بقلم / ياسر رافع
تعالت داخل قاعة الأفراح الأصوات وتداخلت وعلا صخب الموسيقى المنبعثه من " الدي جى " كل ذلك مصحوبا بحراره عاليه ورطوبه خانقه جعلتنى أبحث عن مكان أشعر فيه بالراحه من هذا الجو الصاخب ، فدخلت إحدى الغرف الملحقه بالقاعه لعلى ألتمس بعضا من الهدوء والهواء المتدفق من المروحه بداخلها ، وما أن دخلت حتى إصدمت ساقى " بترابيزه " عليها لوح زجاجى ولكن الحمد لله لم يكن الإصطدام كبيرا ولكنه ترك أثرا مما جعلنى أترك الحجره وأخرج كنوع من " التشاؤم " المتعارف عليه كـ " ثقافه دارجه " .. ومع إزدياد الألم أخذت كرسى وجلست بعيدا عن الناس أنظر ماذا حدث لساقى فإذا بالإصطدام وقد ترك أثرا داميا ، وهنا وأنا أنظر إلى الأسفل فإذا بصديق لى يقف منتصبا يمسك بيده كوبا من القهوه ، وبدا منزعجا من أثر الدماء على ساقى وقال :صديقى : إيه مالك ؟ إيه اللى جرى لك ؟
أنا : لا مفيش .. حاجه بسيطه ، خبطت فى ترابيزه ، بس الحمد لله خير
صديقى : طيب أروح أشوفلك أى حاجه تربط بيها رجلك ؟
أنا : يا عم إنت كبرت الموضوع كدا ليه ؟ الموضوع بسيط
.. فتحرك وهو ممسك بكوب القهوه وتحرك ناحية مجموعه من الكراسى الخاليه وأحضر واحدا منها ، ثم جلس بجانبى ، فى هذه الأثناء مر عامل البوفيه حاملا صينيه عليها أكوابا تحمل بقايا شاى فطلب منه أن يحضر لى كوب من القهوه ونظر إلى قائلا :
صديقى : قهوتك تحب تشربها إيه ؟
أنا : أنا بشربها ساده
فوجه حديثه إلى عامل البوفيه وقال له " قهوه ساده ، بس بسرعه " .. وما أن إختفى العامل حتى وجدت صديقى وقد أخرج من بين طيات ملابسه تليفونه وبدأ يتصفح أحد مواقع الإنترنت ، فتركته مشغولا بساقى ، ومرت دقائق معدوده يكتنفها صمتنا الذى تخترقه أصوات الموسيقى وإذا به فجأه يقول :
صديقى : إيه دا " ماكرون " شعبيته قلت لحد 36 % ، دى معقوله ؟
أنا : وإيه المشكله ؟
صديقى : إزاى بقى ، دا أنا معجب به جدا ، وكنت بشجعه فى الإنتخابات
أنا : بتشجعه فى الإنتخابات !!!! هوا ماتش كوره
فنظر إلى مستغربا ، ولكنه بدا متحفزا لطرح سؤال يلح عليه
صديقى : سيبك من حكاية التشجيع دى !! أنا مغرم بــ " ماكرون " بس فيه حاجات مش فاهمها ، منها إزاى شاب صغير السن يبقى رئيس فرنسا مع إنه كان مجهول قبل كدا ؟
حضر عامل البوفيه حاملا صينيه عليها كوب من القهوه وقدمها لى ، فشكرته وألتفت إلى صديقى المنتظر الإجابه على سؤاله ..
