بقلم / ياسر رافع
الشيخ
يعلوا صوته ويصدح بآيات القرآن الكريم ونحن جلوس فى خشوع يناسب المقام القرآنى
والمقام الجنائزى ، نستمع لآيات القرآن ، ولكن دائما ما يقطع الإنصات للقرآن
الكريم ، كثرة من يتقبلون منك العزاء سواء بالمرور عليك للتسليم وأنت جالس وبالمره
يبوسك ، أو من يمر رافعا يديه شاكرا لنا قدومنا للعزاء ، وفى كل مره نرد فرادى أو
جماعة ، ولكن أهم من يمر عليك هو صانع القهوه الذى تغير شكله وملبسه ، فهناك الشكل
الحديث الذى يلبس الزى الموحد البنطالون والقميص ويحمل كل أنواع المشروبات الساخنه
بجانب المياه المعدنيه ، وهو الذى لا يغنى عن وجود الشكل القديم الذى يلبس القفطان
الأبيض -ـ شبه بياضات الكنب وكفن الميتين ـ- ويحمل فى يديه أبريق القهوة الخضراء أو السوداء
وهو عادة يعرف المعزيين بالإسم وهو ما يجعل من مروره عليك فرصه لحديث سريع لحظة صب
القهوه ، فمع قدومه بالقهوه وكعادته معى لم يسألنى إذا كنت اشرب أم لا ؟ بل قام
بصب القهوه وناولها لى وقالى أنها جيده وحلوه ومضى يصب لصديق بجانبى الذى أخذ رشفة
من الفنجان وقال لى :
صديقى : إيه القهوه دى ؟ أنا عندى قهوه فى البيت برقبتها
أنا : دى
قهوه خضرا طعمها جميل
صديقى : سيبك إنت أنا عازمك بعد العزاء على فنجان قهوه عجب
أنا : إن شاء الله
دقائق معدوده وكان قارئ القرآن قد إنتهى ، فوقفت أنا وصديقى مستعدين للخروج ،
وقمنا بالسلام على طابور طويل من مستقبلى العزاء ، من يسلم عليك ومن يبوسك حتى وجدنا
أنفسنا فى الشارع ، وهنا جذبنى صديقى من يدي مصرا على شرب القهوه معه . وما أن
وصلنا للبيت حتى دخلنا إلى غرفة الصالون ، وتركنى ليخبر أهل البيت أن يعملوا
القهوه ، فنظرت حولى فى الغرفه فوجدت أن كل الكراسى والكنب مغلفة بقماش البياضات
المزركش والذى طبقا للثقافه الشعبيه يحفظ للقماش الأساسى وخشب الكراسى والكنب
رونقه لفتره طويله حارمين أنفسهم من الإستمتاع بالشكل الأساسى . هنا دخل صديقى
يحمل صينية القهوه :
صديقى : إتفضل كوباية قهوه ، إشرب وإدعيلى
أنا : تسلم إيدك يا حبيبى ، أكيد
طبعا هتبقى جميله
صديقى : على فكره أنا كنت عاوز أعلق على حاجه كتبتها على الفيس بوك ، ولكن قلت
أكلمك أحسن
أنا : خير إن شاء الله
صديقى : إنت كتبت بتقول " ثقافة العبيد هى ما توهمك بأن لك حق فى بلد تحكمه
السلطه والمال دون أن تعلمك كيف تتمرد " .. أنا مش فاهم إنت بتهاجم النظام
ليه ؟
أنا : أنا لم أهاجم النظام ، أنا
بهاجم ثقافة رجعتنا لورا آلاف السنين
هنا وجدت أن صديقى بدا متحفزا ويريد أن يكمل كلامه ،
صديقى : ولكن كل إلى قرأ الكلام دا فهم إللى أنا فهمته ، وعلشان كدا قلت أنبهك
هنا
إرتفعت ضحكتى وعلا صوتها ، حتى أنه إندهش ، وقبل أن يتلفظ بالكلام
أنا : إسمع علشان لا تتعب نفسك ،
هسألك سؤال ؟
صديقى : إتفضل إسأل
أنا : أنا من ساعة ما دخلت عندك الغرفة وجدت كل
الكراسى والكنب عليها بياضات ملونه وجميله ؟
صديقى : عادى يعنى ، كل الناس عامله كدا فى بيوتها ، مش فاهم إيه معنى سؤالك ؟
أنا : إسمع يا سيدى الثقافه عامله زى الكراسى
والكنب الجديده التى نتفاخر بها يوم شراؤها وماهى إلا ايام حتى يظهر من يقول لك
" لازم تعمل بياضات قماش علشان تحميها من التراب " . ومع مرور الوقت
والزمن نسى الناس شكل كنبهم وكراسيهم وأصبح التفاخر بينهم هو شكل البياضات
المتعددات اللون والطراز . دا حال الثقافه
اللى أنا عاوز أكافحه علشان الناس تعرف تفكر صح . ولو نظرت حواليك هتلاقى البياضات
تغطى كل العقول من قبل من يريد لها ان تظل هكذا لا تعمل ومصانه من التراب .
صديقى : إزاى يعنى ؟
أنا : بص حواليك هتلاقى إمام المسجد
يوم الجمعه فارش بياضات على عقول المصليين يكلمهم بكلام مزركش مر على أقربه زمنيا
ما لايقل عن مئات السنين للوراء مانعا العقل من النقد وإلا ؟ .. التعليم فارش هو
الآخر أكبر مساحه من البياضات على العقل وتعددت أشكال بياضاتة " دكتور ،
ومهندس ، وظابط ، ومحاسب ...... " ولكن أصل الثقافه عفى عليه الزمن وطاله
التراب ، و.......
صديقى : طيب أنا كدا فهمتك ، بس المثقفيين إللى زيك هما اللى بيساعدوا على فرش البياضات على عقول الناس .
ضحكت ضحكه وأهتز جسمى حتى وقع فنجان القهوه على الأرض .
أنا : وربنا عارف إنك هتوصل معايا للكلام دا . شوف المثقفين --- ومش كلهم -- لا يختلفوا عن غيرهم فالمجتمع كله عليه بياضات من الجهل المزركش علشان كدا هتلاقيهم ينقسموا إلى أقسام ، قسم يبرر ويساعد على عدم تغيير البياضات بإستمرار ليحافظ عل مكانته عند السلطه ، وقسم آخر يحاول أن يقاوم السلطه ولا يقدر وفى بعض الأحيان لا يريد ، فتراه ينظم عملية غسيل وكى البياضات ، وقسم يؤثر السلامه ويقول للناس إنتظروا بكره كل شئ هيتغير " الله غالب " .
صديقى : تصدق أنا سرحت وإكتشفت إنى مش فاكر لون الكنب بتاعى ، منك لله دماغى لفت
أنا : طيب أسيبك أنا فى كنبك وبياضاتك علشان رايح مشوار
صديقى : رايح فين ما إنت قاعد معايا
انا : لا أصل أنا رايح أشترى بياضات جديده
السلام عليكم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه