الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

الحقبه السعوديه الإسرائيليه




بقلم / ياسر رافع

كثيرا ما وصف تاريخ الشرق الأوسط وفى محيطه الأكبر المنطقه العربيه من المحيط للخليج ، بما يحكمه من سياسات ودول وإمبراطوريات حاكمه ، فقديما كانت توصف تلك المنطقه بمن يملك مقاليد الحكم فيها ، فتارة يقال أنها حقبه يونانيه أو رومانيه أو فارسيه أو حقبه إسلاميه فى نهاية المطاف ، وصولا لنهايات القرن التاسع عشر وبداية إرهاصات الدوله القوميه والوطنيه ونشوء خيارات جديده لدول الإقليم تقوم على تقرير دوله لمصيرها بعيدا عن العمل الجماعى الجامع كما كان فى السابق ، وقد تحقق لدول الإقليم ما أرادته عندما بدأت موجة التحرر الوطنى من الإستعمار فى بداية خمسينيات القرن العشرين ، والتى فوجئت عند فورة الإنتصار على المستعمر بمن يريد أن يجعل المرجعيه القوميه  نظام عمل حاكم للمحيط العربى يعيد للأذهان أمجاد حقب تاريخيه سابقه ، وهو ما عرف حينها بحقبة "القوميه العربيه " بقيادة مصر ، وهو ما قوبل بعاصفه من الهجوم من الجوار العربى على إمتداد الشرق الأوسط ، وكذلك من داخل المحيط العربى المتمثل أساسا من دول راديكاليه محافظه معظمها نشأ نتيجة ظروف تاريخيه معقده مثل دول الخليج العربى ، وعلى الرغم من عدم إستمرارية الحقبه القوميه لسنوات طويله إلا أنها تركت أثرا عميقا فى النفسيه العربيه حيث أنه بنهاية تلك الحقبه فقد إنتهت أخر مراحل العمل الجماعى العام فى العصر الحديث وربما لأجيال قادمه كثيره .
وبنهاية حرب أكتوبر 1973 فقد بدا أننا أمام حقبه جديده حاكمه  ليس عنوانها القوه العسكريه الحاكمه ، ولا القوه الناعمه القائمه على الميراث الحضارى العام ، ولكنها قائمه على ثروة البترول مثل الحقبه السعوديه الممتده من منتصف السبعينيات وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضى ، وحقبه أخرى قائمه على النفوذ الغربى والأمريكى بالأساس مثل إسرائيل والممتده من أوئل التسعينيات وحتى بدايات ثورات الربيع العربى 2011 ..
فالحقبه السعوديه والتى بدأت عشية حرب اكتوبر 1973 نتيجه الزيادات المتتاليه لأسعار البترول السلعه الإستراتيجيه الأهم فى العالم ، والتى جعلت من السعوديه مع بداية الثمانينيات تمتلك ما يقارب من ثلث السيوله النقديه فى العالم أنذاك ، وكذلك تراجع أو تخلى قوى المركز العربى لظروف تاريخيه ما عن القياده ، وهو ما أغرى السعوديه بلعب دور إقليمى ودولى رأته فرصه تاريخيه لإثبات الوجود ومنافسة دول المركز على القياده مدفوعه بتأييد أمريكى غير محدود مما جعلها تدخل على ملف الصراع العربى _الإسرائيلى وتمهد المشهد الخلفى لإتفاقية السلام " كامب ديفيد " عبر جهاز مخابراتها ، بل تدخل على خط الصراع العالمى بين الاتحاد السوفيتى وأمريكا وتساعد أمريكا على تصفية الوجود السوفيتى فى المنطقه بداية من إنهاء الوجود السوفيتى العسكرى فى " عدن " فى اليمن ، و " بربره " فى الصومال ، وصولا لإضعاف الصوت القومى المتبقى فى بعض الدول العربيه . وصولا لذروة التعاون وهو الدخول على خط الصراع العالمى بطريقه شبه عسكريه فى إفغانستان لإنهاء الوجود السوفيتى وبدعم أمريكى واضح . وتراجع العرب للخلف سنوات ..
ولكن ومع نهاية ثمانينيات القرن العشرين ومع تراجع أسعار النفط العالميه لمستويات متدنيه ، وكنتيجه مباشرة لحرب " تحرير الكويت " من الغزو العراقى ، فقد بدأ أننا أمام نهاية الحقبه السعوديه وسط فوضى عارمه خلفتها تلك الحقبه على التاريخ العربى كله ، وهو ما مهد الطريق لبداية " الحقبه الإسرائيليه " تلك المدعومه بحليفتها " القطب الأوحد " أمريكا القابعه على الأرض العربيه بجيوشها واساطيلها البحريه والجويه ، والتى مكن إسرائيل فى تلك الحقبه وحتى بداية ثورات الربيع العربى من فرض شروطها وإملاءاتها على الجوار العربى وتحولت القضيه الفلسطينيه من قضيه عربيه مركزيه إلى مسأله هامشيه يمكن تسويتها ضمن ترتيبات إسرائيليه _عربيه فى إطار تعاون إقتصادى وسياسى مباشر ، بعد أن أصبح واضحا أن إسرائيل موجوده فى كل مكان على إمتداد الرقعه العربيه سواء بالتطبيع المباشر وغير المباشر ، وهى حقبه شهدت تراجعا أشد للموقف العربى حتى أصبح أقل ما يقال عنه أنه وضع مزرى هو تبسيط لحقائق الأشياء على الأرض .
وبعد إندلاع ثورات الربيع العربى 2011 ، فقد بدا أن ما تبقى من بقايا قوه عربيه مقاومه قد إنتهى فقد تم إسكات ليبيا بالطريق المباشر عن طريق القوه المسلحه ثم الفوضى ، وإدخال سوريا على طريق الحرب الأهليه ، ناهيك عن خروج العراق ممزقا منذ زمن ليس بالبعيد ، وأصبحت مصر التى خرجت بأقل القليل من الخسائر المباشره إلا انها خسرت إستراتيجيا كأكثر خساره فى تاريخها الحديث ناهيك عن إنكفائها على معالجة أزمتها الإقتصاديه التى خلفتها فترة الحراك الثورى الممتده لأكثرمن خمس سنوات ، وهو ما أغرى السعوديين لإسترجاع أمجاد " الحقبه السعوديه " الماضيه ، ومحاوله إسرائيليه جاده لمحاولة إستمرارية " الحقبه الإسرائيليه " وهو ما قوبل بتلاقى المصالح بين طرفى الحقبتين على إمتداد خطوط الصراع فى المنطقه العربيه تحت ذريعه معلنه وهى " الخطر الإيرانى " ،وتململ سعودى_إسرائيلى من السياسه الأمريكيه فى المنطقه فى عهد الرئيس الحالى " أوباما " ، ولكنه يبدوا تنسيقا أكبر لجعل الحقبه التاريخيه القادمه ، حقبه مشتركه " سعوديه_إسرائيليه" لقيادة المنطقه أبرز سماتها عزل إيران وراء الحدود العربيه بأى ثمن وإخراجها من المعادله السوريه حتى ولو بتقديم تنازلات وإغراءات للجانب الروسى للإبتعاد عن إيران وإعطاءه دورا ولو مؤقتا فى إدارة الشرق الأوسط كما قال " عادل الجبير "وزير الخارجيه السعودى لمجلة " بوليتيكو " الأمريكيه قائلا "إننا مستعدون لإعطاء حصه لروسيا فى الشرق الأوسط ستحول روسيا إلى قوه أكبر بكثير بالمقارنه مع الإتحاد السوفيتى " ، ولكن السمه الأبرز هو التعاون الإقتصادى لقيادة المنطقه بطريقه مريحه وأمنه لكلا الطرفين ، ويبدوا أن السعوديين أصبحوا فى حل من الإلتزام العربى الصارم كما فى السابق بعد تغير الظروف وخصوصا والظروف سانحه لفعل أى شئ ، لذلك لا نتعجب من أن يظهر وفد سعودى برئاسة عقيد عسكرى سابق فى إسرائيل وهو يأخذ صورة تذكاريه مع الوفد الإسرائيلى بعدما إتخذ الطرفين " المبادره العربيه " للمصالحه مع إسرائيل كحصان طرواده لتبرير الزياره ..
إلى هنا وكفى فقد وقع ما توقعناه من أن غياب الدور المصرى وعدم قدرته على الحركه السريعه سيغرى الأخرين بملئ الفراغ ، وسيخرج مصر من معادلة وترتيبات ما بعد الفوضى والركام العربى والشرق أوسطى .. ويبقى السؤال ماذا سيكون شكل المنطقه العربيه فى حالة أننا أصبحنا أمام حقبه " سعوديه_إسرائيليه " مشتركه بالفعل ؟؟ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...