بقلم / ياسر رافع
ما أن
هدأت الحماسه قليلا بعد أن أطلق الحكم صافرة إنتهاء الشوط الأول بين ناديى الأهلى
المصرى ونادى " نصر حسين داى " الجزائرى فى البطوله العربيه المقامه
حاليا فى مصر ، حتى طلب أحد شاربى الشيشه جالس بجانبى من صبى القهوه أن يغير له
حجر الشيشه ، وبينما أنا وأصدقاء آخرين نتجاذب حديثا جانبيا فإذا بإعلان يعلن عن
بيع شقق فاخره وفيلات بأرقى المناطق السكنيه الجديده بكمبوندات محاطه بأسوار ، ومع
تتالى الصور على الشاشه ومع إنتهاء الإعلان فإذا فجأه بشارب الشيشه بجانبى يقترب
منى متكلما وتبدوا عليه علامات الدهشه :
شارب الشيشه : الا قولى يا أستاذ هيا
الشقق والفلل دى عايش فيها ناس زينا
نظرت له مبتسما وأنا مندهش من شكله بعد ما الإعلان خلص
أنا : طبعا يا عم الحاج بس دول أرقى شويه
شارب الشيشه : طيب سؤال هما ليه عاملين سور حوالين الفلل والشقق دى ؟
أنا :
بص علشان تفهمها ببساطه ، الكمباوند دا عباره عن محميه طبيعيه بيبنوا فيها
شقق وفلل لناس معاها فلوس كتير وعاوزه تعيش بعيد عن الفقرا والشحاتين وعلى رأى
المثل علشان أبو قرش ميجيش على أبو قرشين وعلشان كدا بيعملوا سور لحمايتهم من
الفقرا الجعانين
سرح بخياله للحظات تداخل فيها صوت الشيشه أعقبها خروج عاصفه من الدخان من منخاره
وفمه ثم تكلم وسط هذا الدخان وكأنه يندب
حظه العاثر :
شارب الشيشه : ياه دا على كدا إحنا عمرنا ما هنعيش مع الناس دى ، دا الواحد مرتبه
يادوب بيكفيه
أنا : وإنت عاوز تعيش جوه سور المحميه الطبيعيه ليه ؟ خليك هنا معانا بره السور ،
آه الريحه وحشه بس اللمه تحلى مع الناس الطيبه .
كأنه إشتم رائحة سخريه فى كلامى
شارب الشيشه : هو إنت بتتريق عليا ولا بتاخدنى على قد عقلى ؟ إحنا مش أقل من الناس
دى
شارب الشيشه : يا عم أنا عارف إن الناس دى حاجه تانيه ، بس اللى مزعلنى فى كلامك إنك بتتكلم وكأن الموضوع عادى ومش فارق معاك
أنا : كبر دماغك وخليك فى الشيشه وخلينى فى الكوره أصل دا موضوع كبير وهيعكنن مزاجك ومزاجى
شارب الشيشه مقاطعا : لا أنا عاوز أعرف إيه اللى حصل فى البلد اللى خلى الناس دى تعيش بالطريقه دى وإحنا عايشين بالطريقه الزفت اللى عايشنها .
أنا : خلاص أنا هلخلصلك الموضوع ببساطه ، كانوا زمان بيبنوا المدن وحواليها أسوار زي أيام الفاطميين والمماليك وكان الناس تخرج بالنهار تروح تزرع وتقلع وعلى آخر النهار يرجعوا قبل ما أبواب المدينه تقفل وإلا هيباتوا لتانى يوم خارج الأسوار
شارب الشيشه : يعنى مكانش حد بيدخلوه بعد الوقت ما يفوت
أنا : أكيد فيه ، كان بتوع محصول الكوسه زمان لما بيتأخروا لبعد الوقت المحدد كانوا بيفتحوا لهم الأبواب لإن الكوسه لو باتت لتانى يوم هتبوظ أما بقية المتأخرين لا يسمح لهم بالدخول ، ودا سبب تسمية الواسطه بالكوسه
شارب الشيشه : طيب وبعد المماليك إيه اللى حصل ؟
انا : طيب سيبنى ولا تقاطعنى ، المهم الدنيا إتغيرت وبقى مفيش أسوار حوالين المدن لكن دايما المال بيدور على جاه السلطه زى إبن خلدون ما قال . وهنا بدأت تظهر فى المدن أحياء خاصه بالأغنياء وحكام البلد ولكنها وإن تميزت مبانيها بالفخامه وعلو أسوارها إلا انها لم تكن مفصوله جغرافيا بأسوار كتجمع بذاته ، وكان سهل التجول بين مبانيها من قبل الناس الغلابه . ولكن بعد إنفتاح السادات الإقتصادى ظهرت طبقه جديده تغلغلت فى المجتمع وبعد ما بدأت عملية الخصخصه فى مصر فى التسعينيات حتى أضيفت لهم فئه جديده ، ودا أوجد ثقافه جديده نتيجة تلك الثروه الغير مبرره وأوجد معها بالضروره ثقافة الإنعزال التى تعنى فى نظرهم الضيق نوع من أنواع التمايز ، ناس عمرها ما تربت على الغنى فشئ طبيعى عاوزه تحس إنها مميزه فرجعوا بتفكيرهم إلى عصر المماليك والفاطميين وبقت المدن الجديده عباره عن مجتمع غنى عباره عن محميه طبيعيه محاطه بمتوسطى الدخل وبعدهم مناطق للفقراء ..
شارب الشيشه وكأنه لقى هديه فى كلامى وإنفراجه للنفاد إلى داخل المحميه
شارب الشيشه : إيه دا يعنى الناس الفقرا لهم مكان هناك ، طيب دا كويس
أنا : الفقرا اللى هناك فى تقسيم المدن دى موجودين كشغيله للمجتمع الجديد ، ورغبه من الحكومه فى عدم إثارة الناس ضد المجتمعات الغنيه
جلس سارحا وكأنما على رأسه الطير وفجأه أشار إلى " بلى " الشيشه
شارب الشيشه : يعنى أنا لو بعت كوسه زى زمان مش كان زمانى عايش مع الناس دى
أنا ضاحكا : لا الكوسه بتاعت زمان دى تقطعها وتحطها ....
قاطعنى وكأنما أنا على وشك شتيمته
شارب الشيشه : حاسب على كلامك يا أستاذ
انا : إنت فهمتنى غلط أنا قصدى كوسة زمان دى للطبيخ فقط .. أما كوسة دلوقتى بتتزرع مخصوص جوه الكمباوند .. وإنت آخرك تدخل ترعاها وتسقيها وعلى آخر النهار لازم تخرج من الكمباوند علشان الباشا ينام مرتاح وإنت تدور تشوفلك حته تنام فيها ..
هنا بدأ الشوط الثانى وأنتصب الجميع لمتابعة الماتش .. ونظرت بعينى تجاه شارب الشيشه الذى إنقطع حديثى معه فإذا به خافضا رأسه إلى الأسفل ويحك رأسه " بلى " الشيشه ، فأدرت رأسى بإتجاه شاشة التلفزيون متحاشيا النظر إليه قدر الإمكان متسائلا " لماذا يريد هذا الإنسان التعس أن يعيش فى مجتمع محاط بأسوار ؟ وماهو السبب لما وصلنا إليه الأن غنى يريد أن ينفصل وفقير يتمنى أن يدخل داخل السور ؟
إنتهى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه