الخميس، 23 ديسمبر 2021

الدور الإجتماعى للصوص !! نصرة مظلوم أم سرقة مجتمع ؟!




 

بقلم / ياسر رافع

تاجر المخدرات الكولومبى الأشهر فى العالم " بابلو إسكوبار " الذى أرعب كولومبيا والعالم بجرائمه والذى قتل على يد القوات الأمريكيه مشى وراء جنازته أكثر من خمسة وعشرون ألف كولومبى ، وهو ما حير الحكومه الكولومبية وحليفتها أمريكا ! كيف يمشى الناس حزنا وراء جنازة تاجر مخدرات قتل وسفك دماء الناس ؟! الإجابة كانت سريعة عل لسان أحد المشيعين فى الجنازة الذى قال " لقد بنى منازل وكان يهتم بالفقراء ، فى المستقبل سيذهب الناس إلى قبره للصلاة بإعتباره قديسا " .
فى بداية أزمة فيروس كورونا الحالية لم يكن من العجيب أن تجد أشخاص ومؤسسات يساعدون الفقراء والمساكين فى أنحاء العالم فالأزمه طالت الجميع وكان لزاما أن تتضافر الجهود للخروج من الأزمه ، ولكن من العجيب أن تجد فى المكسيك إبنتى تاجر المخدرات الأشهر عالميا " آل تشابو" المعتقل حاليا فى أمريكا يقومان بتوزيع كراتين فاخرة مملوءة بالمواد التموينيه وأنواع من المطهرات محكمة التغليف طبع عليها صورة زعيم المافيا المكسيكية .. ولكن الأعجب هو إصطفاف الفقراء للحصول على تلك الكراتين .
ما الذى حدث حتى يتحول اللص إلى قديس ؟ ومن الذى جعل الفقير يقف ليحصل على حقه فى طوابير اللصوص ؟!
.......................................................................................
فى كتابه المعنون " ديوان اللصوص فى العصرين الجاهلى والإسلامى " يفتح لنا الكاتب الدكتور " محمد نبيل طريفى " آفاقا جديدة لتفسير ظاهرة اللصوصية وتطورها فى العصر الجاهلى والإسلامى حتى نهاية عصر الخلافة العباسية ، فهو يقر بأن " اللصوص فى نظر الروائيين والإخباريين ! طوائف من قطاع الطرق ، يعمون أرجاء البلاد ، ينهبون ويخطفون المال " . ولكنه يقف موقفا مقابلا لهذا الرأى قائلا " وفى الغالب كان اللصوص فئة مضطهدة محرومه ، ضاقت بأفرادها سبل العيش فى مجتمعاتهم ، لذلك إندفعوا يغيرون على أموال الناس ، فيسلبون ممتلكاتهم إنتقاما لواقعهم ، وسعيا إلى تأمين متطلبات حياتهم التى يكاد يهلكها الإعدام والفقر " . " إستطاع هؤلاء اللصوص الحصول على مهنة ، لم تكن تقل فى نظرهم عن مهنة الحاكم المرتشى أو الوالى الذى يأكل اموال الناس بغير حق، فتخلصوا بذلك من رواسب الفقر التى أزرت بكثيرين منهم " .
وعلى طول الكتاب بجزئيه يستعرض الكاتب نماذج من شعر وأدب هؤلاء اللصوص فى ظاهرة عجيبة ومشوقه . ويبدوا للقارئ للوهلة الأولى أنه يدافع عن ظاهرة اللصوصية واللصوص بمسمياتهم المختلفة ، لص ، زعار ، دعار ، حرفوش ، شاطر وما إلى ذلك . ولكنه يرصد ويحلل ظاهرة اللصوصيه فى المجتمع الجاهلى والإسلامى من منظور مجتمعى طبقى يبتعد بها عن ظاهرة اللص الذى يسرق ليأكل فقط ، ليغوص بنا فى واقع مجتمعى ليعرض لنا نماذج مختلفة من اللصوص الذين لعبوا دورا كبيرا فى الحياة الإجتماعية والسياسية .
فهو يفرق بين خروج الشخص عن تقاليد القبيلة ونبذه مجتمعيا بسبب أنه أصبح من الصعاليك ومن ثم أصبح متمردا على أعراف وتقاليد القبيلة ، وصار يغير ويسرق أغنياءها وخاصة البخلاء منهم لصالح فقراء القبيلة ، ولكنه ظل يحتفظ بفروسيته وموهبتة الشعرية التى جعلته شخصا شهيرا عابرا للزمن كـ " عمرو بن الورد" . وبين اللص الذى ظهر بشكلا آخر فى العصر الإسلامى حيث أصبحت هناك مدنا كبيرة تسكن فيها طبقات مختلفة من الناس وكان هذا بداية لظهور التمايز الطبقى الأمر الذى جعل من ظاهرة اللصوصية أن تحتل مكانه لها منذ بداية العصر الأموى وحتى نهاية العصر العباسى ، فقد ظهر جليا أن هناك تمايز طبقى شديد جعل من الحنق الشعبى مصدرا لظهور اللصوص وإحتفاء الناس بهم لأنهم يسرقون الأغنياء مما جعل من اللص " إبن حمدي " او " حمدون " فى بغداد مصدر إلهام للفقراء وإزعاجا لسلطات الدوله .
ومع تداعى سلطة الدوله وتراجعها ظهرت ظاهرة تحالف اللص مع الدوله والتى جعلت من " إبن حمدى " يعمل بطريقة شرعية تحت سلطة الخليفة لإقرار الأمن . بل وصل الأمر بأن أحد الخلفاء العباسيين جعل من اللص " على الزيبق " ورجالة حرسا شخصيين له .
وأختلط الحابل بالنابل وتحالف اللص والدوله ، حتى أصبح كتاب التاريخ الأقدمين يرددون بيت شعر بصفه متكررة للدلاله على تلك العلاقة المحرمه :
رعاة الشاة تحمى الذئاب منها .. فكيف إذا الرعاة هى الذئاب .
....................................................................................
وفى كتاب " الشطار والعيارين .. حكايات فى التراث العربى " للدكتور " محمد رجب النجار " يرصد ظاهرة اللصوصية ويتفق مع كل من سبقوة من أن ظاهرة اللصوصية هى نتاج مجتمعى ظالم مجتمعيا ولذلك نراة يرصد إحتفاء الناس بهؤلاء اللصوص الذين يسرقون الأغنياء والتجار الذين يسرقون آقواتهم ، ولكن هذا كان مشروطا بفساد الدولة وتداعى سلطتها . ولكنه يرصد التاريخ النضالى لهؤلاء اللصوص والشطار والعيارين والحرافيش والزعار وغيرهم من سفلة المجتمع فى مقاومة المحتل ونصرة الدولة . ويضع مثالين لذلك حيث إنتصروا للخليفه والشرعية ضد أعداءه فى فتنة الأمين والمأمون فى الخلافه العباسيه وكانوا قوة يحسب لها ألف حساب . والمثال الآخر إنضمامهم إلى مقاومة الحملة الفرنسية على مصر بعدما هرب الأمراء المماليك وتحالف التجار مع المحتلين الجدد .
ما الذى يجعل الدوله واللص فى صفا واحد ؟!
.....................................................................................
الكتابان يؤكدان على حقيقة بطولة اللص الخارج على قانون الدولة عندما تفسد والذى يصير بطلا شعبيا يتلمس فيه الفقراء أملا لتغيير حياتهم ورغبة عارمة فى الإنتقام من الدولة والتجار الذين أفقروهم .. وعلى حقيقة لص الدولة الذى يرتدى زى الحاكم أو القاضى أو التاجر أو رئيس الشرطه ، الذى إستهان بمقومات الدوله وأستباح لنفسه كل شئ .. وكذلك التأكيد على أن ظاهرة اللصوصية ظاهرة إجتماعية متصلة بالواقع الإجتماعى فى الدولة ، حيث أن فساد الدولة هو ما يساعد على ظهور ونماء تلك الظاهرة ، وليس الفقراء هم المسؤولين عن فرز تلك الظاهرة ، فالفقراء من أبناء الدوله هم من مجدوا الحاكم العادل وفى المقابل هم من مجدوا اللص النبيل الى يسرق ويعطيهم وكان العامل المشترك الذى رجح كفتى الحاكم العادل واللص الشريف هو مدى عدل أو فساد الدوله .
.........................................................
الحاله التى تعيشها دولنا العربيه حاليا لا تختلف عن واقع آواخر الخلافة العباسية ، فقد تحالف اللص مع الدوله ، بل نستطيع أن نقول أن اللص النبيل كظاهرة إجتماعية ملهمه للفقراء إندثرت وحلت مكانها ظاهرة لص الدوله الذى إلتحمت مصالحه بمصالحها وأصبحا كيانا واحدا ، إنفصلا جغرافيا وإجتماعيا وسياسيا داخل المجتمع ـ وتركوا الفقراء فى آحيائهم يرفلون فى الفقر منتظرين أن تنزل عليهم أموالا موسمية كالأمطار عندما يريد الأغنياء منهم دعما جماهيريا .
اللص ! لص مهما تجملت الكلمة وللخلاص من تلك الظاهرة يجب أن يولد مجتمع عادل غير طبقى ، وأنه يجب أن لا يكون له دور إجتماعى سواء لنصرة المظلوم أو سرقة المجتمع وتغيير بنيته السياسيه  .
نريد مجتمعا عادلا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...