بقلم / ياسر رافع
من لم يسمع يوما فى مصر جملة " دا كاسر عينه " أو " دا حط مناخيره فى الأرض " أو " كسر مناخيره " ، فهذه الجمل التى تحمل معنى باطنى يتعدى مفهوم الكسر المادى إلى الكسر أو التحطيم المعنوى للضحيه المقصوده إجتماعيا وهذا أسلوب متوارث من ثقافه العبيد المماليك الذين حكموا مصر .. كيف ؟!بعد دخول " نابليون بونابارت " بحملته الشهيره على مصر أراد أن يظهر عظمته وأنه قادر على صنع التاريخ فقام الرسامون الفرنسيون برسمه وهو على صهوة جواده أمام تمثال " أبو الهول " فى إشاره إلى أنه سيكون بعظمة الفراعنه القدماء ، ولكن ما لفت الأنظار لتلك الصوره ليس عظمة نابليون ولا مجده الشخصى بقدر ما أن أنف أبوالهول (مناخير باللهجه العاميه المصريه ) كانت مكسوره وشاع أن نابليون قد أحضر المدافع وصوبها إلى أنف أبوالهول فى محاوله لكسر هيبة المصريين الفراعنه ، وقد إستمر هذا الوضع قائما حتى ظهر منطق أكثر ثباتا ويفسر تلك الحادثه ، فقد وجدت تماثيل فرعونيه مكتشفه بعد رحيل الحمله الفرنسيه بسنوات طويله مكسورة الأنف لملوك وشخصيات رفيعه فى مصر القديمه ، وبعد دراسه حديثه وجد ان الفراعنه فى فتره من الفترات كانوا يعتقدون بأن الروح الشريره من الممكن أن تدخل إلى تمثال الملك المتوفى عن طريق الأنف وتحول التمثال إلى قوى شريره تمنع الملك من البعث مرة أخرى ، ولهذا كانوا يقطعون الطريق على تلك القوى الشريره بكسر أنف التمثال .
ولما كان الفراعنه يكسرون الأنف للزود عن أنفسهم من القوى الشريره ، إلا أن حكاما آخرين ورثوا الحكم فى مصر كان لهم منطق آخر لكسر الأنف ، وهم المماليك العبيد الذين جلبوا من كل أنحاء المعموره الذين تفننوا فى إدخال أساليب تعذيب وقمع للسيطره على الشعب المصرى ورثوها من العبوديه التى لم يشفع لهم حكم مصر أن يتخلصوا منها بعدما أصبحوا أحرارا ، ولكن وسائل التعذيب كان لها وجه آخر غير التعذيب الجسدى ألا وهو التعذيب النفسى للضحيه وهو ما عرف بعقوبة " التجريس " أو التشهير أو الفضيحه بالعاميه المصريه والتى كانت عباره عن تقييد الضحيه وتعرية الجزءالأعلى منه وإركابه حمارا أو حصانا بطريقه معكوسه مع ضربه بالعصى على ظهره وهو سائر فى طرقات المدينه مشفوعا بلعنات وسباب العامه والدهماء ، وهى طريقه كانت تحطم الضحيه نفسيا وتثير ضده الإستياء والإزدراء وتحطم مكانته ومكانة عائلته مجتمعيا ، وهو أسلوب كان يستخدم فى ترويض السلطه المملوكيه لخصومها وجعلهم عبره لمن يتجرأ على سلطتها من خصومها من الأمراء المنافسين ومن عوام الشعب المحافظ التقليدى الذى أصبح يخاف هذا النوع من العقوبه المجتمعيه .
وأصبح الضحيه يخاف الظهور علنا حتى يتفادى نظرات الإزدارء والسخريه من العوام بعدما حطمت السلطه كبرياءه ( كسرت أنفه رمز الكبرياء ) ، وتطور الأمر بعد ذلك المنطق المملوكى إلى مفهوم كسر العين وهو إستخدام شائع وهو يختلف عن مفهوم كسر الأنف لأنه يطال السيدات اللواتى ينضوين تحت حماية الضحيه من التشهير مما يجعل الضحيه يخاف من الفضيحه ويسهل التلاعب به .
ومع تطور المجتمع وخروجه من شرنقة القرون الوسطى ومع تحول مصر إلى دولة مؤسسات إلا أن الموروث الشعبى قد تشبع بالفكر المملوكى وتحول مفهوم الفراعنه عن كسر الأنف وهو ترويض الأرواح الشريره ومنعها من أن تدخل إلى تمثال المتوفى ، إلى مفهوم مملوكى يستخدم لكسر كبرياء الضحايا وترويض المجتمع من وراءهم وتخويفه إن هو تجرأ وخرج عن سلطان الدوله ، وأصبح التجريس أو التشهير هو سلوك شعبى أصبح يمارسه أكثرية الناس بهدف ترويض بعضهم البعض حتى غابت تعاليم الدين السمحه والسلوكيات الحضاريه وحل محلها ثقافة العبيد التى أصبحت عنوانا شعبيا لكثير من الممارسات المملوكيه فى الشارع المصرى
غاب الدين والحضاره فشاع سلوك العبيد ، الذين أصبحوا يرون فى ترويض بعضهم البعض عن طريق إشاعة ثقافة " كسر الأنف " و " كسر العين " هو سلوك طبيعى يعوضهم عن تدنى دينى وأخلاقى أصبح سمه أساسيه لمجتمع لم يتخلص بعد من ثقافة المماليك .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه