السبت، 18 ديسمبر 2021

سيادة الرئيس .. لماذا يضيق صدرك ؟




بقلم / ياسر رافع

لقد أثارت أزمة ترسيم الحدود البحريه بين مصر والسعوديه زوابع وعواصف أعتقد أنها لم تطال فقط فكرة التنازل عن الجزيرتين بين المؤيدين للمعاهده أو المناهضين لها ، وإنما عبرت فى أحد أعراضها الجانبيه عن حاله من " ضيق الصدر" عبر عنها الرئيس " السيسى " فى حواره مع ما عرف " بحوار العائله المصريه " حيث أظهر ضيقا واضحا من الإعلام وخاصة مواقع التواصل الإجتماعى " السوشيال ميديا " الذى ألقى عليها باللوم فى تصاعد أزمة الجزيرتين ومن قبلها قضية مقتل الشاب الإيطالى " ريجينى " . وقد أعقب ذلك تظاهرات عرفت " بجمعة الأرض والعرض " للتعبير عن رفض المعاهده قاد فيها الشباب الدعوات للتظاهر عبر " السوشيال ميديا " وعلى الرغم من محدوديتها إلا أنها تركت أثرا بالغا فى علاقة السلطه بالشباب فى عام أطلقت عليه السلطه " 2016 عام الشباب " ، وهو ما سبق أن حذر منه الكاتب الراحل / محمد حسنين هيكل الرئيس السيسى من أن الشباب ترك العمل على الأرض بسبب الإحباط من عدم تحقيق مطالبه بعد ثورتين وصعد إلى الفضاء الإلكترونى ، مشيرا إلى أن النظام السياسى ليس لديه نموذج سياسى واضح لجذب الشباب وأنه على الرئيس السيسى أن يعيد الشباب مرة أخرى إلى التفاعل مع قضايا الوطن قبل أن يتحول يأس الشباب إلى معادين للدوله أو إرهابيين ..
وأعتقد ان زياره للتاريخ بصبحة الكاتب الراحل " هيكل " ستشرح لنا أن ما نعيشه ليس حاله جديده أو نتاج ثورى عارض وإنما حاله تتصاعد وتخبو مع التعامل الصحيح معها من قبل السلطه الحاكمه ، فهاهو الكاتب الراحل يدشن ثورة يوليو1952 وقادتها من الشباب فى مقال " جيل وسط الأنقاض " أغسطس 1953 موصفا حالة الشباب المصرى أنذاك قائلا " إن جيل الشباب المصرى الحاضر جيل مسكين . لقد شب ليجد الجيل الذى سبقه منهمكا بأقصى قوته وبكل حماسه وإخلاص فى عملية هدم ليس لها مثيل " جيل الشباب المصرى الحاضر كاد يفقد إيمانه بكل شئ حتى نفسه " " فمتى يحين دور البناء " .
 ويبدوا أن السلطه الجديده كانت جاده فى البناء والتحديث فخاضت عملية تحديث واسعه أسفرت عن تنامى الطبقه المتوسطه وإنخراط الشباب فى التنظيم السياسى للدوله فيما عرف " بمنظمة الشباب " التى هاجمها هيكل فيما بعد قائلا " لقد ركزت منظمة الشباب مثلا جهدها على تعليم الشباب كيف يصرخ بالهتافات لكنها لم تعلمه أن التفكير يستطيع الإستغناء عن الهتافات " . وذلك بعد إندلاع مظاهرات فبراير 1968 التى قادها الطلبه التى قامت للإعتراض على محاكمات الطيران فى أعقاب نكسة يونيو 1967 والتى تحولت إلى مطالب لحرية الرأى والصحافه ومجلس نيابى حر وإصدار قوانين الحريات وإبعاد المخابرات والشرطه عن الجامعات ، وعلى الرغم من التعامل الأمنى مع تلك التظاهرات إلا أنها كانت إتجاه عام يسود العالم وليس مصر فقط وإعتبرت إمتدادا لتظاهرات الشباب فى فرنسا 1968 والتى إمتدت إلى كل أنحاء العالم . والتى عبرت عن شرخ واضح فى علاقة السلطه بالشباب عبر عنه " هيكل " بمقال " قضية الشباب "
قائلا "
أننى أعرف مقدماً أن الحديث عن قضية الشباب - خصوصاً فى هذه الظروف - ديناميت، ذلك أن بعض الحق فى الموضوع قد لا يعجب الذين لا يرون فى شباب اليوم نفعاً ولا أملاً، كما أن بعضه الآخر قد لا يعجب الشباب، بطل القضية نفسه ".." إن سوء التعبير مرة أو مرتين لا ينبغى له أن يؤثر على حق التعبير أساساً، كما إن جموح قلة ليس له أن يغطى موقف الكثرة الغالبة التى تتمثل فيها حركة الشباب."
"وأنا أعلم أن بيننا من تغضبه - وأحياناً تفزعه - اللغة التى يتكلم بها شباب اليوم وأقول بغير تحفظ إننى أختلف مع الذين يتركون أنفسهم للغضب أو للفزع، ذلك أننا يجب أن نسلم بأن الجيل المعاصر من الشباب يعبر عن نفسه بلغة تختلف كثيراً عما ألفناه وذلك لظروف موضوعية كثيرة "
" وإذا أردنا أن نحتفظ بقدرتنا على الحوار مع هذا الجيل - وتلك ضرورة حيوية - فإنه يجب علينا أن نحذر التحدث إليه - أو عنه - بأسلوب التعالى الأبوى " " إن ثورة العصر أحدثت نوعاً من الاهتزاز فيما يمكن أن نسميه "الرواسى الرواسخ" التى كان النظام الاجتماعى يستقر عليها مستريحاً ومطمئناً."
ثم إستتبعه بم
قال " الشباب بين النيران والثلوج " 1968 قائلا " قال جمال عبد الناصر فى خطابه الافتتاحى أمام الدورة الطارئة للمؤتمر القومى الذى دعى للنظر فى موضوع الشباب والجامعات "إنه لا ينبغى ولا يمكن أن يقوم تناقض بين الثورة وشبابها، خصوصاً شبابها فى الجامعات".

و "هيكل " ما بين مقال البدايه ومقالين النهايه إنما يحدد بدقه أزمه نظام ملكى فقد كل مقومات الصمود وأنهار تحت قدرة شباب يوليو على التغيير ، ونظام  يوليو الذى عانى سريعا من تنامى متطلبات الشباب العصريه وقدرته على التواصل مع محيطه العالمى بخلاف من سبقوه حيث التعاطى مع تكنولوجيا العصر مما أضطره صاغرا أن يلبى متطلبات الشباب ولو مكرها وهو ما أعتبر مؤشرا أن هناك أزمه بين شباب متصل بالعالم ومستحدثاته وبين سلطه تريد أن تحكم بأدوات زمن ثارت عليه قديما ..
لذلك إذا وضعنا " ضيق صدر " الرئيس السيسى من " السوشيال ميديا "  فى ميزان التاريخ السابق وقياسا عليه ، سنجد أننا وبعد إفتتاحيه عظيمه لثوره 25 يناير والتى كتبها الشباب بنفسه دون الحاجه لكاتب محترف يوصفها وأمام وضع لا يقبل التشكيك فيه من أن هناك أزمه بين الأجيال تدعمها سلطه " شاخت على كراسيها " ولم يعد فى الأفق متسع للشباب ، ولكن ومع تداعيات الأوضاع وما تلاها من أحداث 30 يونيو وإعتلاء سلطه جديده ، إلا أن الأوضاع لم تسير وفقا لما سار سابقا من تنامى سرعه إستيعاب الشباب والأزمه الإقتصاديه الطاحنه والتعاطى الأمنى الخاطئ مع ملف الحريات السياسيه وعدم قدرة النظام الجديد على إيجاد ظهير سياسى يدعمه كما السابق كل هذا جعل الشباب ينسحب سريعا نحو عالمه الإفتراضى متماهيا مع تكنولوجيا العصر التى يبدوا أن النظام السياسى مصرا كمن سبقه أن يتجاهلها متناسيا أن الشباب وليد عصره ومستحدثاته وأنه يجب أن يتعامل مع الشباب من هذا المنطق ، لذلك ليس غريبا أن نسمع فى تظاهرات " الأرض والعرض " _ برغم من هاجموها ومحدوديه تأثيرها _ هتافات نادى بها الشباب فى ميادين مصر فى 25 يناير فى محاوله لإسترجاع مطالبات شبابيه فى الحريه والكرامه ، والتى عبرت بكل تأكيد كما عبرت مظاهرات فبراير 1968 عن أزمه بين الشباب والسلطه يجب أن تزول سريعا حتى لا نفاجئ بأوضاع كارثيه
سيادة الرئيس إن ضيق الصدر والتعبير عنه ولن يكون منه طائل أمام شباب منفتح على العالم بأكثر مما حدث لسابقيه على مر العصور لذلك يجب على النظام أن يحاور الشباب من خلال أليات العصر بعيدا عن الصدام الذى أراه قد ظهرت بوادره خصوصا وأن النظام ليس لديه كتله سياسيه تدعمه على الأرض ووسط حاله إقتصاديه ستدعم حتما ذلك الصدام وتقربه .. لذلك لا أرى داعيا لضيق الصدر المجال مازال مفتوحا لحوار لجسر الهوه بين الأجيال وجسر الهوه بين الدوله والشباب  ..وتذكر سيادة الرئيس أن نظام يوليو إستطاع أن يستوعب الشباب لأكثر من عشر سنوات حتى حدث الشرخ الأول والذى لم يكن الأخير طيلة أكثر من ستون عاما مضت .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...