الخميس، 23 ديسمبر 2021

ثنائية الإعتراف/الحق فى مقابل ثنائية الجيش/المهندس




بقلم / ياسر رافع

الإعتراف .. هو الفضيله التى حوصرت داخل جدران المعابد والكنائس والمساجد فى مصر ! فلم يعد أحد قادرا على الجهر بإعترافاته وأخطاءه لتصويب الأخطاء من أجل المستقبل ، وأصبح الإعتراف فى السر على يد الكاهن أوالقس أوالشيخ طقسا لا يجوز أن يعرف به أحدا خصوصا ممن كانوا ضحايا لتلك الأخطاء ولم لا فقد غسلت الذنوب ببركات دينيه مقدسه مشفوعه بسريه كامله . ولكنه إعتراف منقوص لأنه لم يستتبعه إعطاء الحقوق لمن سلبت منهم لأن هنا تظهر تباشير المستقبل لمجتمع متناغم يصحح نفسه وبنفسه .
فى مقال للكاتب المصرى " عمار على حسن " بعنوان " حين يتمكن العوام من إختطاف السياسة " يشير لإشكالية الإعتراف والحق بطريقه مباشرة وحذره  " إن كثيرا من المفكرين والكتاب يخافون من الجهر بإعتقادهم الراسخ بأن التاريخ تصنعه النخب ، خوفا من إتهامهم بالفاشيه أو النازيه " . وهنا يثور السؤال ما هى تلك النخبه التى تصنع التاريخ بكل مكوناته وتعتبر العصب الأساسى والمتحكم فى المسار البشرى ؟
هل هى النخبه المدنيه ؟ أم النخبه العسكريه ؟
...............................................................................................
إن تطور إنشاء المدن فى مصر هو الوحيد الذى يفسر العلاقه بين ثنائية الإعتراف/الحق من خلال ثنائيه تاريخيه أخرى ألا وهى الجيش/المهندس . فعندما كانت تتفرغ الجيوش من حروبها وحملاتها الحربيه كان يظهر المهندس " كاهن الحضارة " ليعيد هندسة المكان عبر تشييد المدن لتعبرعن واقع جديد وسلطه جديده تصيغ عهدا ومستقبل مغاير لما قبله ، وهنا كان على النخب المدنيه أن تعترف بهذا الوضع الجديد وأن تعمل من خلال طرقات المدينه وشوارعها الجديده على تعريف الناس بحقوقهم وواجباتهم تجاه السلطه الجديده ، ولكن سرعان ما تختل العلاقه بين النخب العسكريه والنخب المدنيه وتغيب ثقافة الإعتراف/الحق وهنا يكون هذا إيذانا ببداية جديده لثنائية الجيش/المهندس لتعيد هندسة المجتمع عبر إيجاد مدن جديده تعيد صياغة الحاضر والمستقبل .
.....................................................................................................
كان بناء المدن فى العهد الفرعونى يعبرعن قوة الدوله و فلسفة الحكم الجديد ، فنرى العواصم قد بنيت فى الجنوب والشمال لتعبرعن هذا المعنى ، وأيا ما كان الشكل الهندسى الذى بنيت به إلا أن المراد من تلك العواصم يؤكد عبرالشكل الهندسى الجديد على الروح الدينيه حيث يحتل المعبد القلب من المدينه  ومناطق سكن الفقراء حول المدينه ( لا غنى لآى مدينه عنهم فهم وقودها ) والأهم فيها هو القصر ، سلطة الحكم والقوه ، كل ذلك فى إطار شبكة من الطرق تحدد المسارات والإتجاهات وبمرور الأزمنه أصبحت تحدد شكل الحكم .
ولم تختلف فلسفة الحكم فى بناء المدن للسيطره على المجتمع من الحكم المصرى أو الأجنبى ، فقد حكم " الإسكندر الأكبر" بجيوشه عبر بناء هندسى جديد يعبر عن فلسفة حكمه الجديده فكانت مدينة الأسكندريه العظيمه .. ولما جاء الفتح العربى لمصر لم يختلف الأمر فقد بنى قائد الجيش " عمرو بن العاص " مدينة الفسطاط وفى القلب منها الجامع المسجد وتم هندسة المدينه لتعبرعن الفكر الجديد للحكم . ومع بداية حكم الدوله الطولونيه أراد " أحمد بن طولون " أن تكون له مدينه تعبر عن حكمه الجديد فكانت مدينة " القطائع " ولكنها لم تكن مدينه بالمعنى الكامل حيث أنها كانت إمتدادا لمدينة الفسطاط القديمه ، ولكنها عبرت عبر طرازها المعماى الهندسى الجديد عن فلسفة الحكم
ومع دخول الجيش الفاطمى مصر بقيادة القائد " جوهر الصقلى " آمره الخليفة " المعز لدين الله " بأن يبنى مدينه لتكون مقرا للحكم الجديد وتعبر عن طبيعة الحكم الجديد فكانت مدينة " القاهرة " ولم تختلف القاهرة عن الفلسفه الهندسيه فى بناء المدن القديمه فقصر الحكم والمسجد حاضران ولكن الجيش الفاطمى كان جيشا هجينا من أعراق مختلفه ( الصقالبه – الروم – الأمازيج )فتم بناء أحياء مختلفه لهم فى العاصمه الجديده حتى لا يحدث صدام بينهم
............................................................................................
مع بداية القرن العشرين أصبح مما لا يدع مجالا للشك أن دور الجيوش فى الغزو وإحتلال الدول أصبح صعب التحقيق مع طبيعة التطور البشرى وفلسفة الحقوق والواجبات داخل المجتمعات ، وتطورت ثنائية الجيش/المهندس لتواكب التطور المجتمعى فأصبح توزيع الملكيه على جموع الشعب وسيله آمنه للسيطره على المجتمع مع التوسع فى تشغيل الكتل الحرجه داخل المدينه حتى لا تثور وتشل حركتها ومن ثم تسقط النظام السياسى  . ولكن المطالبات الشعبيه أصبحت تزداد حيث أن المدن تحتوى على كتل بشريه فقيره تزداد مطالباتها بتطورالحياة داخل المدينه ويساعد تركيز الثروة فى جزء من المدينه  يقابله فقرا فى الجانب الآخرمنها وحولها الأمر الذى يكون بداية الشرارة للثورة .
وتكون الطرق والشوارع التى بنتها ثنائية الجيش/المهندس لتعبر عن طبيعة الحكم ميدانا للصراع بين الدوله بنظامها السياسى وبين الجماهير الثوريه التى تريد من النظام الحاكم ومن نخبته التى كونتها أن تعترف بحقها فى الحياة وفى المستقبل ! .
وحسم المعركه يقف على من يسيطر على الطرق والشوارع ، وهنا يؤكد " جوزيف جوبلز " وزير الدعاية للجيش النازى على أن " من يستطيع السيطرة على الشارع يسيطر فى الآن نفسه على الدوله "
ومع سقوط النظام السياسى تبدأ مرحله جديده أخرى ..
.......................................................................................
عندما تهدأ الحاله الثوريه تبدأ ثنائية الجيش/المهندس فى إعادة هندسة المجتمع مرة أخرى عبر إيجاد علاقات إجتماعيه جديده ! وتوزيع قاعدة الملكيه بين جموع الشعب ! والعمل على تقليل نسب البطاله فى المجتمع خصوصا بين فقراء المدينه وقود الثورات ! والعمل على إيجاد ظروف معيشيه وسكن أفضل !
ولكن تبقى المدينه دائما فى القلب حيث أنها مركز الحكم فكان بناء الطراز الجديد من بناء المدن ، تلك المدن التى تتطلب عددا قليلا من السكان والعاملين فيها وطرقا سريعه حديثه وشوارع واسعه تعبر عن فلسفه الحكم الجديدة
..............................................................................