أنا : يا عم إحنا فى فرح وإنت عاوز تتكلم فى السياسه
صديقى : يا سيدى أهو إحنا بنتكلم على ما تشرب القهوه بتاعتك
أنا : طيب هسألك سؤال .. تعرف إيه عن عيد " الحمقى " فى فرنسا ؟
صديقى : لأ طبعا .. هوا فيه عيد بالإسم دا هناك ؟ وإيه علاقته بــ " ماكرون " ؟
أنا : طيب إسمع ولا تقاطعنى للأخر !! زمان كان الفرنسيين فى العصور الوسطى بيفتتحوا السنه الجديده فى أول يناير بإحتفال كبير أطلقوا عليه عيد الحمقى ، كانوا بيتقمصوا فيه بشكل مسرحى الشخصيات الدينيه والسياسيه ويتبادل الناس فيما بينهم الأدوار فى سخريه من تلك الشخصيات وكذلك من أوضاعهم المعيشيه وكان دا شكل من أشكال الإعتراض ، حتى تطورت الدنيا وأصبحت هناك فلسفات جديده نتج عنها أحزاب تعبر عنها حتى يومنا هذا إلى أن وصلت فيه الفلسفات والأحزاب إلى الإفلاس الأيدولوجى والفكرى ، وفرنسا بالطبع ليست بعيده عن ذلك ، وهنا تحركت كتل المال والحكم لملئ الفراغ الناشئ عن هذا الفراغ الذى سيؤدى بالضروره إلى فوضى ، هنا إستدعى مشهد السخريه فى عيد الحمقى ولكن بطريقه عكسيه ، فبدلا من أن يترك رجال المال والحكم أداه للسخريه فى يد العامه منذرة بفوضى وثورات نتيجة سياساتهم العاجزه المتحيزه ، قاموا بإرتداء ثوب العامه فى عيد الحمقى وظهروا للناس على أنهم حماة مكتسبات الشعب لا ينتمون إلى أيا من الأحزاب التقليديه العتيقة الأفكار ، وقاموا بإختيار شاب دفعوا به الى الواجهه يكلمهم بالأحلام معرفا نفسه ورفاقه بأنهم " لا منتمين " الى أى أفكار ولكن مهمتهم إسعاد الناس ، فتحلق الناس حولهم ولم يفكروا فى هذا الصعود الصاروخى الغير مبرر ففى خلال سنه واحده منذ نشأة حزب " الجمهوريه إلى الأمام " إعتلى هذا الحزب الرئاسه الفرنسيه وأصبح " ماكرون " رئيسا وحزبه لديه الأغلبيه فى البرلمان على الرغم من عدم شعبيتهم على المستوى الشخصي !!!! .. وماهى إلا أيام حتى ظهرت نوايا " ماكرون " الحقيقه وهى موجهه فى الأساس إلى الطبقه المتوسطه والفقيره بهدف " تقليم أظافرها " حتى لا تثور ، وتلك النوايا المقترنه بأداء مسرحى " هوليودى " هى " التقشف " وبما أن كلمة تقشف تثير حساسيه لدى العامه وتدفعهم للثوره فقد رؤى المضى فى تنفيذ قوانين بحيث يراها العامه لا تعدوا قوانين لتحسين معيشتهم ولكنها تهدف إلى التقشف الذى يريده " سادة المال والحكم " مثل قوانين خفض دعم الدوله ، والعمل الجديد " عبر مراسيم حكوميه دون الرجوع إلى نقاش برلمانى أو حوار مع مختلف الرفقاء الإجتماعيين " .. وتلك السياسه جعلت الناس يشعرون بأنهم قد تم التغرير بهم وأن عيد الحمقى الــ " الماكرونى " ما هو إلا إعاده لإنتاج نفس السياسات الرأسماليه القديمه وهذا ما دفع بعض المحللين أن يطلقوا على ماكرون لقب " مرشح الرابحين من العولمه " .
صديقى : كدا أنا فهمت .. دا بيفسر فى دماغى حاجات كتير بتحصل
أنا : خلى إللى فى دماغك مكانه ويلا بينا نقوم نقعد بين الناس داخل قاعة الفرح
صديقى : وأنا بقالى فتره بقول لنفسى معقوله شويه شباب يقدروا يعملوا كل دا فى فتره سنه ، يا نهار إسود
.. وقفنا ثم سرنا إلى داخل القاعه وعلا الصخب مرة أخرى ، وتركنى صديقى مع الزحام
ألف ألف مبروك للعروسين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه