بقلم / ياسر رافع
عندما
وصلت لمكه المكرمه قرب صلاة الفجر وبعد رحله شاقه لاداء مناسك العمره ، وعلى الرغم
من التعب والإرهاق الشديدين لطول المسافه التى قطعتها للوصول لمكه المكرمه ، فإن
الدخول فى اداء المناسك أنسانى هذا الإرهاق وذوبت فى مجموعات بشريه لها هدف واحد ،
طاعة الله ورجاءا لعفوه وأملا فى دخول جنته ، وبعد أن تحللت من إحرامى مع الساعات
الأولى للصباح ، حتى أسلمت نفسى للنوم العميق، وما أن إستيقظت من نومى حتى وجدتنى
وبعد إنتهاء صلاة الظهر ، أطوف حول المسجد الحرام من الخارج ، محاولا البحث عن
سؤال شغلنى منذ أن حطت قدماى أرض مكه ، وهو كيف يمكن لأناس أن يعيشوا فى هذا الجو
القائظ شديد الحراره التى تغلى لها الأدمغه خارج ما وفرته التكنولوجيا من رفاهية
المكيفات ؟ فما بالك بعهد بعثة الرسول الكريم ( ص ) ؟ وهكذا تداخلت الأحداث ما بين
القديم والحديث ، حتى بعدت المسافه بينى وبين المسجد وهنا وجدت مشهدا لألة عملاقه تعمل بكامل طاقتها لتسويه طريق ، وهذا الطريق
صخرى وصلد جدا ، ولفت نظرى أن أرض مكه فى معظمها كذلك . هنا وجدت نفسى سارحا
متخيلا ما تحمله النبى ( ص) من مشقة التبليغ والدعوه إلى الله فى مثل هذه البيئه
قاسية الطبيعه ، وأدركت ساعتها أن تعذيب الصحابى الجليل بلال بن رباح لم يكن
تعذيبا عاديا بل أشد قسوه مما نتصور فقد تحمل قسوه طبيعه لا ترحم وقسوة قلوب لا
تعرف معنى الإنسانيه . وحينما رجعت من العمره كانت هناك مفاهيم قد تغيرت او
بسبيلها لإعاده التمحيص ، خاصة مع ما وجدته عند عودتى عندما وجدت حفاوه ممن حولى
لأننى أتممت العمره ووجدتهم يسألوننى عن
هدايا ( مسبحه أو سجادة صلاه أو بعض من ماء زمزم ) ولم يتطرق لأحد أن يسألنى عما
حدث لى من تغير فى هذه الرحله ؟ بل سمعت صوتا يقول لى " أنت اليوم مغفور لك
الذنوب " فقلت شكرا يا سيدى على صك الغفران .
لكن الأسئله أصبحت تتوالى على نفسى تحاصرنى طيلة أيام طويله ، هل مشهد الأله
العملاقه وتسوية الصخر محض صدفه ؟ أم أنه إشاره إلى مشهد أكبر لأله عقليه جباره
معطوبه لا تقدر على إزالة صخر التاريخ والفقه الذى علق بعقول المسلمين ؟ والذى
أنساهم مشهد النبى (ص) وصحبه الكرام وهم يكافحون الطبيعه القاسيه والقلوب الأشد
قسوه من أجل بناء إنسانيه جمعاء ، وإنسان يعبد الله بقلبه وعقله ، بعيدا عن ثقافة
كهنة المعبد التى تجعل الناس عبيدا لهم بعيدا عن حرية الإنسان لدى النبى . يبحثون
عن صكوك غفران تعوضهم عن عجزهم على تغيير واقعهم ..
" إن غاية النبى لم تكن تربية اللحى والحجاب والمساجد لتشير إلى الله ، وإنما
تربية قلوب تشير إلى الإنسان لأنه ليس الله هو مشكلة الوجود .. بل الإنسان هو
مشكلته " هكذا يقرر عبد الرزاق الجبران فى كتابه " جمهورية النبى "
والذى قرر أن مشكلة " أبو سفيان " و " أبو لهب " لم تكن فى
تحطيم أصنامهم ولكن فى كيفية تقبل المساواه مع العبيد فى وحده إنسانيه كبيره تضم
الجميع ، فى كنف جمهورية النبى التى تعلى من القيم الإنسانيه التى تجعل الإنسان
حرا بعيدا عن سلطة الحاكم والكاهن ، وأن الطريق إلى الله واضح المعالم فلا تتركوه
وأن " الدين ليس إقامة الصلاه فى المعبد لأن الدين هو أن تقيم إنسانا بين
الناس " " وان الدين ليس هو ان تتعلم العبوديه فى المعبد ، ولكن هو أن
تتعلم الحريه "
جمهورية النبى هى جمهورية الحب والإخاء والمساواة ، جمهورية العدل ورفع الظلم عن
المظلومين ، جمهورية ليست طوعا فى يد الحكام والكهنه ، دوله ألات العقول الجباره
والقلوب النقيه التى تعبد صخور التخلف والجهل والتعصب والإرهاب ، دوله الثوره على
الموروث لأنها جمهوريه مجدده غايتها بناء الإنسان بعيدا عن عبوديه صكوك الغفران
قديما وحديثا ، ليست جمهورية من دخل على
فاطمه بنت الحسين بعد معركة كربلاء فى خيمتها وبعد مقتل أبيها وهى صغيره محاولا
سرقه خلخال من رجليها وهو يبكى ،
فقالت له : ما يبكيك يا عدو الله ..
فقال : كيف لا أبكى وأنا أسلب أبنه رسول الله
فقالت
له : لا تسلبنى
فقال : أخاف أن يجئ أحدا غيرى فيأخذه
أى ليست من يتشدق ويبكى تدينا ولم يراع إلا ولا ذمه فى الناس ، إنها جمهورية
الضمير الإنسانى التى تركها لنا النبى محمد ( ص ) ميراثا وعهدا بيننا وبينه أمام
الله
هكذا كان نبيكم داعية إلى جمهوريه إنسانيه كبرى تضم بين طياتها من يريدون الوصول
إلى الله من خلال إنسانيتهم وليس من خلال عبوديه الإنسان لأخيه الإنسان ، وليس عبر
توزيع صكوك غفران من الحكام والكهنه .. فماذا تبقى من جمهوريته بينكم ونحن نحتفل
بذكرى مولده ؟ ألستم معى أن ألات الإنسانيه الجباره التى أوجدتها جمهورية النبى قد
تحطمت على صخور الجهل والتخلف الإرهاب وعبوديه الحاكم والكاهن ؟ ألستم معى اننا
تخلينا عن الإنسان وأستمرأنا صكوك الغفران ؟
تذكروا أن ذكرى نبيكم تستدعى أن ترجعوا إلى إنسانيتكم ، وإلى جمهورية النبى فهى الطريق إلى الله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه