بقلم /
ياسر رافع
طابور
طويل من المواطنين المحالين على المعاش منقسما إلى نصفين ، النصف الأول للرجال
والنصف الثانى للسيدات ، زحام وجو يحمل من الحراره والرطوبه ما يجعل من الوقوف فى
هذا الطابور نوع من التعذيب خصوصا وأن معظم المواطنين هم من كبار السن ، ومرت
الساعات ثقيله والطابور يتحرك كالسلحفاه ، وكالعاده المصريه تجرى حوارات بين
الواقفين فى الطابور تختلف وتتنوع لتطال كل مناحى الحياة اليوميه ، فى تلك اللحظه
وبينما أتصبب عرقا بسبب سطوع الشمس ، فإذا بصوت عالى يبدوا أنه بداية لشجار كحال
كل الطوابير التى تشهد زحاما وتكدسا ، وحدث هرجا ومرجا وتفاعل الجميع معه وخاصة
السيدات اللائى بدا أنهن محور الحديث ،
فقمت بدور المخلص وتم تفريق المتشاجرين ، ولكنى لاحظت أن هناك شخص بدا من مظهره
الوقار والتعليم العالى وكان أحد طرفى المشاجره أو الملاسنه اللفظيه التى حدثت منذ
قليل فى مقابل طرف عباره عن خليط من المحالين للمعاش من العمال وصغار الموظفين
وسيدات أرامل ومستحقات لمعاش الضمان الاجتماعى . المهم زاد فضولى لأعرف سبب
المشاجره ، فجلست بجوار ذاك الشخص الوقور وسألته :
صديقى : ممكن أتعرف على حضرتك ؟
الشخص الوقور : إسمى الأستاذ عبد الرحيم
صديقى : هوا حضرتك بتتخانق ليه ؟ إيه سبب المشكله ؟
الأستاذ عبد الرحيم : دول شويه بهايم وجودهم زى عدمهم
صديقى : طيب هدى أعصابك شويه ، وقولى السبب إيه ؟
الأستاذ عبد الرحيم : أنا واقف فى حالى ومستنى دورى فى الطابور وحاطط الجورنال على رأسى من الشمس ، وفجأه سألتنى
واحده من طابور الستات وقالتلى " اللى قولى يا أستاذ هوا حال البلد مش هيتصلح
بقى ، الأسعار بقت نار ؟ " ، فقلت لها إن شاء الله يا مدام .. فردت عليا
وقالتلى " مدام يكرم أصلك يا أستاذ " .. المهم شويه ولقيتها بتسأل تانى
وبتقولى " يعنى لو مكنش فيه ثوره مش كان حالنا بقى أحسن ؟ " .. السؤال مع
الحرعصبنى وفجأه لقيت نفسى بقولها " كانت هتبقى أحسن لو ما رقصتى قدام اللجان
بتاعت الإنتخابات " ، وهنا أشتعل الموقف ولقيت شتايم ورفع شباشب وردح وألفاظ
بذيئه وساندها الرجاله والستات اللى بجوارنا من الجرابيع اللى إنت شايفهم دول . دى
ناس لازم تموت وتنتهى من حياتنا دول سبب بلائنا بفقرهم وجهلهم .
صديقى : طيب ممكن تهدى ؟ هوا حضرتك شاركت فى الثوره ؟
الأستاذ عبد الرحيم : أيوه .....
فى هذه الأثناء تم النداء على إسم والدى ، فقمت على الفور لأقبض معاشه لأنه مريض ،
ولم أكمل الحوار مع الأستاذ عبد الرحيم .. "
بهذه الروايه التى قام صديقى يإلقاءها على مسامعى ، وجدته ونحن نمشى سويا فى
طريقنا لقضاء واجب عزاء ، يطرح علي تساؤلا مفاجئا ولكنه بدا تساؤلا مهما فى تلك
اللحظه التى تمر بها مصر :
صديقى : هو ليه النخبه المصريه على إختلافاتها السياسيه ليل نهار بتشتم فى الناس الغلابه
وبتحملها مسئولية الحاله السياسيه فى مصر ؟
أنا : المسأله بغاية البساطه ، النخبه تدارى فشلها وذر الرماد فى عيون الغلابه
الذين أوصولهم إلى قمه لم يقدروا أن يحافظوا عليها .
