بقلم / ياسر رافع
كثيرا من الناس لا يعرفون " الموشح " .. إنه نظم شعرى مقفى ممزوج بالعاميه فى إطار غنائى ، عرف بمسميات مختلفه على حسب عدد الأأبيات ، فهو الرباعى والخماسى والسداسى والسباعى وهكذا ، وهو معروف فى بقاع عده من الوطن العربى بمسميات مختلفه لعل من أشهرها ما عرف بـــ " الموال " ، لكن تتفرد بلاد الشام بهذا الإسم ، ولسخرية القدر فإن معقل هذا الفن هو مدينة " حلب " المكلومه التى قدر لها أن تتصدر فى الأيام السابقه واجهة الأحداث الداميه بعد أن كانت عنوانا عريضا ومعقلا لأهم الفنون التراثيه الشاميه ، والتى أصبحت تحت القصف وتعدد الدول والفصائل المتحاربه فيها أعظم " موشح حزين " يحكى على أنغام حزينه قصة مدينه كل ما جنته أنها أصبحت نقطة صراع بين دول لم تراع الإنسانيه ولا الدين ونظموا بالدم شعرا مقفى على أنين عامية الشعب المقتول فى إطار أصوات غناء الطائرات التى تقصف ورصاصات تحصد .. إنها " حلب "بعد أن تصدرت أخبار " حلب " كل عناوين الصحف وكل شاشات الميديا فى العالم العربى والغربى لأيام ، فجأه وبدون مقدمات نرى أن أخبار " حلب " ترجع إلى الخلف مرة أخرى رغم أن القصف مستمر ولكن بوتيره أقل ، فالسؤال .. لماذا حلب ؟ ولماذا خفتت الحمله المسانده لها ؟
البدايه كانت ما قبل إندلاع أحداث الثوره السوريه وتحديدا عندما عرضت دولة قطر عام 2009 على النظام السورى فكرة تمرير خط أنابيب للغاز المسال إلى أوروبا ممتد من قطر مرورا بالسعوديه والأردن و سوريا فتركيا ثم أوروبا ،_ وكانت أقرب نقطه لمرور الغاز فى شمال سوريا هى حلب وريفها القريبه من تركيا _ ولكن النظام السورى رفض الفكره وفضل التعاون مع إيران ، وممتنعا عن إغضاب الحليف الروسى الذى رأى فى هذا الخط منافسا خطرا للغاز الروسى المصدر لأوروبا .. لذلك ومع إندلاع الثوره السوريه وقد بدا منذ البدايه ومع سيلان الدماء الغزيره أن هناك من يمول ويدفع بإتجاه الحرب الأهليه ، ومع فورة الغضب ضد النظام السورى _ الباطش _ لم يفطن أحد لما يجرى ، حتى طالت أيام الثوره وتحولت إلى حرب أهليه ، هنا إنكشف الغطاء عن الجميع وأصبحت سوريا مسرحا للجميع ، وظهرت قطر والسعوديه كلاعبين أساسيين فى إدارة وتمويل العمليات العسكريه فى سوريا بالتعاون مع الإستخبارات الأمريكيه كما أشار بذلك مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق " زبيجنيو بريجنسكى " فى مقابله مع مجلة ( ذا ناشونال إنترست ) قائلا " إن وكالة الإستخبارات المركزيه سى أى إيه بقيادة الجنرال بيترايوس بدأت تبذل جهودا كبيره لمساعدة القطريين والسعوديين وربطهم بطريقة ما مع الأتراك " ..
وطالت الحرب وتدخل الجميع بشكل سافر وأختلطت المفاهيم وأصبحنا أمام أزمه مختلطه لا تستطيع فصل مكوناتها عن بعضها ، إختلطت فيها شعارات الدين بلغة المصالح ، وتعددت المصالح حتى تمزقت سوريا بين الأحلاف المتحاربه والمتصارعه على تقسيمات جغرافيه ومصالح إقتصاديه ، حتى ظهرت النعرات الطائفيه والقوميه ومنها القوميه الكرديه والتى رأت أنه بتحالفها المؤقت مع النظام السورى ضد تنظيم الدوله الإسلاميه _داعش_ سيضمن لها تواجدا جغرافيا فى إطار حكم ذاتى بعد إنتهاء الحرب لصالح النظام ، وهذا ما أزعج تركيا التى كانت تريد منطقه عازله داخل سوريا تضم " حلب وريفها " لتضمن لها عدم قيام منطقه كرديه على حدودها وكذلك لضمان تمرير مشروع الغاز القطرى فى حال تم تقسيم سوريا إلى دويلات ، ولكن تقدم جيش النظام السورى _بعد إستعادته لعافيته بعد الدعم الروسى _ لإستعادة ما فقده من أراضى لصالح المعارضه المسلحه بجميع أطيافها ، ومن ضمن تلك المناطق " حلب وريفها " ومع التقدم الملحوظ لقوات النظام فى المعارك بدعم روسى ، هنا هاجت الدنيا وأشتعلت الحرب الإعلاميه " لإنقاذ حلب " أستخدمت فيها تكتيكات إعلاميه كتلك التى كانت تمارس إبان الجهاد فى أفغانستان لإثارة المشاعر وحشدها ضد النظام السورى ، وتحت تلك الحاله من القصف الجوى على " حلب " وبين القصف الإعلامى على الرؤوس والتى إستمرت لأيام إجتمع فى " جنيف " ممثلى أمريكا وروسيا والسعوديه وقطر وممثلى المعارضه السوريه لبحث سبل التهدئه ، وخرج البيان بصيغة " إتفقت روسيا وأمريكا " ، ولم يذكر البيان دور قطر ولا السعوديه ولا تركيا ولا حتى المعارضه ، وخبت الحمله الإعلاميه أو تكاد فجأة وضاعت الشعارات الدينيه أدراج الرياح تحت وقع إتفاق دولتين من دين أخر يديران دفة الصراع وأصحاب دم الدين المسفوك يباركون هذا ،
هكذا ضاعت " حلب وريفها " أو بالأحرى لم يعرف مصيرها بعد ، وسفكت الدماء تحت وقع غناء كورال عربى وإسلامى يغنى موشحا حلبيا منظوما بقيادة غير إسلاميه مصحوبا بعاميه سوريه مستباحة الأرض مهدرة السياده أمام شعب مشرد و قتيل وجريح ..
الجميع أخطأ فى حق سوريا وشعبها ، نظامها الوحشى المستبد الذى قدر له أن لا يسقط بفعل عوامل متعدد وأيضا ليضمن ماتبقى من سيادة أعتقد انها لن تعود كما كانت ، والدول العربيه والإسلاميه التى شاركت فى دمار سوريا تحت مظله أجنبيه بدوافع المصالح الغير مفهومه ،والدول الغربيه التى إختارت مصالحها على حساب دماء الشعب السورى ، لذلك فإن " حلب " ستبقى نموذجا للعار العربى والإسلامى الذى يذكرنا بما جرى فى الحروب الصليبيه فى القرون الوسطى ، حيث كانت معظم الدول والجماعات فى تلك الفتره ترفع شعارات دينيه ومعظمها كان يتعاون مع المحتل الصليبى
.. " حلب " أخر ما تبقى لنا من كرامه إنسانيه بعدما أن تم ربط الدين بلغه المصالح فى صراع الجميع فيه خاسر .. وتذكروها لأنه ستصبح نموذجا تقاس عليه كل مدينه عربيه وإسلاميه قدر لها أن تكون ممرا للمصالح الغربيه بتعاون عربى إسلامى ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه