بقلم / ياسر رافع
لقد حظيت الأنباء عن تقارب مصرى تركى بعد سنوات من
العداء الذى وصل إلى حد التلويح بحرب مباشرة على الأراضى الليبيه ، بتغطية واسعه
الإنتشار فى الميديا العربيه والعالميه ، وأنقسم الناس حول ذلك التقارب ما بين
مؤيد ومعارض وهذا بطبيعة الأمور شئ طبيعى بعد التراشق الإعلامى الحاد بينهما ،
لكن الملف للنظر فى مسألة التقارب بين الدولتين هو تصريحات وزير الدفاع التركى
" خلوصى آكار " والتى تحدث فيها قائلا " لدينا قيم تاريخية وثقافية
مشتركة مع مصر ، وبتفعيل هذة القيم نرى إمكانية حدوث تطورات مختلفة فى الأيام
القادمة " ، لتعطى إشارات لا تخطأها
العين عن تحرك الكتلة الصلبه فى البلدبن نحو التقارب الجاد ، والراغب فى إحداث
تقارب حقيقى يمتد لما يوصف بشراكات إستراتيجية فى المستقبل ، فالجيش التركى كما فى
كل دول العالم هو الميزان الحاكم لأداء الدولة والذى يتدخل لتصويب الإتجاهات عندما
تجنح سفينة السياسة ، وهو بذلك لا يخرج عن منطق " كارل فون كلاوزفيتز "
فى كتابة " الحرب " والقائل بأن الحرب ما هى إلا " عمليات مستمرة
من العلاقات السياسية ولكنها تقوم على وسائل مختلفه "
ما الذى دفع المؤسسة العسكرية التركيه للتدخل على خط الأزمة وتتحدث ، الأمر الذى
فتح الباب على مصراعية أمام الساسة الأتراك وعلى رأسهم الرئيس التركى "
أردوغان " لمحاولة طى صفحة الخلافات وفتح صفحه جديدة فى العلاقات مع مصر ؟!!
...............................................................................
عندما تولى حزب " العدالة والتنمية " مقاليد الحكم فى تركيا ، كانت
المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية التركية قائمة على سياسة " صفر مشكلات
" وفتح صفحة جديدة مع الجوار التركى ، وقد ساعدت تلك السياسة تركيا على إحداث
نهضة إقتصادية ، لكن مع بداية أحداث " الربيع العربى " وضعت تلك السياسة
محل إختبار حقيقى ، فمع تصاعد صوت التيار الإسلامى فى دول الربيع العربى ، ظنت
تركيا بأنها على مشارف تمدد طبيعى فى مستعمراتها القديمه ولهذا سارعت بدعم ذلك
التيار على أمل إحياء أمجاد الخلافة العثمانيه ، وكان يدعم هذا الإتجاه صقور الحزب
المعروفين بإسم " العثمانيين الجدد " ، وكان هذا بالطبع يلقى تأييدا من
المؤسسة العسكرية التى رأت فى الربيع العربى فرصه لن تعوض .
ومع تدهور الأوضاع داخل الربيع العربى وتحوله إلى حروب أهلية فى سوريا وليبيا
واليمن ، وسقوط التيار الإسلامى فى مصر ، وتدخل دول إقليمية ودولية كأطراف فى
الصراعات العربية ، هنا تخلت تركيا عن سياسة " صفر مشكلات " وتدخلت
عسكريا فى شمال العراق وفى سوريا وفى ليبيا ، فى محاولة لفرض واقع تركى يريد أن
يقضم من الكعكه العربية على قدر إستطاعته ، تحت زعم حماية المصالح التركية !!
ولكن التمدد التركى تقاطع مع السياسة المصرية فى سوريا والعراق والتى تراهما مصر حدود
أمنها القومى فى الشمال ، وعندما أعلنت تركيا أن مصر تساند منظمة " PKK
" أو حزب العمال الكردستانى المناوئ لتركيا ، فكان هذا هو أول تصريح تركى عن
أن مصر بدأت تمارس دورها للحفاظ على أمنها القومى ، ولكن مصر التى كانت هدفا
للحملات الإعلامية التركية لم تؤكد أو تنفى الخبر !!
وعندما بدأت الأزمة الخليجية بين السعودية والإمارات والبحرين ومصرمن ناحية وقطر
من ناحية أخرى ، هناك تقاطع السلاح والسياسة التركية مع مصر مرة أخرى ، حيث
إستعانت قطر بقوات تركية لحماية أمنها خوفا من غزو سعودى إماراتى لها على وقع
الأزمه ، وظنت السياسة والسلاح التركي أنه قد يحدث فارقا كبيرا فى معادلات القوة
ولكنه من الناحية المصرية كان خطا أخر تجاوزته تركيا فى الإقتراب من حدود الأمن
القومى المصرى .
حتى ما إن تأزمت الأزمه الليبية وأستعصت على الحل السياسى وأحتكم الجميع للسلاح
وتدخلت دولا متعددة إقليمية ودولية ، هنا رأت تركيا أن عليها أن تمارس دورا أكبر
وتساند أحد أطراف الأزمه لتأكيد مصالح لها ، وما أن نزل السلاح التركى على الأرض حتى
إستنفرت مصر سياسيا وعسكريا ، وأعلنت لأول مرة منذ تقاطعت بينهما السياسة والسلاح
على كامل الإقليم تلويحا بالحرب والتدخل المباشر فى ليبيا وأعلنت خطا أحمر إذا
تجاوزته القوات التركية ستكون الحرب هى الأمر الحتمى لوضع حد لتقاطعات السياسة
والسلاح التركى مع مصر .
لكن هل كان التلويح بالحرب المباشرة هو من سرع بفكرة فض الإشتباك بين السلاح
والسياسة المصرية التركية ؟!
...............................................................
بعد عشر سنوات من عمر الربيع العربى ، ماذا جنت تركيا ؟!
لقد أصبح الجوار التركى فى سوريا والعراق ملتهبا بما يغذى فكرة التمرد الكردى داخل
تلك الدول وفى الداخل التركى نفسه ، وهو ما جعل من تركيا فى حالة إستنفار دائم ،
وسط حالة تراجع إقتصادى كبير ، معززا بإنقسامات حزبيه وسياسية ، وفى المقابل لم
يشفع لتركيا مساندتها لقطر بقوة السلاح إلا أنها أصبحت عدو لا يأمن جانبه من جانب
دول الخليج وعلية بقيت قواتها حبيسة لا تمارس دورا كانت تراه إمتدادا لحماية أمن
الخليج فى المستقبل ، وفى مصر خسرت تركيا حليفا قويا وسندا إقتصاديا كانت تراه فى
السابق مدخل " لقلب العالم العربى " بسبب مساندتها لتيار الإسلام
السياسى والذى خرج من الحكم .
وكانت الطامه الكبرى هى مسألة ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وقبرص
وإسرائيل ، وهوالأمر الذى فجر آبار الغاز فى شرق المتوسط ، مما جعل تركيا تحاول
جاهدة الدخول إلى الإتفاق والحصول على حصه من غاز شرق المتوسط ، لكنها قوبلت برفض
من تلك الدول ، الأمر الذى جعلها تلوح بالحرب ، لكنها لم تفلح بسبب المساندة
الأوروبيه والأمريكيه لتلك الدول ، وهو ما جعلها تعقد إتفاقا مع الحكومه الليبية
أحد أطراف النزاع الليبى من أجل ترسيم الحدود البحرية حتى تلحق بمصالح جرى ترتيبها
وتوزيعها فى الوقت الذى مارست فيه هى فعل السياسة والسلاح وكانت النتيجه كم هائل
من المشكلات على كامل مساحة الإقليم .
إذا ماذا تفعل تركيا لمحاولة رأب الصدع فى العلاقات التركية العربيه بما يحفظ لها
مصالحها ؟!
...................................................................
المؤسسة العسكرية هى الحاكمه فى تركيا ، عكس ما يروج له الساسة الأتراك ، وهى التى
رأت أن تجاوزات السياسة التركية ، جعلت من الخليج ومصر كتله واحدة ضدها ، وبداية
لتحالفات إقليمية بين مصر والعراق والأردن ، ومصالحة خليجية تقوض من صلاحيات
السلاح التركى فى الخليج ، ومصالحة ليبية ستعجل بخروج السلاح التركى وتجعل مسألة
التنقيب عن الغاز فى المياة الليبية مؤجل ربما لسنوات ، ناهيك عن الرفض السورى
والعراقى للتواجد التركى على أراضية ، كل هذا وسط تأزم مشكلة غاز شرق المتوسط ،
هنا رأت المؤسسه العسكرية أن النفاذ لقلب العالم العربى وإحداث مصالحة معه لن يمر
إلا عبر مصر ، وهنا كانت الإشارات والتصريحات التى جاءت على لسان وزير الدفاع
التركى ، والتى مهدت لظهور تغييرات كبيرة لعودة العلاقات . لكن القاهرة لا زالت
قلقة من تقاطعات السلاح والسياسة فى الجوار المباشر فى ليبيا ، وفى حدود الأمن
القومى فى الخليج وسوريا والعراق ، وعلية فإن على أنقرة إذا أرادت مصالحة شاملة
تسمح بعودة العلاقات وطى صفحة الماضى ، أن تبدد شكوك القاهرة وتسحب السلاح من
الخليج وشمال سوريا وليبيا من أجل التمهيد لسياسة جديدة تراعى مصالح الشعبين
وأن العودة لسياسة " صفر مشكلات " مع العالم العربى ، لن تكون مجدية ،
بل يجب أن تؤسس لسياسة تركية جديدة تراعى مصالح الدول العربية ولا تتدخل فى شئونها
الداخليه ، وأن تدرك أن ممارسة السياسة
بوسائلها المتعددة أسلوب أفضل بعيدا عن إستخدام لغة السلاح والتلويح بالحرب .
.....................................................
عندما تتبنى كلا من مصر وتركيا للغة المصالح المشتركة ، ومراعاة طبيعة الأمن
القومى لكليهما ، وفض الإشتباك بين لغة السياسة والسلاح على كامل الإقليم ، هنا
أعتقد أن زمنا جديدا قد يظهر ينبأنا عن تعاون أكبر لصالح أمن المنطقه ، خصوصا مع
الحديث المتزايد عن تراجع القوة الأمريكية فى المنطقة .
وأن القادر على إحداث الفارق فى تلك المعادلة هما المؤسستين العسكريتين فى مصر
وتركيا . بعيدا عن لغة السياسة والساسه أمام شاشات التلفزيون .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه