بقلم / ياسر رافع
إنقشع
الغبار وهدأت العاصفه التى نتجت عن أزمة الواحات بين قوات الشرطه والمجموعات
الإرهابيه وما تلاها من تغييرات فى صفوف قيادات الشرطه والجيش على حدا سواء وأيضا ما
تلا ذلك من ثأر القوات المسلحه لشهداء الشرطه وقتلها للعديد من الإرهابيين ناهيك
عن تحرير ضابط الشرطه الأسير لدى الإرهابيين ولكن مع إنقشاع الغبار وهدوء العاصفه
فقد بدا لنا أننا أمام أزمه إعلاميه خطيره صاحبت أزمة الواحات وتحملت الصحافه
وحدها وزر اللوم والتقريع سواء من الدوله أو من المواطنيين الذين ظلوا يتابعون
الصحافه العالميه بشغف وإهتمام مشوب بالخوف مما هو حادث فى الواحات من إشتباكات
بين قوات الشرطه والإرهابيين وسط تخبط وعدم إهتمام وغياب شبه تام للصحافه المصريه
التى إكتفت بترديد ما تقوله الصحافه العالميه وأصبحت مواقع السوشيال ميديا هى من
تقود العمليه الإعلاميه فى مشهد بدا وكإنه
إعلان وفاة للصحافه التى أصبحت كعجوز إنقطع طمثها وعجزت عن ولادة أى جديد ..
ما الذى أوصل الصحافه المصريه إلى هذه الحاله المزريه والتى فقدت فيها بريقها ؟
من يتابع الصحافه المصريه فى السينما المصريه سيجد تشخيصا ولو بسيطا لهذه الحاله .
فلقد تناولت السينما المصريه الصحافه من خلال تجسيد شخصية الصحفى والتى تنوعت بين
الصحفى الوطنى ، والمرتشى ، والمتسلق ، وما إلى ذلك من الصفات فى أفلام "
القاهره 30 " و " دموع صاحبة الجلاله " ، " اللص والكلاب
" وغيرها من الأفلام السينمائيه ولكنها وعلى الرغم من التناول الشخصى فى
معظمها إلا أنها كانت تترك أثرا واضحا على المشاهد من أن الصحافه قوه كبيره مثلت إغراءا
بالإنتماء إليها من كافة فئات المتعلمين الذين يطمحون إلى الترقى المجتمعى
والثقافى . ولكن فى إعتقادى أن الفيلم السينمائى الوحيد الذى يجسد حال الصحافه
بصحفييها على السواء الأن – إلا من رحم ربى – هو فيلم " سر طاقية الإخفاء
" الذى أنتج فى العام 1959 وهو يحكى قصة صحفى شاب إسمه " عصفور قمر
الدين " لا يرضى عنه رئيس التحرير ويصفه دائما بالفاشل ، حتى أنه أقدم على
الإنتحار بعد علمه بإشاعة وفاة حبيبته الصحفيه بذات الجريده فى حادث ، وبينما يعلق
نفسه فى حبل المشنقه فى البيت يحدث إنفجار فى معمل والده الحالم بتحويل التراب إلى
دهب ، ويظهر أول عفريت كيميائى فى التاريخ القديم والمعاصر كناتج عن الإنفجار - على
يد المخرج - الذى سرعان ما يحترق ويتحول إلى تراب سحرى يخفى من يلبس الطاقيه التى
إنغمست فيه ، ومع تتالى الأحداث يطلب " عصفور قمر الدين " فرصه من رئيس
التحرير ليثبت كفاءته الجديده المعتمده على العفريت ويقنع رئيس التحرير بأن كفاءته
نابعه من السر الدفين فى كتب السحر وهى كلمه سحريه تفتح له الأبواب المغلقه وهى
" البالالالالم " . وبما أن رئيس التحرير يمتلك صحيفه مريضه لا تقوى على
المنافسه ولا تملك أى مقومات فقد وافق على إعطاء فرصه لعصفور قمر الدين الذى
إستخدم طاقية الإخفاء وقام بتحقيقات صحفيه جباره جعلت منه ملكا متوجا فى الصحيفه
ورفع نسب توزيع الصحيفه التى كانت تكافح السقوط . ولكن مع ضياع الطاقيه وذهابها
إلى شخصيه أخرى فى الفيلم فقد قل حماس عصفور ورجع إلى سابق عهده بل ومتبوعا بشتائم
رئيس التحرير ذاته .
ومن هنا يحدث التشابه بين الحاله العصفوريه وجريدته فى فيلم سر طاقية الإخفاء وبين
الصحفيين وجرائدهم القوميه والخاصه الأن ، صحفيين شباب فى معظمهم يمتلكون قدرات
كبيره ولكنهم عاجزون وجرائد تعانى سقرات الموت السريرى فى عالم طغت عليه الوسائل
الإلكترونيه ، ينتظرون القدرات الخارقه التى تمنحهم فتحا كبيرا ينقذهم وينقذ
جرائدهم على غرار عفاريت آدميه كانت حلقة وصل بين السلطه والصحافه قديما مثل
" محمد التابعى " و " محمد حسنين هيكل " و " موسى صبرى
" وغيرهم . ولكن هذه الأيام ومنذ سنوات سابقه إنقطع تحضير العفريت الصحفى من
قبل السلطه وأنقطع الإلهام والتنسيق بين السلطه والصحافه ، ومن ساعتها والصحافه
تعانى ضمور فى المعلومات خطير إختفت على إثرها صحافة التحقيقات وصحافة الخبر من
المصدر وسادت الشائعات ونقل الأخبار وسرقتها دون ذكر مصدرها بين الصحف ، وأصبح حلم
كل صحفى أن يحدث معه كما حدث مع " عصفور قمر الدين " ويظهر له عفريت
يفتح له الأبواب المغلقه فى ظل غياب التنسيق بين السلطه والصحافه .
أزمة الواحات ألقتنا علي قارعة واقع مرير
لأكبر صحافه عربيه وشرق أوسطيه ، واقع التراجع الحاد الذى لم يتطور والذى بدا أنها
كانت تعتمد فى إستمراريتها على عفريت من بنى البشر قادر على أن يكون حلقة وصل بين
السلطه والشارع عبر الصحافه وما أن قررت السلطه صرف العفريت على طريقة الدجالين
حتى حدث التراجع وأصبح الواقع المعاش الأن هو تمنى معظم الصحفيين الذين لم يجدوا
واقعا متجددا يتعلمون فيه أن يظهر لهم عفريتا سواء كيميائى أو فيزيائى ينقذهم من
واقع ضمور المعلومات وجرائدهم التى تعانى وربما مع تطور الصحافه الإلكترونيه لا
يجدون قوت يومهم .
صحافتنا محتاجه عفاريت جديده مبدعه وخلاقه ، وسلطه تريد واقعا جديدا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه