الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

عيد الحمقى




بقلم / ياسر رافع

تعالت داخل قاعة الأفراح الأصوات وتداخلت وعلا صخب الموسيقى المنبعثه من " الدي جى " كل ذلك مصحوبا بحراره عاليه ورطوبه خانقه جعلتنى أبحث عن مكان أشعر فيه بالراحه من هذا الجو الصاخب ، فدخلت إحدى الغرف الملحقه بالقاعه لعلى ألتمس بعضا من الهدوء والهواء المتدفق من المروحه بداخلها ، وما أن دخلت حتى إصدمت ساقى " بترابيزه " عليها لوح زجاجى ولكن الحمد لله لم يكن الإصطدام كبيرا ولكنه ترك أثرا مما جعلنى أترك الحجره وأخرج كنوع من " التشاؤم " المتعارف عليه كـ " ثقافه دارجه " .. ومع إزدياد الألم أخذت كرسى وجلست بعيدا عن الناس أنظر ماذا حدث لساقى فإذا بالإصطدام وقد ترك أثرا داميا ، وهنا وأنا أنظر إلى الأسفل فإذا بصديق لى يقف منتصبا يمسك بيده كوبا من القهوه ، وبدا منزعجا من أثر الدماء على ساقى وقال :
صديقى : إيه مالك ؟ إيه اللى جرى لك ؟
أنا : لا مفيش ..  حاجه بسيطه ، خبطت فى ترابيزه ، بس الحمد لله خير
صديقى : طيب أروح أشوفلك أى حاجه تربط بيها رجلك ؟
أنا : يا عم إنت كبرت الموضوع كدا ليه ؟ الموضوع بسيط
.. فتحرك وهو ممسك بكوب القهوه وتحرك ناحية مجموعه من الكراسى الخاليه وأحضر واحدا منها ، ثم جلس بجانبى ، فى هذه الأثناء مر عامل البوفيه حاملا صينيه عليها أكوابا تحمل بقايا شاى فطلب منه أن يحضر لى كوب من القهوه ونظر إلى قائلا :
صديقى : قهوتك تحب تشربها إيه ؟
أنا : أنا بشربها ساده
فوجه حديثه إلى عامل البوفيه وقال له " قهوه ساده ، بس بسرعه " .. وما أن إختفى العامل حتى وجدت صديقى وقد أخرج من بين طيات ملابسه تليفونه وبدأ يتصفح أحد مواقع الإنترنت ، فتركته مشغولا بساقى ، ومرت دقائق معدوده يكتنفها صمتنا الذى تخترقه أصوات الموسيقى وإذا به  فجأه يقول :
صديقى : إيه دا " ماكرون " شعبيته قلت لحد 36 % ، دى معقوله ؟
أنا : وإيه المشكله ؟
صديقى : إزاى بقى ، دا أنا معجب به جدا ، وكنت بشجعه فى الإنتخابات
أنا : بتشجعه فى الإنتخابات !!!! هوا ماتش كوره
فنظر إلى مستغربا ، ولكنه بدا متحفزا لطرح سؤال يلح عليه
صديقى : سيبك من حكاية التشجيع دى !! أنا مغرم بــ " ماكرون " بس فيه حاجات مش فاهمها ، منها إزاى شاب صغير السن يبقى رئيس فرنسا مع إنه كان مجهول قبل كدا ؟
حضر عامل البوفيه حاملا صينيه عليها كوب من القهوه وقدمها لى ، فشكرته وألتفت إلى صديقى المنتظر الإجابه على سؤاله ..

