسه التركيه تجاه سوريا وغلقها للحدود هو مؤشر على تنامى النزعه التركيه التى تعلى من مصالحها الخاصه فى مواجهة أمريكا والغرب وحلفاؤها العرب
أخيرا : يبدوا أن السياسه التركيه فى طريقها للصدام مع الغرب عاجلا أم أجلا ، وذلك لإتخاذها منهجا مغايرا عما سبق والمتماهى مع الغرب وأمريكا ، ليس فقط سياسيا بل إقتصاديا مما يجعلها على شفا حرب مع الغرب الذى يرى فى التعاون التركى الروسى تمددا روسيا جديدا فى الشرق وهو تهديد مباشر لأوروبا وأمريكا
فى النهايه يجب أن ننظر للشأن التركى ومحاوله الإنقلاب الفاشله بنظره حياديه مبرأه من الهوى مبتعدين عن التأييد أو المعارضة أو محاوله إعتدال لن يكون لها محل من الإعراب حال التناول لأن هذا شأن تركى داخلى خالص ولا يعنيننا ، اللهم إلا إذا تناولناه من ناحية الحياد الكامل والذى سيعطينا نظره أشمل وأوسع فى ظل النتائج المنبثقه من المحاوله الفاشله والتى حتما ستطال المنطقه فى برمتها لأن تركيا دخلت بثقلها لترجح كفه طرف على طرف أخر فى صراع ممتد وطويل حتما ستكون ساحته الأساسيه منطقتنا العربيه ..
طوفان الإنقلاب التركى لم تنحسر أمواجه بعد لذلك الحياد مطلوب والحذر أيضا مطلوب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه