الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

الشيطان فى القاهره




بقلم / ياسر رافع

قال تعالى " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم " سورة البقره _أيه 268
لا أدرى لماذا تذكرت هذه الأيه الكريمه على وقع الأنباء المتواتره عن وصول بعثة " صندوق النقد الدولى " لإجراء مفاوضات مع الحكومه المصريه لبحث كيفية إعطاء مصر قرضا كبيرا ، ذلك للسمعه السيئه التى ترافق " صندوق النقد الدولى " أينما حل فى أى مكان فى العالم ، فدخوله أو ظهوره فى أى دوله دائما ما يكون مسبوقا بأزمات إقتصاديه وسياسيه عاصفه تهدد كيان تلك الدوله ، وكما الماضى عندما يحل المرابى اليهودى ضيفا ثقيلا على الفلاحين والكادحين يصبح الحديث عن ضياع الأرض والعرض مسأله معروضه للنقاش والمساءله خصوصا وأن هذا الظهور ليس الأول خلال الثلاثين عاما الماضيه ، فظهوره الأول كان فى أعقاب الأزمه الإقتصاديه التى ضربت مصر أواخر ثمانينيات القرن العشرين ، وخضوع مصر لتغيير طريقه تعاطيها مع الإقتصاد من التعاطى الإشتراكى إلى التعاطى الرأسمالى وذلك عقب إنتهاء حرب تحرير الكويت 1991 ، حيث تم الإلتزام بشروط " صندوق النقد الدولى " من أجل التحول إلى نظام السوق ، وذلك عبر إجراءات إصلاح مالي ، وإتباع سياسة تخفيض الدعم الحكومى المقدم للمواطنين ، ثم إتباع سياسة تكوين رأسمالى حكومى وتهيئة المناخ العام للإستثمار عبر إتباع سياسة " الخصخصه " ، والتى تقضى بتحرير الإداره الحكوميه من تبعات إدارة الشركات الخاسره وذلك عبر بيعها لمن يقدر على إدارتها من المستثمرين المصريين والأجانب .. وعلى الرغم من أن ظاهر الإصلاحات يحمل بين طياته روشته علاج لإقتصاد مترنح ، وعلى الرغم من النجاحات الأولى لتلك الروشته والتى عملت عملية حراك إقتصادى إستمر لسنوات قليله ، إلا أن عوارض تلك الروشته كانت فادحه على مصر ، فقد فوجئ المواطن المصرى بأنه وعلى الرغم من تحمله لبدايات الإصلاح الإقتصادى بإنه ومع نهايات عصر مبارك قد تعرض لعملية نهب منظم لثرواته وأن عملية الخصخصه لم تكن إلا ستار لتلك العمليه ، وأن التسويق لفكرة الإقتصاد الحر الذى سيجلب السمن والعسل لم تكن إلا تمكين لفئه لا تزيد عن 10% تتحكم فى مقدرات هذا البلد ، وتراجعت الطبقه الوسطى تحت ضربات التراجع الإقتصادى وزادت البطاله  ولم نجنى من النظام الرأسمالى إلا تحويل البلد كلها إلى نمط إستهلاكى يخدم على مصالح لطبقه واحده .. وهو ما جعل صندوق النقد الدولى محل عدم ترحيب من المصريين .
وبعد قيام ثورة25 يناير وتولى نظام الإخوان حكم مصر ومع إستلامهم حكم مصر ، ومع تنامى الشعور الوطنى المناهض لسياسات صندوق النقد الدولى من قبل الجماهير ، إلا أن السلطه الحاكمه رأت أن الخروج من الأزمه الإقتصاديه لن يكون إلا عبر الإقتراض منه ، وعلى الرغم محاولات السلطه لحصولها على تأييد شعبى لتلك الخطوه إلا أن الجماهير رفضت تلك المحاوله ، وتناسى الجميع أن تلك المحاوله لم تكن إلا إستمرار لسياسات إقتصاديه سابقه وليست بدعا جديدا ، ولا خروجا عما ألفته مصر سابقا عبر تبنيها سياسات الإقتصاد الحر ..