أنا : يا عم إحنا فى فرح وإنت عاوز تتكلم فى السياسه
صديقى : يا سيدى أهو إحنا بنتكلم على ما تشرب القهوه بتاعتك
أنا : طيب هسألك سؤال .. تعرف إيه عن عيد " الحمقى " فى فرنسا ؟
صديقى : لأ طبعا .. هوا فيه عيد بالإسم دا هناك ؟ وإيه علاقته بــ " ماكرون " ؟
أنا : طيب إسمع ولا تقاطعنى للأخر !! زمان كان الفرنسيين فى العصور الوسطى بيفتتحوا السنه الجديده فى أول يناير بإحتفال كبير أطلقوا عليه عيد الحمقى ، كانوا بيتقمصوا فيه بشكل مسرحى الشخصيات الدينيه والسياسيه ويتبادل الناس فيما بينهم الأدوار فى سخريه من تلك الشخصيات وكذلك من أوضاعهم المعيشيه وكان دا شكل من أشكال الإعتراض ، حتى تطورت الدنيا وأصبحت هناك فلسفات جديده نتج عنها أحزاب تعبر عنها حتى يومنا هذا إلى أن  وصلت فيه الفلسفات والأحزاب إلى الإفلاس الأيدولوجى والفكرى ، وفرنسا بالطبع ليست بعيده عن ذلك ، وهنا تحركت كتل المال والحكم لملئ الفراغ الناشئ عن هذا الفراغ الذى سيؤدى بالضروره إلى فوضى ، هنا إستدعى مشهد السخريه فى عيد الحمقى ولكن بطريقه عكسيه ، فبدلا من أن يترك رجال المال والحكم أداه للسخريه فى يد العامه منذرة بفوضى وثورات نتيجة سياساتهم العاجزه المتحيزه ، قاموا بإرتداء ثوب العامه فى عيد الحمقى وظهروا للناس على أنهم حماة مكتسبات الشعب لا ينتمون إلى أيا من الأحزاب  التقليديه العتيقة الأفكار ، وقاموا بإختيار شاب دفعوا به الى الواجهه يكلمهم بالأحلام معرفا نفسه ورفاقه بأنهم " لا منتمين " الى أى أفكار ولكن مهمتهم إسعاد الناس ، فتحلق الناس حولهم ولم يفكروا فى هذا الصعود الصاروخى الغير مبرر ففى خلال سنه واحده منذ نشأة حزب " الجمهوريه إلى الأمام " إعتلى هذا الحزب الرئاسه الفرنسيه وأصبح " ماكرون " رئيسا وحزبه لديه الأغلبيه فى البرلمان على الرغم من عدم شعبيتهم على المستوى الشخصي !!!! .. وماهى إلا أيام حتى ظهرت نوايا " ماكرون " الحقيقه وهى موجهه فى الأساس إلى الطبقه المتوسطه والفقيره بهدف " تقليم أظافرها " حتى لا تثور ، وتلك النوايا المقترنه بأداء مسرحى " هوليودى " هى " التقشف " وبما أن كلمة تقشف تثير حساسيه لدى العامه وتدفعهم للثوره فقد رؤى المضى فى تنفيذ قوانين بحيث يراها العامه لا تعدوا قوانين لتحسين معيشتهم ولكنها تهدف إلى التقشف الذى يريده " سادة المال والحكم " مثل قوانين خفض دعم الدوله ، والعمل الجديد " عبر مراسيم حكوميه دون الرجوع إلى نقاش برلمانى أو حوار مع مختلف الرفقاء الإجتماعيين " .. وتلك السياسه جعلت الناس يشعرون بأنهم قد تم التغرير بهم وأن عيد الحمقى الــ " الماكرونى " ما هو إلا إعاده لإنتاج نفس السياسات الرأسماليه القديمه وهذا ما دفع  بعض المحللين أن يطلقوا على ماكرون لقب " مرشح الرابحين من العولمه " .
صديقى : كدا أنا فهمت .. دا بيفسر فى دماغى حاجات كتير بتحصل
أنا : خلى إللى فى دماغك مكانه ويلا بينا نقوم نقعد بين الناس داخل قاعة الفرح
صديقى : وأنا بقالى فتره بقول لنفسى معقوله شويه شباب يقدروا يعملوا كل دا فى فتره سنه ، يا نهار إسود
.. وقفنا ثم سرنا إلى داخل القاعه وعلا الصخب مرة أخرى ، وتركنى صديقى مع الزحام

ألف ألف مبروك للعروسين  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...