السبت، 18 ديسمبر 2021

الفجل السياسى


 


بقلم / ياسر رافع

عندما كنت فى رحلة عمل فى إحدى الدول الخليجيه ، قابلت صديق فلسطينى يكبرنى فى السن ، أراد فى أحد الأيام أن يوحى إلى أنه ضليع فى الشان المصرى وأنه يعرف جميع " النكات " المصريه ، فقلت له هات ما عندك ، فقال : كان هناك باشا إقطاعى كبير خسر فلوسه كلها ، و أصبح فقير فلم يجد إلا أن يشترى " فجل " ويبيعه للفلاحين ، وكلما مر عليه أحد يجده ينادى ويقول " فجل يا كلاب " .. وعلى الرغم من طرافة النكته إلا أنها تحاكى مبدأ إقتصاديا مشابها لما إحتوته النكته من دروس ، وهو ما عرف إصطلاحا بـــ " المرض الهولندى "  وهو كما عرفته " ويكيبيديا  بأنه " إسم لحاله من الكسل والتراخى الوظيفى أصابت الشعب الهولندى فى النصف الأول من القرن العشرين 1900-1950 بعد إكتشاف بترول الشمال ، حيث هجع للترف والراحه وإستلطاف الإنفاق الإستهلاكى البذخى ، فكان أن دفع ضريبة هذه الحاله ، ولكن بعد أن أفاق على حقيقة نضوب الأبار بإستهلاكه غير المنتج " .. وهو مرض يصيب المجتمعات التى تهبط عليها الثروات فجأة والتى لا تحسن إستغلالها إقتصاديا ولا مجتمعيا حتى ما أن تنضب حتى تجد تلك المجتمعات أنها أمام أزمات لا قبل لها ، ولم تتحسب لها ، وهو ما أستطيع أن أطلق عليه حالة " الفجل الإقتصادى "
ولكن هل لتلك الحاله وجودا فى الحياة السياسيه ؟ .. " نعم " .
فبنظره سريعه عما حدث منذ نهاية الحرب العالميه الثانيه وحتى الأن سنجد أن ظاهره " الفجل السياسى "    _ كما أعرفه بإنه الإفلاس السياسى الذى يعقب ظاهره تأييد ضخمه _ هى حاله ممتده ، فنجد رئيس الورزاء البريطانى " وينستون تشرشل " الخارج لتوه منتصرا من الحرب العالميه  قد خسر الإنتخابات البرلمانيه التاليه للحرب على الرغم من إستغلاله  فى الدعايه الحزبيه لتلك الحرب ، _الشعب يريد جديدا_ .
.وكذلك مظاهرات 1968 التى فاجأت الرئيس " جمال عبدالناصر" فى نهايات حكمه ، والتى طالبته بمزيد من " حرية الرأى والصحافه ومجلس نيابى حر وإصدار قوانين الحريات " ولم تشفع له إنجازاته السياسيه والإقتصاديه لعدم الخروج_ الشعب يريد جديدا ..
وتكرر نفس المشهد مع بطل الحرب والسلام الرئيس " أنور السادات " الذى لم يشفع له إنتصار أكتوبر1973 الذى رفع شعبيته إلى عنان السماء ، ولكنه أصر أن يستهلك تلك الشعبيه إلى أقصى الحدود ، حتى فوجئ بإنتفاضه شعبيه فى 18و19 يناير 1977 حرقت فيها أقواس النصر _ الشعب يريد جديدا _
ويبدوا أننا على موعد أخر لحاله أخرى من " الفجل السياسى " نعيش أحداثها منذ ما يقارب السنتين ،     حيث أن الرئيس " السيسى" الذى جاء إلى الحكم مدججا بشعبيه كبيره جدا على خلفية ما سبقه من سنوات إضطراب سياسى وإجتماعى وإقتصادى كبيرأعقبت ثورة 25 يناير ، أستطاع مستغلا تلك الشعبيه أن يمرر قرارات سياسيه وإقتصاديه صعبه ومؤلمه كان لا يمكن أن تمرر فى أصعب الظروف ولكن الشعبيه ساندته ، ولكن ومع قرب نهاية السنه الثانيه من حكمه يبدوا أننا أمام مظاهر لحالة " الفجل السياسى " حيث الأزمات التى تتوالى إقتصاديا و سياسيا أخذه فى تأكل تلك الشعبيه ، نظرا لإرتكان أركان النظام على مدى شعبية الرئيس لدى الجماهير لتبرير سلوك معين ، وهو ما أوجد حاله من التململ لدى الشارع وهو ما يفسره الدعوات المتكرره للتظاهرات حتى وإن لم تجد لها زخما جماهيريا ..
لذلك وقبل أن نصل إلى حاله الإفلاس السياسى _الفجل السياسى _ يجب أن يفطن النظام إلى أهمية وجود تنظيم سياسى قبل فوات الأون لأن الإرتكان إلى الأجهزه الأمنيه فقط سيؤدى إلى أداء متسارع نحو الهاويه ، وأن الإرتكان إلى الشعبيه لدى الجماهير ستورث تلك الجماهير حاله من الإتكاليه المنتظره لتعليمات سياده الرئيس والتى أيضا لن تشفع له عندما يخطئ ..
المشاركه المجتمعيه هى السبيل الوحيد لعدم الإنزلاق إلى حالة الفجل السياسى .. قبل أن يفيق النظام على واقع السقوط وتسوله للجماهير أن تسامحه .. وعلى الرئيس أن يدرك أن هناك من يحاول إستغلال شعبيته للإنتقام من الشعب .. الجماهير لا تسامح إلا إذا تم تنميه الشعبيه وتحويلها إلى واقع إقتصادى وسياسى ومجتمعى جديد .. _ الشعب يريد جديدا _

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...