الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

دولة المماليك بين رمزية الثائر والحرامى




بقلم / ياسر رافع

منذ الصغر ونحن نسمع الحكايات المسليه المليئه بالأساطير والتشويق المبالغ فيها من أجل كسر حدة الملل والرتابه وكنوع من التسريه على الصبيه الصغار الذين يتحلقون حول الأجداد والآباء والأقارب فى ليالى الزمن البعيد ، ولكن الحكايات لم تكن كلها للتسليه فقط بل كان فى طياتها عقاب لمن لا يسمع الكلام ويتحدى الكبار من نوعية حكايات " أمنا الغوله " التى تاكل الأطفال ، والعفريت الذى يظهر فى الأماكن المظلمه والبعيده ، والمارد الذى يستطيل إلى أن لا ترى طوله فى السماء ثم يصرخ فى أذنيك ويميتك ، وكلها تستهدف شيئا واحدا هو جعلك طفل مطيع بيسمع الكلام ، وعلى الرغم من توارث تلك الحكايات الغريبه والتى توارثها الأحفاد عن الأباء عن الأجداد إلا أنهم جميعا إشتركوا فى شيئا واحد وهو أنهم جميعا صدقوا تلك الحكايات ولم يتوقف بعضهم ليسأل هل تلك الحكايات حقيقيه أم لا ؟ ولكن نرى العكس نراهم يجزمون بصحتها بل يتمادى بعضهم إلى أنه رأى العفريت والمارد . والنتيجه المنطقيه أكبر عملية تدجين للأجيال المتعاقبه التى تسمع عن العقاب ولا تراه وتتعامل على أنه واقع فى حال أنها تحركت مما يجعلها من الخوف تترك السؤال وتتحاشى الإجابه .
وهنا يثور السؤال من المسئول عن تلك الحاله التى تعمل على تدجين الشعب ؟
الإجابه عند دولة المماليك التى منذ البدايه وهى تعلم أن الشعب بعلمائه وطوائفه المختلفه رافضين لحكمهم لأنهم غرباء عنهم جاءوا عبيدا ليحموهم وإذا بهم يصبحون أمراء وسلاطين عليهم ، لذلك لكى يتحايل السلاطين الجدد على هذا الوضع الذى يهدد شرعيتهم وينذر بزوال مكتسباتهم وحلمهم بتكوين ملكا لهم يعوضهم عن ذل العبوديه قاموا ومنذ البدايه بمحاوله تدجين الشعب وإغراقه فى الخرافه والبدع من أجل السيطره عليه وتمرير ما يريدونه من خلال الحكايات والأساطير من أجل بث روح الخنوع والقبول بالأمر الواقع ، وهم أول من ابتدع تمرير السير الشعبيه وفتح المقاهى لمنشديها الذين كانوا يمجدون الحاكم ويروون الأساطير عن مليكهم الذى يستطيع أن يفعل كل شئ بأعداءه فى الخارج ومن يعصيه فى الداخل ، وقد كانت البدايه فى عهد السلطان المملوك " الظاهر بيبرس البندقدارى "الذى انشأ المقاهى الذى نسبت له " المقاهى الظاهريه " لتكون عونا له لتغيير نظرة الناس له على أنه عبدا مملوكا وتحوله إلى " إبن أصول " وأسر فى معارك سابقه وأصبح مملوكا مع بعض المشهيات الأسطوريه لتمرير القصه وجعلها حقيقيه .
ولم يكتفى المماليك بذلك بل إستخدموا تلك الحكايات الشعبيه فى محاربة من يناوؤهم فى الحكم ، ولكن الأنكى من هذا كله هو التدخل والسماح بتمرير حكايات البطل الشعبى الذى يهواه الناس ، ولكن فى المقابل لا يكون من الفئه التى تقاوم الحكم وتطلب تغييره ، من نوعية الحرامى الشريف الذى يسرق الأغنياء ويعطى الفقراء دون أن يتناول بين طيات الحكايه أى ملمح للثوره تغيير الحاكم ، مثل حكاية " على الزيبق "  .
 وبما أن تاثير الدوله المملوكيه لا زال أثره على الشخصيه المصريه دامغ فقد تكرر المشهد أيضا عندما ثار المصريين مساندين " سعد زغلول" باشا فى ثورة 1919 فما أن إنكسرت الثوره حتى فوجئ العقل الجمعى المصرى ببطل شعبى يأتى من خارج السياق الثورى لمجرد أن هرب من السجن إبان الثوره وأختلط العمل الثورى بالجنائى وتحول " أدهم الشرقاوى " إلى بطل وتمت عملية غسيل المخ للشعب وأطلت الدوله المملوكيه برأسها وتحول الحرامى لبطل فى مقابل تمرير مقولات على لسان زعيم الثوره توحى بالفشل وأن لا فائده من العمل الثورى " مفيش فايده يا صفيه "  - سعد زغلول مخاطبا زوجته – والمقصد واضح .
ولكن يبقى الرمز الشعبى الذى يصنعه الشعب ويدافع عنه حاله إستثنائيه وهو الذى يدافع عنه حتى الموت مثل حالة الثائر " عبدالله النديم " خطيب الثوره العرابيه الذى حولها من مطالبات جيش إلى ثورة شعب يريد التغيير ، أحبه الناس من خلال خطبه وأزجاله وأشعاره ، ولما فشلت الثوره وقبض على قوادها ، هرب ذاك الثائر من بطش السلطه والإحتلال وكلاب السلطه الذين راحوا ينهشون فى جسد الثوره والشعب ويحملون الثوره وخطيبها خطيئة إحتلال مصر من قبل بريطانيا ولا يذكرون أن الخديوى هو من إستدعى الإحتلال حتى لا يزول ملكه ، ورغم البحث المستميت عن " النديم " إلا أنه إستطاع أن يبقى مختفيا فى قلوب المصريين وفى بيوتهم أكثر من تسع سنوات متحدين السلطه التى تملك إعلاما نال من كل أطياف الثوره . ولكن فى النهايه لم يستطع الشعب أن يصنع حكايته وأساطيره لتحكى للأجيال القادمه قصة ثائر ضد السلطه الغاشمه لماذا ؟
لأن دولة المماليك كانت سباقه بتمرير حكاياتها وأساطيرها حول هذا الثائر واستطاعت خلال سنوات قليله أن يتحول قائد الثوره وخطيبها إلى شياطين مرده أسلموا بلادهم إلى الإحتلال .
دولة المماليك لا تريد رمزيه ثوريه ، وإنما تريد شعبا يدمن الحكايات والأساطير التى تمجد من الحرامى الشعبى الذى يوقف حدود تفكيرهم عند الهجاء والسباب وكل ما يتمنوه أو يفعلوه هو التعدى على منتسبى الدوله الصغار حتى يأتيهم العقاب الرادع ، ولا يتحلق تفكيرهم أو خيالهم حول فكرة الخلاص وتغيير الوضع القائم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...