الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

إبن تيميه وإبن خلدون هل يلتقيان ؟




بقلم / ياسر رافع

من منا لم يسمع تلك الكلمات من خطيب على المنبر يوم الجمعه " وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ، يظنان كل الظن أن لا تلاقيا " ، ومن منا يعرف أنها بيت من قصيده غزل للشاعر " قيس بن الملوح " فى " ليلى العامريه " ، ومن منا بدا إلى ذهنه أن عملية مزج وتنقيه لما علق بين أنصار التدين وأنصار التحديث يمكن أن تنتج عالما جديدا يتيح لنا أن ندخل المستقبل ؟
الإجابه عند الدولة المملوكيه التى لا زالت  تنبأنا بأسرارها التى لا تنضب ، فقليل من الناس يعرف أن الشيخ الكبير " إبن تيميه " والشيخ " إبن خلدون " هما أبناء تلك الدوله الغريبه والفريده فى نوعها فى التاريخ الإنسانى . دوله نظامها السياسي قائم على المؤامرات وحكم الغلبه والغدر بالسيف ، نظامها الدينى قائم على المذهب الأشعرى وتغلغل الصوفيه بين جنباتها ومع ذلك كان لكلا الشيخين مواقف مختلفه ومتناقضه مع ما يثار حول الشيخين من أقاويل ترفع من أحدهما حينا وتخفض من الأخر حينا آخر .
وقبل أن نسرد لموقف الشيخين من الدوله المملوكيه الذين عاشا فى كنفها نؤكد على أن تلك المقاله ليست محاكمه لعلمهما ، ولكن توجيه الأنظار لمواقف بعينها نريد منها الخروج بالموعظه لأجيال تريد المستقبل ، ومن هذا المنطلق نقول أن الشيخ " إبن تيميه " كان ليس من الدعاة للخروج على حكم المماليك على الرغم من رفضه إتباعهم المذهب الأشعرى وغلبة التصوف على الشارع ، وهو الذى أدخله فى صدام مع مشايخ الصوفيه وأتباع المذاهب الأخرى والذى كان يرى من وجهة نظره لها أنه يكافح البدع والخرافات التى علقت بالدين وعلى الرغم من دخوله السجن معظم سنوات حياته نتيجه لمواقفه الحاده ، إلا أن موقفه من سلطة الدوله كان واضحا وضوح الشمس لا لبس فيه ، فقد كان يصف تلك الدوله " بالطائفه المنصوره " ، كيف يكون كذلك هو حالها من وجهة نظره ويقف بجانبها ؟
إن الفتره الزمنيه التى وجد فيها الشيخ كانت حروبا بين المماليك والتتار الذين أسلم بعضهم وكونوا دولا ظاهرها إسلامى ولكنها تطبق أسلوبها التتارى الغير إسلامى وهو الذى رآه الشيخ إنحرافا سيقضى على الدين لا محاله لهذا تشدد فى فتاويه ضدها ، وترك خلافه مع المنهج الفقهى فى دولته وأعتبر أن سلطة الحكم فى بلاده تدخل فى" الطائفه المنصوره " التى أخبرنا عنها الرسول " ص " ما دامت قادره على محاربة أعداء الدين والبدع فى الخارج " التتار " .
من الناحية الأخرى نجد شيخا كبيرا عاصر جزءا آخر من الدوله المملوكيه وهو " إبن خلدون " الذى أشتهر بكتابه المعنون " مقدمة بن خلدون " والذى يضعه فى أعلى المراتب الفكريه فى زمانه وما بعده ، ولكن الشيخ فى مواقفه من الدوله كان له شأنا آخر ، فمنذ قدومه إلى مصر وهو بعد قد تجاوز الخمسين عاما لم يألوا جهدا فى التقرب من رأس الدوله السلطان " برقوق " وأشتهر فى زمانه بالتآمر والدسائس ومساندة فريق فى الحكم على آخر ، وترك العلم ولم يعنيه أحوال الرعيه ، ولم يعرف له موقف ضد الدوله إلا فى سياق غلبة الحكم والسيف عن طريق التآمر
ولكن نهاية الشيخين كانت تقريبا واحده ، فإبن تيميه توفى وهو فى السجن منفذا لحكم قضائى تعود عليه نتيجة مواقفه الحاده والمتشدده ، وإبن خلدون توفى فى ظروف غامضه نتيجه إلتصاقه بالسلطه أزيد من اللازم .. أى أننا أمام نهايه طبيعيه توضح مدى قرب أو بعد أيا منهما من السلطه فإبن تيميه إبتعد عن السلطه بمكوناتها وتفرغ لتقويض البدع والخرافات من وجهة نظره والتى حتما كانت تصطدم بالسلطه بطريقه غير مباشره ، أما الثانى فقد تصور أنه بعلمه يستطيع أن يلعب لعبة الحكم مع من هم أخبر منه فيها  .
وبعد هذا السرد التاريخى ، هل تغير شئ منذ سقوط المماليك لحد الأن ؟
لم يحدث تغييرا كبيرا فالدوله لازالت على مذهبها الأشعرى وظهور واضح للصوفيه ، وأتباع الشيخ " إبن تيميه " لا يزالون يرددون ويفعلون نفس فعل الشيخ ، فى مقابل أتباع الشيخ " إبن خلدون " الذين لم يختلف مسلكهم عن مسلك شيخهم يتمسكون بالإبداع ولكن ليس بعيدا عن أطراف سلطة الحكم التى تحميهم من المزالق ، ولكن الفارق أن أتباع إبن تيميه اليوم لم يعد أكثرهم ينظرون إلى العدو الحقيقى الصهيونى والأمريكى على أنه يجب قتالهم أولا كما فعل شيخهم الذى إعتبر دولتة دولة البدع من الفئه المنصوره والتى تستطيع محاربة اهل الكفر والبدع وإنما غيروا نهج شيخهم ونظروا لدولتهم على أنها هى الأولى بالقتال لخروجها على المنهج القويم مما يضعف " طائفة شيخهم المنصوره " ، وأتباع الشيخ إبن خلدون تركوا الإبداع وتفرغوا إلى مساندة فريق ضد فريق من المتصارعين على السلطه  وأصبح الصديق عدو والعدو صديق وأختلط الحابل بالنابل .
لكن هل يمكن الخروج من هذا المأزق لأتباع الشيخين لكى نلحق بالمستقبل ؟ نعم يمكن ذلك إذا إستطعنا أن نوحد هدفنا حول أن لنا عدوا واحدا يقبع على الحدود وبين أظهرنا يجب مقاومته أولا ، وعندما يستطيعا أن يدمجا صحيح الدين مع الحاله الإبداعيه الإنسانيه فى مواجهة الخرافه عندها سيكون لكلام خطيب الجمعه على المنبر " وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ، يظنان كل الظن أن لا تلاقيا " له معنى يخاطب المستقبل , لأن غير ذلك معناه أننا جميعا سوف نتقاتل لصالح أعداءنا الذين يقتلوننا ويستحيون نساءنا ولا عزاء لشيوخ وإصلاحيون يتلمسون الإصلاح فى خمارة أو فى مخادع الرزيلة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...