بقلم / ياسر رافع
فى أحد الأيام أحضر أحد التجار حصانا إلى الملك " فيليب
" ملك مقدونيا والد " الإسكندر الأكبر" وعرض عليه أن يبيعه إياه
مقابل مبلغ من المال ، ولما حاول الملك أن يركب الحصان قاومه الأخير ورفض أن
يمتطيه وكاد أن يوقع الملك على الأرض ، هنا ثار الملك وأمر بذبح الحصان لأنه حصان
لن يروض ، وكان إبنه " الإسكندر " إبن العاشرة من عمره جالسا ضمن
الحاشيه والذى وقف طالبا من والده أن يسمح له بمحاولة تهدئة الحصان ومن ثم ركوبه ،
فقبل الملك طلب إبنه وسمح له بمحاولة ترويض الحصان ، وهو ما نجح فيه الإسكندر
الصغير وأستطاع كبح جموح الحصان وأمتطى ظهره ، فدهش الملك وأنسابت دموعه فرحه
لشجاعه إبنه وقال مخاطبا له " يا بنى ، عليك أن تجد مملكة تسع طموحاتك ، إن
مقدونيا لصغيرة جدا عليك " .
ويبدوا أن الملك " فيليب " كان يقرأ المستقبل فمع مرور السنوات كبر
" الإسكندر " وأصبح طموحه واضحا فى ميراث والده على عرش مملكة مقدونيا
ولكن هناك مشكله وهى أنه " نصف مقدونى " حيث أن أمه الملكه "
أوليمبيباس " ليست مقدونيه وأن الملك الذى سيعتلى العرش يجب أن يكون مقدونيا
خالصا من الأبوين ، وهنا حاول الملك أن يذهب بالتوصيه بإعتلاء العرش لإبنه من إحدى
زوجاته الآخريات وهو ما جعل من " الإسكندر " يستعجل فى إعتلاء العرش
ويروض كل الأحصنه من الأمراء الذين ينافسونه فى الطريق لإعتلاء العرش . وقد كان العرش له فى النهايه مروضا طائعا
بمساعدة أصدقاءه المخلصين وهو بعد لم يتخط العشرين من عمره .
.........................................................................................................
فى مكتبه يجلس الملك السعودى " فيصل بن عبدالعزيز" مجتمعا بوزير البترول
الكويتى وفى حضور وزير البترول السعودى ، وفى هذه الأثناء دخل أحد أمراء الأسرة
الحاكمه وهو الأمير " فيصل بن مساعد بن عبد العزيز " عليهم المكتب وأشهر
مسدسا وأطلق رصاصات بإتجاه الملك الذى وقع صريعا ولم تفلح محاولات إسعافه . وقد تم
إعدام الأمير الشاب الذى قتل عمه الملك دون الإعلان عن أسباب واضحه للإغتيال بل
ذهبت الحكومه السعوديه إلى وصف الأمير الشاب " بالمختل عقليا " . وترك
طرح الأسئله للمعنيين بالشأن السعودى داخليا وخارجيا ، ما بين قائلا بإن الأمير
قتل الملك بسبب موقفه الشهير بقطع البترول إبان حرب أكتوبر 1973مدعوما من أمريكا
التى كان يدرس فيها ، وبين قائل بأنه إنتقام من الملك بسبب قيام القوات السعوديه
بقتل أخيه الكبير " خالد " عندما حاول إقتحام مقر التلفزيون السعودى فى
الرياض بالسلاح لرفضه مظاهر الخروج على تقاليد المجتمع السعودى .
ولكن هناك أسباب أخرى تتعلق بخلافة الحكم وحساسيته الشديده فى السعوديه ، فهناك من
يقول بأن الأمير تم الدفع به لتصفيه الحسابات على خلفيه عزل الملك " سعود
" وتوليه أخيه الملك " فيصل " بدلا منه . وهناك من يقطع بأن القتل
جاء لأن الأمير القاتل يتصل بقرابه من ناحية الأم إلى آل الرشيد المنافسين لآل
سعود فى حكم المملكه وأن القتل جاء للإنتقام لأقرباءه من آل الرشيد من السعوديين
الذى أبعدوهم عن الحكم . وأيا ما كانت الأسباب التى قيلت لتبريرعملية إغتيال الملك
" فيصل " فإن الثابت أمام الأعين أن عملية ترويض الأمراء الجامحين من
اسرة آل سعود وعددهم بالألاف والطامعين فى الحكم لم تكن كامله وقد دفع الملك
المغدور ثمنها
.............................................................................................
مع إندلاع ثورات الربيع العربى وما صاحبها من فوران شعبى طال كل الدول العربيه
تقريبا ومع مرور السنوات الأولى لم يلتفت أحدا إلى أن هناك ربيع آخر بمواصفات
مختلفه تجرى أحداثه على ضفاف الخليج العربى ، إنه " الربيع الخليجى "
الذى يدفع بتولى أمراء شباب مقاليد الأمور فى الخليج ، يتمتعون بخلفيه ثقافيه
غربيه وأكثر إنفتاحا من الأجيال السابقه من الملوك والأمراء الخليجيين .
ومع إعتلاء الملك السعودى " سلمان بن عبد العزيز " الحكم فقد جرى تصعيد
الأمير الأشهر " محمد بن نايف " كوليا للعهد فى خطوه بدت متوقعه
للكثيرين خارجيا وداخليا لما يتمتع به " محمد بن نايف " من شهره وصلات
دوليه واسعه ، وبداية النهايه لحكم السديريين السبعه الكبار وإنتقاله إلى الشباب
من أسرة آل سعود . ولكن فجأة تم إستحداث منصب " ولى ولى العهد " وكان من
نصيب الشاب " محمد بن سلمان " إبن الملك نفسه وهو ما قوبل ساعتها بالدهشه
وعدم الإكتراث لكون الأمير " محمد بن نايف " ولى العهد هو الملك القادم
لا محاله .
ولكن لم يمر الوقت الطويل حتى صدر قرار بإقالة الأمير " محمد بن نايف "
وتصعيد الأمير " محمد بن سلمان " لولاية العرش السعودى منفردا ، ذلك
الأمير الذى يطلق عليه أصدقاءه لقب " الإسكندر الأكبر " طبقا لما نشرته
جريدة " الإيكونوميست " أنذاك . والذى فيما يبدوا إستشعر أن هناك من
يحتاج للترويض والحد من جموحه من أجل تنفيذ خططه للوصول للعرش السعودى ، فكان
ترويض الأمراء ورجال الأعمال من داخل وخارج العائله وأعتقلهم فى فندق "
الريتزكارليتون " الفخم وأجبرهم على التنازل عن بعضا من ثرواتهم من أجل دعم
رؤيته النهضويه للنهوض بإقتصاد المملكه وتقليل إعتماده على النفط وفق رؤية 2030 التنمويه .
وقد بدا للعيان والمتابعين أننا أمام مشهد ترويض حصان الملك فيليب قديما وأن
الإسكندر السعودى قد إستطاع ترويض الأحصنه المنافسه له والتى تعوق حركته وأن
الطريق قد أصبح ممهدا نحو العرش لا يفصله عنه إلا إعلان وفاة الملك .
......................................................................................
صدم العالم على وقع المجازر والتجاوزات فى الحرب اليمينه التى شنها الأميرالشاب
لدعم الحكومه الشرعيه فى اليمن فى مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران ، وهى الحرب
التى أثرت على مشروعات ولى العهد ورؤيته الخاصه ، كما صدم العالم بحادثة مقتل
الصحفى السعودى " جمال خاشقجى " وهى الحادثه التى هزت العالم كله ومعها
صورة الأمير الشاب ولى العهد التى كانت تسوق على أنها صوره حداثيه لأمير من الخليج
مخالف لما هو متعارف عليه من الأمراء والملوك السابقين لدى الغرب وأمريكا .
هنا ظهرت بعض الأحصنه التى لم تروض وأرقت نوم ولى العهد من أمراء العائله والتى ظن
الأمير الشاب أنه بمجرد إظهار بعض القوة تجاههم وتحديد إقامة بعضهم فإنه بذلك قد
روضهم ، وأصبحوا يطالبون بنظام توليه للعرش لا يكون ولى العهد الحالى طرفا فيه
لأنهم يرونه غير جدير بتولى العرش السعودى الذى يقبع تحته أكبر ثورة بتروليه فى
التاريخ .
ومع تباطؤ الأداء الإقتصادى العالمى وتراجع سعر البترول عالميا ، وإرتفاع تكاليف
الحرب فى اليمن ناهيك عن الشروخ الكبيرة التى لحقت بصورة ولى العهد السعودى نتيجة
حادثه مقتل " جمال خاشقجى " ، فقد أصبح ينظر للأمير الشاب دوليا على أنه
حصان جامح غير مروض يجب أن يتم ترويضه حتى لا تسوء الأمور من بين يديه وهو ما شجع
الأحصنه المنافسه من داخل أسرة آل سعود بالمطالبه جهرا بتغييره بل وتحميله ما وصلت
له المملكه من تدهور من وجهة نظرهم .
.....................................................................................
على الرغم من الإعتقالات التى قام بها ولى العهد السعودى " محمد بن سلمان
" مؤخرا والتى طالت أمراء كبار فى العائله ويعتبروا منافسين كبار على العرش
فى محاوله إستباقيه لتأمين العرش من الطامحين فيه من الأحصنه الغير مروضه ، وأسباب
الإعتقال من جانب الأمير الشاب بدت منطقيه من وجهة نظر أحصنه تتسابق نحو العرش ،
لكن الأسباب التى تم تسويقها شعبيا لدعم الأمراء المعتقلين بدت من ذات الطابع الذى
تم تسويقه لتبريرإغتيال الملك " فيصل " قديما ، فقد قيل أن أسباب تمرد
أو إنقلاب الأمراء جاء بسبب الموجه التحديثيه والحفلات الغنائيه التى تجتاح
المجتمع السعودى المخالفه للشرع ، وغلق الحرم المكى بحجه وباء فيروس كورونا مع عدم
غلق مواقع الحفلات الغنائيه كما قيل سابقا فى حادثة إقتحام تلفزيون الرياض . ولكن
يأتى السبب الرئيس فى تلك الإعتقالات هو عدم رغبة أخو الملك الأمير " أحمد
" فى دعم إبن أخيه ولى العهد لتولى العرش السعودى مع بعض التلميحات بأنه جاهز
لولايه العرش لأنه الأجدر بذلك لأنه آخر أبناء الملك " عبد العزيز بن سعود
" .. وفى المقابل شعبية الأمير " محمد بن نايف " المحدد الإقامه
تزداد بين أوساط الشعب السعودى مما يسبب قلقا مشروعا لولى العهد " محمد بن
سلمان " وهو ما جعل الجميع يدفع بأن تلك هى الأسباب الرئيسيه لعملية إعتقال
الأمراء الكبار وتوجيه تهمة الخيانه لهم .
................................................................
ولى العهد السعودى " محمد بن سلمان " والذى أحاط نفسه كما الإسكندر
الأكبر بأصدقاء أداروا معه المشهد السياسى والإقتصادى وظن وظنوا معه بأنهم قادرون
على ترويض الأحصنه التى تطمح فى العرش السعودى ولكن خبرة السنين كانت تنقصهم
وأداروا المشهد بجموح الشباب الغير مروض والذى أوقعهم فى مزالق كثيره مما جعل من
الأحصنه الخبيره التى تتمتع بشعبيه واسعه داخل أجنحة الأسرة الحاكمه تلتقط أنفاسها
وتعيد نفسها إلى حلبة السباق مرة أخرى . ولن يغير منطق الإعتقالات الأميريه من
حقيقة أن المشهد السعودى أصبح خليطا بين طموح ولى عهد ينظر للإسكندر الأكبر على أنه
نموذج قابل للتكرار ولكنه غير قادر على ترويض الأحصنه ، وبين مبررات إغتيال الملك
" فيصل " التى تخلط الصراع على السلطه داخل العائله مع مبررات دينيه
وشعبيه لدفع الأمور دفعا لتنحية ولى العهد خارج المشهد .
فهل ينجح الأمير الشاب ، ولى العهد " محمد بن سلمان " بأن يعطى المثل
الأبرز على نجاح الربيع الخليجى الذى آتى بأمير حداثى يخاطب المستقبل أم يدخل
الربيع الخليجى مرحلة الشتاء القارس مدفوعا بصراع على السلطه بين أجنحة الأسرة
الحاكمه لا يعلم إلا الله إلى ماذا سينتهى .
وهل ينجح ولى العهد " محمد بن سلمان " فى ترويض الأحصنه الجامحه الطامعه
فى الحكم كما فعل الإسكندر الأكبر نموذجه المفضل فى قيادة البلاد ؟
أسئله ستظل معلقه لحين لحظة إعلان إسم الملك السعودى القادم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه