بقلم / ياسر رافع
إن عملية صعود وسقوط الإمبراطوريات هى عمليه تتبع نفس الأليات منذ بدأ التاريخ البشرى متخذه نفس مراحل التطور البشرى ذاته من الطفوله والشباب فالرجوله فالشيخوخه ثم الإندثار ، ودائما ما يكون السقوط خشنا ويكون السلاح أحد أدوات الفصل بين عالمين سقوط ما مضى وصعود ما هو قادم . ولكن يبقى دائما هناك من يريد أن يعيد عقارب الساعه للوراء بمحاوله إجراء عملية " إحياء " بوسائل مختلفه تعيد ما سقط لإثبات أنه لم يسقط نتيجة عوامل ذاتيه ولكن بسبب عوامل خارجيه تأمريه ، وهذا ما ينطبق على مشروعين إمبراطوريين فى أوروبا ، الأول فى القلب والثانى على حدودها .. الرايخ الألمانى والحلم العثمانى ..فالرايخ الألمانى وحلم تحقيق الإمبراطوريه الألمانيه قد بدأ كحلم لتوحيد الولايات الألمانيه وأتخذت خطوات جاده بدأت بالحروب منذ عهد " بسمارك " وحتى عهد " ادولف هتلر " وهو حلم تحقق بالحروب الدمويه والكبرى فى حين أن الصعود السريع للحلم الإمبراطورى إصطدم بالتطور الطبيعى لنشوء الإمبراطوريات حيث التسارع فى حرق مراحل الصعود وهو ما جعل حلم الرايخ يصطدم بطموحات إمبراطوريه أخرى وهو ما أدخله فى صراع مع الأخرين أخسره ليس فقط الحروب ولكن مزق حلم الرايخ الإمبراطورى وجزء الحلم إلى دولتين عقب الحرب العالميه الثانيه 1945 ، غربيه وشرقيه ، وبعد 44 عام من سقوط الحلم يبدوا أنه هناك من يريد " إحياء " الحلم ولكن بوسائل أخرى فهاهو المستشار الألمانى " هيلمت كول " وغداة سقوط حائط برلين 1989 يوحد بلاده ويعيد بريق الرايخ عبر دفع مليارات الدولارات وبدون قطرة دم ، من أجل إحياء جديد بوسائل أخرى وذلك بجعل ألمانيا الموحده صاحبه أقوى إقتصاد فى الإتحاد الأوربى لتنفيذ سياسات ما كانت تتم إلا عبر الوسائل الحربيه قديما .. وما زال الحلم فى القلب الأوروبى يتمدد ولا ندرى متى ينتهى ..
فى المقابل نجد حلما أخر على الحدود وهو " الحلم العثمانى " وهو لا يختلف فى الوسائل والأليات كثيرا عن الرايخ الألمانى ، فالصعود العثمانى جاء سريعا ومباغتا متمددا شرقا وغربا وجنوبا ، ولكنه نسى أن لكل حلم إمبراطورى حدود وتكاليف يجب أن يدفعها ، لذلك كان صدامه الحقيقى والذى أوقف الحلم عند حدوده الأخيره هو فى محاصرته الأولى لــ " فيينا " عاصمة الإمبراطوريه النمساويه ، والذى فشل بقيادة السلطان " سليمان القانونى " وكان الفشل من ضمن ما قيل أن تكاليف التمدد شرقا فرضت فك الحصار والإتجاه لمحاربة الدوله الصفويه ، ولكن فى عهد السلطان " محمد الرابع " أعيد تكرار والتأكيد على الحلم الإمبراطورى غربا فى أوروبا وتم حصار " فيينا " مرة أخرى ، ولكنه فشل أيضا ولكن عوامل الفشل إختلفت حيث أن عوامل شيخوخه الإمبراطوريه قد بدأت تظهر ، حتى كان أن إحتفل النمساويين بفشل الحصار بعمل فطيره على شكل " هلال " رمز العثمانيين_أسموها كرواسون _ وأكلوها ولم يلتفت العثمانيين لرمزيه الكرواسون ..
حتى كان السقوط المدوى للدوله العثمانيه والحلم العثمانى بسيادة العالم كله مع الإعلان من تركيا نفسها عن سقوط دوله الخلافه 1923 على يد كمال أتارتورك .. ولكن الحلم لم يمت خصوصا مع قرب سنوات السقوط التى لم تتعدى الثمانيين عاما حتى ظهر من يحاول الإحياء الإمبراطورى العثمانى بقياده مجموعة ما يعرف بــ " العثمانيين الجدد " فى زى أيديولوجى إسلامى ولكن بجوهر إمبراطورى قديم ، ولكن الوسائل إختلفت عما سبق ، فحصار فيينا سابقا لم يفلح فكان لزاما أن تدخل تركيا الإتحاد الأوروبى وسوقه المشتركه ، وألتزمت تركيا بكل شروط الأوروبيين ، حتى وضعها الغرب كرأس حربه فى إستراتيجيته للقرن الحادى والعشرين ، ولكن يبدوا أن مرحلة الإحياء طالت والحلم بغزو عثمانى أوروبى جديد عبر الإقتصاد قد فشل وتعددت المشاكل بين تركيا وأوروبا ومع مرور السنوات لم يتقبل المجتمع الأوروبى تركيا عضوا فيه ، الأمر الذى جعل هناك بوادر لمفاصله بينهما ، وكما الماضى رجع السلطان العثمانى مشيعا برائحة " الكرواسون " الساخنه متجها شرقا ، مدفوعا بعوامل تهدد سقوط الدوله ذاتها وليس الحلم فقط على إثر محاولة إنقلاب فاشله ، رأها سلطان العثمانيين الجدد " أردوغان " وسيله تمنع السقوط النهائى والأخير ربما لحلم إمبراطورى تجاوزه الزمن والوسائل ..
أردوغان والعثمانيين الجدد يلعبون الأن بالنار فى محاوله لمنع السقوط الأول لإحياء الحلم الإمبراطورى ، عبر الإيحاء بفك الإرتباط بقوى كبرى ، والإرتباط بأخرى فى عالم مضطرب ، لذلك فنتائج اللعب بالنار ستظل معلقه لفتره طويله ، لكن الشاهد الأساسى أن درس فشل حصار فيينا الأول والثانى قديما ، لم يؤتى بثماره على العقليه التركيه الجديد التى لم تدرك أنها تستهلك الكرواسون رمزيه السقوط أمام أسوار فيينا وأوروبا لثالث مره ، وأنها لم تدرك أن عملية الإحياء لا تكون ناجحه فى الأغلب لتجاوز العصر لها ..
لذلك لا عجب أن لا يبقى من الرايخ الألمانى إلا " الصليب المعكوف " ومن الحلم العثمانى إلا " الكرواسون " فقط ، وهل تشهد السنوات القادمه نهاية الرايخ المترنح حاليا جراء الأزمات الإقتصاديه التى تعصف بالقاره الأوروبيه والتى ربما لا تستطيع أموال الرايخ أن تمنع سقوط أوروبا ومعها الحلم ، وأيضا شهادة إنتهاء الإحياء الأول للحلم العثمانى بوسائله الجديده والذى لم يعى بعد درس حصار فيينا الأول والثانى ، ولم يعى أن كل ما كسبه من محاوله الإحياء الجديده طبق كبيرمن " الكرواسون " الأوروبى للسلطان " أردوغان "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه