الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

المغناطيس الإسلامى



 

بقلم / ياسر رافع

الإستراتيجيات  إملاء جغرافيا وتاريخ ، وقد تتغير السياسات المعبره عنهما لتتلائم مع متغيرات الظروف ، لكن الإستراتيجيه تعلم دارسيها أن الأهداف يمكن الإقتراب منها عن طريقين : إقتراب مباشر أو إقتراب غير مباشر ، مع بقاء الهدف فى الحالتين ظاهرا أمام عيون طالبيه حتى وإن أخذتهم التضاريس إلى الطرق الدائريه _ محمد حسنين هيكل _ ..
هكذا كانت تلك طريقه تعامل " أمريكا " الإستراتيجيه مع المنطقه العربيه والإسلاميه ، إقتراب مباشر تارة وإقتراب غير مباشر تارة أخرى ، وذلك من أجل تحقيق إستراتيجيتها العامه وبما يحقق مصالحها المباشره دون النظر لمصالح الأخرين ، وهى بسبيلها إلى تحقيق تلك الإستراتيجيه فهى تتبع كل الأساليب الممكنه والقابله للتحقق على أرض ، حتى وإن إستعملت أساليب يراها البعض أساليب جديده ، ولكنها فى الواقع أساليب قديمه بغطاء حديث ، مثل إستعمال الدين والتحالفات الدينيه لتبرير سياسات بعينها لإقرار واقع سياسى وعسكرى مراد له التطبيق على الأرض .. فهى التى رأت أن " القوميه العربيه " فى خمسنيات القرن العشرين خطر على مصالحها الإستراتيجيه فسارعت إلى إستدعاء الدين لمحاصره تلك الدعاوى القوميه التحرريه والتى رأتها إمتداد وتمددا للنفوذ السوفيتى المناهض لها ، وقد كان الدين هو الإستدعاء العاجل للحل الاستراتيجى ، وهو ما ترجم بسياسة " المغناطيس الإسلامى " والقائله بالعمل على إنشاء تحالف إسلامى مكون من السعوديه وتركيا وباكستان لتكون نواة لمغناطيس عملاق يكون عامل جذب لكل الدول الإسلاميه والتى تمثل حزام حول الإتحاد السوفيتى من أجل العمل على محاصرة والقضاء عليه . وهكذا جرى التحضير وأنشات منظمه " التعاون الإسلامى " لتكون غطاء للمغناطيس بعد إخفاقه الأول فى مشروعه العسكرى فى " حلف بغداد " وتكون منظمه مناوئه للقوميه العربيه التى كانت أنذاك فى أوج مجدها ..
وبعد أن سقطت القوميه العربيه على وقع هزيمه 1967 وإنحسار بريقها ، وبعد إنتصار أكتوبر 1973  ، فقد بدا أن هناك  تماهى سياسى جديد يرى فى أمريكا أنها القدره والفاعله وأن بيدها وحدها حل قضايا المنطقه العربيه بنسبة 99 % ، مما شجع أمريكا على تنفيذ سياستها الإسلاميه لمحاصرة الإتحاد السوفيتى ، وهو ما تحقق لها ولكن ليس علنا خوفا من رد فعل مباشر للروس .. وذلك بتشجيع العداء الاسلامى الروسى ومساندة الجهاديين فى أفغانستان ، وتشجيع قيام " نادى السفارى " المكون أساسا من دول إسلاميه للحد من النشاط السوفيتى المناهض لها فى أفريقيا ..
ومع سقوط الإتحاد السوفيتى ، والذى بدا إنتصارا أمريكيا فى إسترتيجيه " المغناطيس الإسلامى " ، وعلى الرغم من الأعراض الجانبيه لذاك الحل من موجات إرهابيه كبيره طالت العالم بأكمله ، إلا انه وفر لأمريكا غطاءا سياسيا وعسكريا جعل منها أمبراطوريه أحاديه القطب فى عالم متلاطم .. ومع تسارع الأحداث والسنوات فقد بدا أن أمريكا وحدها لا تستطيع أن تحكم العالم بمفردها فى الوقت الذى بدأت تظهر فيه مراكز قوى أخرى فى العالم ، فكانت أن تبنت سياسه جديده مناسبه لعالم متعدد الأقطاب لمحاصرة تلك القوى والتى رأتها أخطر على مصالحها دون غيرها وهى روسيا والصين . فكانت أن إستدعت " المغناطيس الإسلامى " مرة أخرى لتقديم مبررات لحصار جديد لروسيا والصين ، وكيف يكون المبرر لإستدعاء المغناطيس وروسيا اليوم ليست تلك الدوله الملحده الكافره ، وأمريكا المسيحيه نفسها موجوده بجيوشها على أرض إسلاميه ، لذلك جرى تغيير أقطاب المغناطيس لتناسب الحدث وتم إستغلال التدخل الروسى فى سوريا لمساعدة النظام السورى ضد الجماعات الإرهابيه من أجل الترويج بفجاجه أن روسيا تقمع الحريه وتساعد نظام فاشى وتقف ضد طموح الشعب السورى ، ولكن يبدو أن هذا الترويج لم يلقى أذانا صاغيه خصوصا بعد الإستعراض العسكرى الروسى بسلاحه المتقدم والذى أربك الحسابات الأمريكيه والتى رأت أن الدخول فى صراع مسلح مع الروس هو النهايه ، لذلك فجأة وبدون مقدمات  تم الإعلان عن إنشاء " التحالف الإسلامى " بقيادة السعوديه  وتبرير وجوده محاربة الإرهاب للتدخل فى سوريا والعراق ، ولكنه ذاك المغناطيس القديم الذى يريد مساعدة أمريكا فى إستراتيجيتها التى تقوم على محاصرة روسيا والصين ، وكذلك القضاء على المحاولات المصريه لإنشاء " القوه العربيه المشتركه " .. التى تعلى من شان النظام العربى فى مواجهه إسرائيل ..
ولكن هل ينجح هذا التحالف الإسلامى الجديد ، خاصة مع إنسحاب تركيا وباكستان وماليزيا منه ؟ الإجابه على هذا السؤال عند مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق " زينجو بيرجنيسكى " فى حوار قديم  مع جريدة " لانوفيل أوبسرفاتور  قال " لننظر إلى الأحوال الإسلاميه بدون تهييج ، هنالك دين له إحترامه وله أتباع يقدر عددهم بمليار ونصف المليار من الناس ، لكن الدين لا يجمع هؤلاء سياسيا فى التحليل الأخير ، ما الذى يجمع مسلما أصوليا من السعوديه أو مسلما عسكريا من باكستان أو مسلما معتدلا من المغرب ، أو مسلما متعلما من مصر أو مسلما قبليا من وسط أسيا ؟؟ لا شئ يجمع هؤلاء إطلاقا ، لا يجمعهم إلا ما يجمع المسيحيين فى العالم وهو فى الواقع لا شئ : " .. خلص الكلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...