وما أن جاء حراك 30 يونيو والذى أطاح بحكم الإخوان ودخول مصر مرحله جديده ، و تولى الرئيس السيسى مقاليد السلطه ، فقد توارى الحديث عن صندوق النقد الدولى ولم يعد يسمع لقرض الصندوق فى أى حديث من قبل السلطه وسط تأكيدات بأنه لن يكون هناك قروض وأن الإقتصاد المصرى قادر على تعويض خسائره مع وصول المعونات والمنح الخليجيه الداعمه للنظام السياسى القائم ، ولكن الإجراءات التى إتخذها النظام للنهوض الإقتصادى لم تكن بمعزل عما سبقه فقد إتخذ إجراءات نحو خفض الدعم لم يجرؤ اى نظام سابق على إتخاذها مستغلا الشعبيه وحالة عدم اليقين لدى الشارع ، ووسط أمانى وطموحات كبرى للنهوض الإقتصادى متبوعه بإنجازات إفتتاح مشروع قناة السويس الجديده ، ومشاريع إسكانيه كبيره ، والحديث عن مشروعات زراعيه عملاقه ، إلا أن التراجع الإقتصادى بات واضحا ولا يستطيع أحدا إنكاره ، وذلك على الرغم من المنحه التموينيه التى تمنح للمواطنين كل شهر التى لم تشفع للنظام أمام المواطنين وسط الإرتفاع الجنونى للأسعار وتزايد معدلات التضخم التى إلتهمت مدخراتهم ، وزيادة معدلات الدين المحلى والخارجى وهو ما جعل الحكومه تتجه لسد العجز فى الموازنه عبر فرض مزيد من الضرائب على المواطنين ، كل ذلك مغلف بتخبط فى المجموعه الإقتصاديه الأمر الذى أوجد ضمن عوارض كثيره سوقا موازيه للدولار مما اشعل الأسعار ، و بقوانين أصبحت سيئة السمعه قبل أن تأخذ طريقها للتطبيق مثل " قانون الخدمه المدنيه " الذى أشعر موظفى الدوله بأن الدوله غير راغبه فيهم وأنها بصدد التخلص منهم ، وقانون " القيمه المضافه " والذى ألهب الأسعار وأعطى شعورا لدى المواطنين أن الدوله غير قادره على إدارة الملف الإقتصادى وأنها تركتهم فى العراء لرجال الأعمال والتجار الجشعيين ، وزادت معدلات الفقر والبطاله ووضع الجميع على المحك ..
هنا ووسط هذا الجو الملئ بالشحن الممزوج بالغضب تجاه الحكومه وإجراءاتها الإقتصاديه ، يظهر شيطان الدول وعراب الأزمات الإقتصاديه حول العالم " صندوق النقد " وذلك عبر تصريح الحكومه بأنها بصدد بدأ المفاوضات حول حصولها على ما يقارب 12 مليار دولار من الصندوق على ثلاث مراحل ، وذلك لإستكمال مرحله النهوض الإقتصادى ودفع عجلة الإستثمار عبر عرضها لإجراءتها الإقتصاديه على الصندوق لبيان أنها مؤهله لإستلام مليارات الدولارات ، ومن بينها قوانين الضرائب والخدمه المدنيه . وسط إجراءات تهدأه للشارع الغاضب عبر الحديث عن تخفيضات فى الأسعار ، وإغلاق شركات الصرافه التى تتعامل بالدولار فى السوق الموازى ..
يا الله ما أشبه الليلة بالبارحه نفس السياسات الإقتصاديه ونفس الفعل الإقتصادى ، والقرض هو القرض لم يختلف بين عصور ثلاث مضت خلال أقل من عشر سنوات والمواطن هو المواطن عليه أن يتحمل ثقل العبء الإقتصادى ، ولكن هل سيكون النظام السياسى والحكومه قادره على إدارة ملف المفاوضات بطريقه من سبقها وتستجيب لكامل شروط الصندوق ؟ أم أنها ستكون مفاوض قادر وفاعل مسلح برؤيه كامله للنهوض الإقتصادى لا ينقصه فقط إلا المال ؟
أعتقد أنه للإجابه على هذه التساؤلات يجب على النظام أن يعى تجارب الدول الأخرى وتجربة مصر فى التسعينيات مع الصندوق ، وأن حدود الصندوق وشروطه لا تقف عند حد الإقراض فقط ، بل تتعداها إلى حدود وأفاق تهدد مصير البلاد  ، وأن الصندوق كشيطان يكمن فى التفاصيل ..
كلمه أخيره ، على النظام أن يعى أن هناك من يعارض دخول صندوق النقد على خط الأزمه الإقتصاديه ، وأن تقبله لشروط الصندوق من عدمها مشروط بمدى نجاعة الإجراءات الإقتصاديه التى ستنتج مع نهاية المفاوضات ، وأن الإستجابه الكامله لشروط الصندوق حتى وإن أوجدت مسكنات مؤقته للحاله الإقتصاديه إلا أنها لن تصمد طويلا أمام مطالبات جماهيريه لم يعد لديها شيئا تقدمه و تريد أن ترى تغييرا حاسما ودائما لمشاكلها الإقتصاديه

....على الجميع بعد قراءة المقال أن يعى جيدا أننا على مفترق طرق شاء من شاء وأبى من أبى ....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...