النخبه فى المجتمع المصرى عبر تطورها التاريخى لم تكن إلا معبره عن فلسفة حكم الثنائية الأبديه الجيش/المهندس من خلال العلاقات الإجتماعيه فى مدينة الحكم ! حتى الإختلاف مع الحكم كان من خلال تلك الفلسفه فى معظم الحالات . ولكن الصدمه الكبرى كان تحالف تلك النخبه إما برضاء أو إذعان  مع السلطه ولم تعترف بفشلها فى تعريف جموع الشعب بحقوقهم وواجبات نظام الحكم تجاهم وتركتهم للفقر والثورة حتى ما أن يحتل الفقراء الثائرين طرق وشوارع المدينه مدعومين بالجموع الهادره الآتيه والمسانده لهم من الريف حتى تطل النخبه برأسها تنادى بحقوق الناس وتعترف بأحقيتهم فى الحياة الكريمه ومستقبل مشرق .
حتى ما أن تستعيد ثنائية الجيش/المهندس دورها التاريخى فى هندسة المدينه والمجتمع فنرى النخبة تنقسم حول نفسها قسم يلحق بالسلطه الجديده وقسم يلعن الظرف التاريخى الذى أفلت منه ، ولكن كلا القسمين يلعنان الجماهير التى خذلته ويصفونها بأقذع الأوصاف ويستمر هذا الحال فى الوقت الذى يجهل فيه الجميع أن هناك من يعيد بناء وهندسة المجتمع على أسس جديده ، وحتما ستختفى نخبا قديمه وستظهر أخرى ولن يتغير شيئا طالما أن الجميع لا يعترف بأن ثنائية الجيش/المهندس المدعومه بالقطاع الصناعى والتجارى حديثا هى التى تنتج علاقات الإنتاج عبر التاريخ وهى التى تبنى المدن التى تعبر عن فلسفتها ! بل وهى التى تتدخل فى بعض الآحيان لهدم نظم سابقه لإيجاد علاقات إجتماعيه جديده تساير العصر مستخدمة النخبه دون أن تدرى من أمرها شيئا لتبرير سلوكها
..............................................................................................
النخبه المصريه دخلت كهف الظلام بإختيارها عبر عدم إعترافها بثنايئة الجيش/المهندس الحاكمه للحياة السياسيه والإجتماعيه والإقتصاديه منذ بدأ الدوله المصريه على وادى النيل ، فى الوقت الذى لم تعبر بقوة عن حق الناس فى المدينه وفى المجتمع الجديد بل وأدارت ظهرها إما خوفا من السلطه الجديده أو عجزا عن إنتاج نمط تفكير جديد الذى حتما ستوجده الثنائيه الأزليه بمرور الوقت وستكون عندها النخبه الجديده وريثه لنخبه منبطحه أساءت لحق الناس فى مستقبل أفضل
...........................................................
من لا يعترف بحجم القوى التى تحكم المجتمع وطبيعة حركتها قديما وحديثا حتما سيقع فى دوامه التغيير الأزلى والقسرى لهندسة المجتمع دون أن يكون له دورا وسيظل مفعولا به ، وساعتها تصبح فلسفة الحقوق عباره عن مطالبات مستمرة من نخبه تقدم طلبات متذلفه ليكون لها دورا ، وشعب فقير كبحرمتلاطم الأمواج ينتظر أن يكتمل بناء مدينة الزمن الجديد لعل وعسى أن يكون له مكان فيها !!
وهنا تبدأ الدورة الأزليه مرة أخرى مدينه جديده تبنيها ثنائية الجيش/المهندس سرعان ما يلحق بها الفقراء فتظهر النخبه الجديده معبرة عن ثنائية الإعتراف/الحق فيحصل الصدام وتصبح الطرق والشوارع الحكم والفيصل على الإستمراريه ونجاح أو فشل أى ثورة .. ومع عدم الإعتراف وضياع الحق بعدها نبدأ من جديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...