السبت، 18 ديسمبر 2021

مصر .. طبيب المريض الواحد




بقلم / ياسر رافع

يخطئ من يظن أن لا مقاربات بين مهنة الطب والسياسه ، حيث يهتم الطب بسلامة الجسد البشرى والحفاظ عليه من الإعتلال ، ناهيك عن التدخل الجراحى المباشر عندما يستدعى الأمر ويكون المريض على شفا الموت وهو تقريبا الفعل السياسى على الأرض حيث تكون مهمه السياسه الحفاظ على سلامة المكتسبات الإسترتيجيه للدوله  من كل الأخطار التى تحيط بها ، ناهيك عن التدخل العسكرى فى أحيان كثيره من أجل الحفاظ على تلك المكتسبات درءا للأخطار المحيطه بالدوله .. وهذا يعتبر صلب الإسترتيجيه العامه للدوله المصريه منذ نشأتها فى غابر الأزمنه وحتى الأن .. علاقة الطبيب والسياسى  ..
لذلك عندما كشفت وثائق " ويكيليكس" عن محضر إجتماع سرى جرت وقائعه  قبل ثورة 25 يناير بين رئيس الوزراء القطرى السابق " حمد بن جاسم " ومسئول إسرائيلى ، تحدث فيه " حمد بن جاسم " موصفا الدور المصرى فى القضيه الفلسطينيه قائلا " مصر طبيب لديه مريض واحد _ القضيه الفلسطينيه_ وتريد إطالة مرضه لتبقى قائد المنطقه " .. فإنه بذلك قد أعطى للبعد السياسى بعدا مرضيا وتوصيفا للأسف يبدوا أقرب للواقع السياسى المصرى خلال سنوات حكم مبارك ، فبعد أن كانت الخريطه العربيه من المحيط للخليج تمثل مجالا واسعا لحركة السياسه المصريه التى تحافظ كما الطبيب على الجسد المصرى ناهيك عن الجسد العربى ككل ، ولكن ما حدث من تراجع واضح للسياسه المصريه على الساحه العربيه والشرق أوسطيه بداية من عهد السادات وحتى نهاية عهد مبارك ، قد قزم دور " الطبيب_السياسى " وأصبحت حدود الجسد السياسى المصرى الخارجيه هى حدود القضيه الفلسطينيه ، والتى بدورها تقطع جسدها إلى قسمين تصارع عليهما الجميع من أجل مزيد من تقزيم للدور السياسى المصرى ، وهو ما تجلى فى مزاحمة الدور القطرى للدور المصرى على جثة المريض الفلسطينى ، وهو ما حول قطر من شقيق إلى عدو  يحاول بشتى الطرق أن يأخذ دور الطبيب المصرى فى الصراع الإسرائيلى _الفلسطينى ، بل محاولا ضرب إستقرار مصر ذاتها للإنفراد بالمشهد العام  وهو ما ذكره " حمد بن جاسم " قائلا "  أن الدوحه تتبنى خطه لضرب إستقرار مصر بعنف وأن قناة الجزيره ستلعب الدور المحور لتنفيذ هذه الخطه ، عن طريق اللعب بمشاعر المصريين لإحداث هذه الفوضى "
هكذا كان توصيف لحاله الطبيب_السياسى المصرى قبل ثورة 25 يناير المجيده ، ولكن ماذا حدث بعدها ؟ وهل حدث تطور جديد يعيد لدور الطبيب_السياسى دوره الطبيعى على الساحه العربيه وقضيته المركزيه  الفلسطينيه ؟ أم مزيد من التدهور إلى حد الإنكفاء الذاتى لتضميد جراح طالت الطبيب نفسه؟؟؟؟؟
للإجابه على هذه الأسئله يبدوا أننا لن نجد صعوبه كبيره فى التوصيف ، وإستنتاج ما حدث لدور الطبيب_السياسى فبعد قيام الثورات الربيع العربى وفى مقدمتها 25 يناير ، فقد حدث تدهور شامل لمنظومه الأمن العربى الذى أصبح مستباحا لكل القوى الغربيه والعالميه ، وأصبح الحديث عن جسد قابل للشفاء وإلتئام الجروح محل شك ، ولم يعد للطبيب_السياسى المصرى رؤيه واضحه لطبيعة دوره فيما يجرى على الساحه العربيه ، وأصبح اللاعبين كثر على الساحه ومنهم من يريد ليس فقط تقزيم للدور المصرى بل محاوله لإنهاؤه فى محاوله لتشكيل الوضع العربى والإقليمى بعيدا عن مصر ،
وهو ما تجلى فى التحالف القطرى_التركى والذى يبذل مجهودا كبيرا وواضحا فى محاوله لنزع المريض الفلسطينى من بين يدى الطبيب_السياسى المصرى ، حتى يتم حصار مصر وتقزيمها داخل حدودها بعد أن تقلص دورها على طول المساحه العربيه ففى محاوله تركيا لتطبيع العلاقات وبدء المصالحه التركيه_الإسرائيليه ، وضعت ثلاث شروط قبلت إسرائيل منهم شرطين وهما الإعتذار وتعويض ضحايا السفينه مرمره التى كانت متجهه لغزه لفك الحصار ، ولكنها رفضت الطلب الثالث وهو طلب تركيا بأن تكون لها الولايه على قطاع غزه مستغلين حاله الصدام بين الدوله المصريه وحركة حماس فى القطاع ..
هكذا تقزم دور الطبيب_السياسى وأصبح الصراع على أخر مرضاه ، هو السبيل للقضاء على نفوذه الذى يبدوا أن الجميع يتباكى عليه ، وهم لم يبذلوا جهدا طيلة عشرات السنين فى الحفاظ عليه ، ولن يشفع لهم التمدد على طول خارطة العالم الإسلامى  وراء تحالف سعودى الذى لن يجدى نفعا ..
لذلك فإذا كانت القياده المصريه راغبه فى أن يكون لمصر دورا أكبر فى المنطقه ، وأن لا تفقد مريضها الفلسطينى ، فيجب على الطبيب_السياسى المصرى أن يعى طبيعه الصراع فى الزمن الجديد ، وأن يعتمد أليات عمل متطوره ومناسبه محتواها أن الإعتماد والتحصن وراء القضيه الفلسطينيه لم يعد مجديا ، بعد خروج كل القوى العربيه المؤثرة ولو مؤقتا من خريطه التأثير العربى ، ودخول دول هامشيه كقطر وخارجيه كتركيا كعاملين مؤثرين فى تشكيل طبيعه الصراع فى المنطقه  .. وإذا كان مشرط الطبيب لازم فى حالات معينه ، فإن إستخدام السلاح كأدوات للسياسه يصبح لازما وجاهزا للإستخدام وفورا للحفاظ على ما تبقى من بقايا سيادة ونفوذ ..
فهل هناك من يسمع ويعى .. قبل أن نجد من يملى علينا شروط بعد خواء العيادة من المرضى ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...