الخميس، 23 ديسمبر 2021

اليمين واليسار ! ماذا تغير ليلتقيا فى الوسط




بقلم / ياسر رافع

لم تكن تصريحات الرئيس التونسى السابق " المنصف المرزوقى " التى قال فيها " أن غرفة عمليات أجنبيه تريد التخلص من النهضه والاسلام السياسى ، وأفتعلت وجود تنظيم سرى للحركه بعد الثوره بهدف تخويفها والإطاحه بها فى الإنتخابات المقبله " ، لتمر مرور الكرام دونما الإشاره لحقائق بدأت تتجذر على أرض الواقع العربى وربما العالمى أيضا .
 فيوسف المرزوقى ذاك المثقف الذى يتبى الإتجاه العلمانى الحداثى الداعى لفصل الدين عن الدوله لم تكن تلك التصريحات التى تدافع عن حركة النهضه الإسلاميه شريك الحكم فى تونس هى الأولى فى هذا الإتجاه فقد صرح سابقا قائلا " الإسلام المتشدد يمثل إزعاجا للمجتمع التونسى لكنه لا يمثل خطرا وإنه جاء بعد الحرب على الإسلام المعتدل" ، ما الذى جعل من هذا المثقف العلمانى الحداثى يضع يده فى يد الإسلاميين أعداء الحداثه فى أدبيات العلمانيين واليساريين ؟
إن الجميع منشغل بالتطورات السياسيه منذ إندلاع شرارة ثورات الربيع العربى وحتى الآن ، وأصبحت الحاله الإقتصاديه لدول الربيع العربى تقف حاجزا نحو إستشراف الظواهر السياسيه التى بدأت تتجذر وتأخذ منحى واقعى فى عالمنا العربى ، لم يفطن الجميع لصيغة التحالفات السياسيه التى نشأت أثناء الربيع العربى بين نقيضى الأفكار السياسيه والإيديولجيه والتى جمعت بين تيار الإسلام السياسى وتيارالعلمانيين واليسارين ، ولكن أى إسلاميين وأى علمانيين ويساريين ؟! إنهم ذاك التيار الذى نحن بصدد الحديث عنه وهو التيار الذى أجمع على إفلاس الإيديولجيا الجامده لدى كلا الفريقين وآمن أن طريق الديموقراطيه هو صيغة تعايش وسطيه يستطيع به ومن خلاله أنصار كلا النقيضين أن يتعايشا سويا دونما صراع ، وعلى الرغم من فشل التجربه فى مصر بين الإخوان المسلمين واليساريين والعلمانيين لخلق وسطيه تؤمن بالديموقراطيه كمظله عامه ، إلا أنها وجدت بعض النجاح حتى تلك اللحظه فى تونس عبر تحالف " الترويكا " وهو ما يجيب على تساؤلنا حول مغذى تصريحات المرزوقى السابقه .
إنه إتجاه تيار الوسط ولكنه ليس تيار الوسط بمفهومه القديم ولكنه تيار وسط بمفهوم جديد جاذب كمغناطيس عملاق لكتل رئيسيه من اليمين ومن اليسار على مختلف إتجاهاتهم فى محاوله لخلق كتله كبرى داخل المجتمع تؤمن بالتعايش والديموقراطيه ، وعلى الرغم من عدم نضج الفكره عربيا رغم المحاولات وذلك لأسباب كثيره ، إلا أن مظاهرات السترات الصفراء فى فرنسا عبرت عن ظهور هذا الإتجاه وتجذره شعبيا حيث عبرت عن إفلاس اليمين واليسار التقليديين وأنهما أصبحا غير قادرين على تلبيه إحتياجات الجماهير وأنهما أصبحا أكثر بعدا عن قيم الديموقراطيه والتعايش السلمى .
ومع ذلك لم تكن محاولات التقارب بين اليسار واليمين فى عالمنا العربى جديده بل هى قديمه ولكنها كانت قائمه على فكرة الفرار من النقيض إلى النقيض دونما محاوله جسر الهوه بينهما ، فالجميع يعلم العداء الكبير بين أنصار التيار الإسلامى والتيار اليسارى – لا داعى لسرد أسباب العداء – ومع ذلك رأينا فى مصر مثلا المهندس خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان فى مصر كان فى بدايات حياته من أنصار الفكر القومى ، والمفكر الإسلامى الدكتور محمد عماره كان شيوعيا ، وعاصم عبد الماجد وعصام درباله من مؤسسى ومنظرى الجماعه الإسلاميه كان يساريان ، ولكن ذلك لم يحدث فارقا كبيرا بل جعل من هؤلاء قوه جباره لتيار الإسلام السياسى . ولكنه طرح سؤالا عريضا هو بالمناسبه مطروحا بشكل فلسفى الأن " لماذا يتحول أنصار التيار اليسارى إلى تيار الإسلام السياسى دونما غيره من التيارات الإسلاميه الأخرى ؟ "
ومع مرور السنوات والإنهاك الذى حدث لكلا التيارين نتيجة الصراعات بينهما وبين الدوله فقد بلغا أواخر تسعينيات القرن العشرين وقد أيقنا أن الصراع الإيديولوجى – كلا على حدا -  هو صراع ليس له نهايه وأن الحل لتجاوز المأزق الإيديولجى هو الدخول إلى منطقة الوسط ومحاولة التعاطى مع المنطق الديموقراطى وفكرة الدوله ومحاولة التعايش مع زمن جديد يتسع للجميع ، ولكن يبدوا أن تجذر قيم الديموقراطيه لم تشفع لها السنوات القليله التى دخل فيها أنصار كلا التيارين فى الحياة الديموقراطيه حيث ما أن قامت ثورة 25 يناير حتى ظهرت الإيديولوجيا بوجهها وأصبحت فكرة التعايش تحت المظله الديموقراطيه هو ضرب من الوهم فكان وأد أول محاوله لتكوين تيار وسطى جامع  يتسع للجميع .
إن مفهوم الوسط الجديد الأن أصبح يتسع لكل التيارات تحت مظلة القيم الديموقراطيه دونما تفرقه بعدما أثبت اليمين واليسار أنهما غير قادرين أو غير مستعدين بالكامل لتحمل المسؤوليه  ، وأن الجميع على مستوى العالم مدفوعين لتبنى قيم الوسط السياسى كحل للخروج من مأزق إفلاس الإيديولوجيا ، ولن أكون متفائلا بحجم هذا التيار فى عالمنا العربى المأزوم بفعل الصراعات والحروب ولكننا لسنا بمعزل عن متغيرات عالميه تحدث ستدفع بهذا التيار إلى الواجهه فى يوما من الأيام لأنه القادر على تجاوز مشكلات كبيره تجنب العالم العربى صراعات لا نهاية لها وتدفعه إلى المستقبل ، وإنه ليس بمفهوم الرجعيين العرب نوع من المصالحه بين عدوين لدودين ، بل إنه الإنسلاخ من الإيديولوجيا إلى رحابة التعايش .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...