صديقى : بمعنى ؟
أنا : قبل الثوره الفرنسيه إنسد أفق الحل فى فرنسا وأصبح الحال لا يرضى الجميع
وتصاعدت حدة التظاهرات الرافضه لسياسات الملك ، لكن كانت هناك فئه تتضور جوعا من
الكادحين والفقراء إسمها " اللامسترولون " هى من أخذت زمام المبادره
وقامت سيده " حافيه " منهم ووقفت تصرخ " إلى الباستيل " فهاجمت
جحافل الفقراء سجن قلعة الباستيل رمز الطغيان الملكى ، وبسبب هذا إنتصرت الثوره
ورحل الملك لويس الرابع عشر ، ولكن اليعاقبه " زمرة المثقفين والمبشرين
بالثوره " إعتلوا الحكم وحدث تصادم بين الكادحين الذين يريدون " الحريه
والخبز " واليعاقبه الذين يريدون " مجتمعا ثوريا دائما " ، وهو ما
بشر بعهد الإرهاب الذى قضت فيه الحكومه الثوريه على نفسها بنفسها وتم قتل تقريبا
جميع من قام بها ، مما مهد الأرض بعد سنوات ولظروف أخرى لعودة الملكيه مرةأخرى إلى
فرنسا
صديقى : أفهم من كدا أن سبب فشل الثوره الفرنسيه هم المثقفين ؟
أنا : المعنى على إطلاقه خطأ ..
صديقى : ولكن اللى حصل فى فرنسا لم يحدث فى 25 يناير وبعدها فى 30 يونيو
أنا : لا دا حدث بالفعل مع إختلاف المسميات وبعض التفاصيل ، خد مثلا الحاله التى كانت
تعيشها مصر قبل ثورة 25 يناير كانت ظروف حبلى بإشارات ثوريه حتى قامت المظاهرات فى
25 يناير وسرعان ما تحولت لغليان شعبى ضخم ، تحول لغضب عارم نتيجة ممارسات القمع
وهاجمت الجماهير مبنى " الحزب الوطنى الحاكم " فى ميدان التحرير وحرقته
فى إشاره لنهاية عهد وبداية عهد جديد رافعه شعار " العيش والحريه " ،
ولكن كما فعل اليعاقبه فى الثوره الفرنسيه فعلت المعارضه المصريه وعزلت نفسها عن
المطالب الآنيه التى تفهمها الجماهير الجائعه الغاضبه ، وارادت تطهيرا كاملا سرعان
ما أختلف الفرقاء على ماهية ذاك التطهير ، وأنفلت الوضع وأصبح الوضع يبشر بنهاية
كنهاية الثوره الفرنسيه ، فكان أن عادت الجماهير التى كانت تريد " عيش وحريه
" مدفوعه بالخوف على لقمة العيش ومتسلحه بتعريف جديد لها " حزب الكنبه " فأطاحت بالنخبه والمعارضه
مما مهد الأرض لإعادة ترتيبات آخرى لشكل الحكم .
أنا : إستفدنا الشتائم والتراشق بالألفاظ النابيه ، وتحميل الفقير مسئولية اللى حصل من فشل ، وكما ضاع صوت المرأه التى وجهت الجماهير للباستيل سدى ، ضاع أيضا مجهود نساء مصر اللائى كانوا فى طليعه كل إستحقاق إنتخابى طلبته النخبه وكانوا هم الأكثريه أمام اللجان ومع ذلك لم يفكر أحد من النخبه الذكوريه أن يتوارى خجلا أمام هذا الموقف النسائى .. واصبحنا جميعا فقراء وكادحين ونخبه أسرى باستيل أشد وطأه من سجن الباستيل ومبنى الحزب الوطنى ، إنه باستيل نخبه معاديه للمستقبل لم تقدر مجهود الفقراء والكادحين
....
إنتهى الحوار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه