بقلم / ياسر رافع
عند الحديث عن العلاقات المصرية الأفريقية ، وخاصة علاقات مصر بدول حوض النيل فيجب أن تؤخذ آراء ثعلب السياسة المصرية والأمين العام السابق للأمم المتحدة الدكتور " بطرس غالى " بكثير من الإهتمام والتفكير ، فهو الذى لطالما حاول كثيرا تنبية القيادة المصرية إلى أهمية البعد الأفريقى فى السياسة المصرية حيث مياة النيل والسوق الكبيرة ومشددا فى الوقت نفسة على أن آفريقيا ستكون بؤرة الصراع العالمى فى القرن الواحد والعشرون بسبب خيراتها . وقد أطلق صيحاتة المتكررة بأن الصراع على الموارد المائية سيكون حاضرا بقوة فى تحديد شكل العلاقات الدولية .ولكن صيحاته ذهبت أدراج الرياح بسبب إستهلاك نظام مبارك نفسه بالقضية الفلسطينيه والقضايا العربية التى لم تحل على حساب المصالح المصرية فى أفريقيا ، حتى قامت ثورة 25 يناير وتعقد المشهد الدولى فى الجوار العربى والجوار الأفريقى وظهرت أزمة سد النهضة الأثيوبى كنتاج لحالة عدم الإستقرار فى المنطقة ككل والتى وضعت مصر فى وضع لا تحسد عليه ، وبين عشية وضحاها أصبحت مصر مطالبة بتعديل إتفاقيات تحفظ لها حقوقها المائية فى نهر النيل والإقرار بأوضاع جديدة كنتيجة طبيعية لإنسحاب نظام مبارك من أفريقيا ، وهو ما جعل الدكتور " بطرس غالى " يطرح فى مايو 2013 فكرة وجود وسيط دولى مهم سواء أكان من أفريقيا أو منظمة دولية مثل الأمم المتحدة أو الإتحاد الأوروبى ، ولكنه فى المقابل طرح شرطا لتحفيز ذلك الوسيط عبر " إقناع هذا الوسيط بانه يقوم بمهمه فيها مصلحة فى ذلك حتى يستطيع أن يقوم بدورة ومهمته " ومشددا على رفض الحل العسكرى " لأن هذا سوف يسبب ضررا كبيرا لمصر على مستوى القارة الأفريقية "
وبعد ثلاث سنوات بالتحديد رحل الدكتور " بطرس غالى " تاركا فكرة الوسيط ذى المصلحة تنمو حتى أصبحت تلعب الدور الأساسى فى حل أزمة سد النهضة !!
................................................................................
فى الثالث من يونيو عام 2013 وفى إجتماع برئاسة الجمهورية المصرية وبحضور الرئيس المصرى السابق " محمد مرسى " ، ظهر الرئيس وبجانبه مؤيديه من آنصار التيار الإسلامى الحاكم ومؤيديه من المعارضه على شاشة التلفزيون وطرحت على الهواء مسألة التعامل مع ملف سد النهضة ، وفى مشهد سيريالى تحدث الحضور عن حلول مختلفه منها الإعتماد على القوة الناعمه ! أو إرسال وفود للتباحث ! أو إقامة مشروعات مشتركة ! ولم يدرك الجميع بما فيهم رئيس الجمهورية نفسه أن اللقاء مذاع مباشرة على الهواء ، حتى جاءت اللحظه المرعبة والتى تحدث فيها الحضور عن إمكانية ضرب السد بالقوة العسكرية وهو ما وضع السياسة المصرية فى وضع محرج دوليا وأعطى سببا لأثيوبيا للتعنت والمضى قدما فى بناء السد ، وتعقد مشهد التفاوض !!
ولكن بعد آيام قليلة خرجت الجماهير المصرية فى 30 يونيو لتقوم بإنهاء حكم الرئيس السابق " محمد مرسى " ممثل التيار الإسلامى ، ودخلت مصر مرحلة إنتقالية جديدة ، مما أعطى أثيوبيا مزيدا من الوقت مع تعقد المشهد السياسى المصرى لكى تقوم بالإسراع بعملية بناء السد .
وأنتهى اللقاء التلفزيونى الشهير ! ولكنه طرح فكرة ضرب السد على الجماهير كحل آخير وحاسم !!
............................................................................
بعد تولى الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " حكم مصر بعد الفترة الإنتقاليه فى العام 2014 أصبح ملف سد النهضة هو الملف الشغل الشاغل للقيادة المصرية الجديدة والتى كانت تكافح وضعا إقتصاديا بالغ الصعوبة ، حتى تم توقيع إتفاق ثلاثى بين مصر وأثيوبيا والسودان بالخرطوم سمى " بإعلان المبادئ " تم فيه إعتراف مصر والسودان بأحقية أثيوبيا فى بناء سد النهضة ولكن دون المساس بالحقوق المائية التاريخيه لمصر والسودان . وما أن إنتهت مراسم الإحتفال بشهور قليلة حتى بدأت أثيوبيا تتعنت فى المفاوضات تحت زعم أنها إنتزعت إعترافا مصريا سودانيا بأحقيتها ببناء السد دون الإلتزام بالحقوق المائيه التاريخيه للبلدين وهو ما عقد المشهد السياسى ووضع السياسة المصرية فى حرج أمام شعب قلق وخائف من عدم تدفق مياة النيل مما يهدد حياته ، الأمر الذى عجل بظهور صيحات شعبية تعبر بطرق مختلفه عن أهمية ضرب سد النهضة بالقوة العسكرية ، ولكن القيادة المصرية آثرت المضى قدما فى المفاوضات وقادت أكبر عملية ضغط دولى على أثيوبيا لثنيها عن موقفها المتعنت فى المفاوضات وآستطاعت أن تدخل وسيط له علاقات مشتركة بين الأطراف الثلاثه " مصر والسودان وأثيوبيا " وهو دولة جنوب أفريقيا بصفتها الرئيس الحالى لمنظمة الإتحاد الأفريقى ولكن ظل التعنت الأثيوبى ظاهرا ومراوغا ، مما جعل الوسيط غير قادر على الضغط للوصول لإتفاق يرضى الجميع .
وتصاعدت الصيحات الشعبية المصرية التى تنادى بالحرب على أثيوبيا ، خصوصا مع وصول شحنات السلاح الحديثة التى تعاقدت عليها مصر مع الدول المختلفه بهدف تحديث الجيش المصرى ورفع قدراته القتاليه . وأصبح ينظر لطائرات " الرافال " الشبحية على أنها طائر الفينيق الذى بعث من جديد لينفث نارا للتخلص من مشكلة السد نهائيا .
وطرح لأول مرة سؤال صريح يدل على نفاد الصبر،هل تستطيع مصر أن تقوم بعمل عسكرى ضد أثيوبيا ؟!
...................................................................................
ومع مرور السنوات يبدوا أن القيادة المصرية تذكرت فكرة ثعلب السياسة المصريه " بطرس غالى " وطلبت من أمريكا أن تتدخل كوسيط مباشر فى المفاوضات حول سد النهضه لما لأمريكا من مصالح مباشرة فى أفريقيا وخاصة فى حوض النيل والقرن الأفريقى ، وحتما ستجنى مكاسب من وراء الوصول لإتفاق بين أطراف المفاوضات حول السد ، وهو ما أعطى إحساسا شعبيا وإقليميا ودوليا بأن قدرة أمريكا على حسم الخلافات والوصول لإتفاق مرضى لجميع الأطراف ستنهى أزمه كادت أن تتحول لحرب على المياة .
وما أن تم التوصل لإتفاق ووقعت مصر عليه رفضت أثيوبيا ووضعت القوة الأكبر فى العالم فى حرج بالغ . الأمر الذى جعل الرئيس الأمريكى " ترامب" يوقع عقوبات إقتصادية على أثيوبيا .
وأشتعل الموقف وبدأت القاهرة تعطى إشارات بأن صبرها قد شارف على الإنتهاء . وفجأة !!!
إستطاعت الجماهير السودانية أن تقوم بخلع الرئيس " البشير" ونظامه ، وكان هذا تطور مثير وملفت فى مفاوضات سد النهضة ، خصوصا وأن نظام البشير أعطى إشارات متضاربه جعلت القاهرة تتخوف من مواقفه خصوصا التى إتخذها عقب نهاية حكم التيار الإسلامى فى مصر والذى كان يؤيده .
وأصبح بين يوم وليله الموقفان المصرى والسودانى متفقان فى رؤاهم إلى حد التطابق فى مواجهة أثيوبيا ، وزادت نغمة الحرب فى السودان أيضا مع إعتداءات المليشيات الأثيوبية المسلحة المتكررة والمدعومة من الحكومة الأثيوبية على الأراضى السودانية .
ومع زوال نظام البشير أصبح المجال الجوى السودانى شبه مرحب لعبور الطائرات المصرية بإتجاه سد النهضة ، ولكن بإنتظار نفاد صبر الوسيط ذى المصالح الحيويه " أمريكا " .
...............................................................................
من على مكتبة فى البيت الأبيض جلس الرئيس الأمريكى " ترامب " ليجرى محادثه جماعية بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلى " نتنياهو " ورئيس الوزراء السودانى " حمدوك " فيما يشبة المباركة العلنية الأمريكية لإتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسودان ، ولكن وسط الحديث التليفونى تكلم الرئيس " ترامب " عن أزمة سد النهضة بلهجة توحى بنفاد صبر الوسيط الذى يرى أن مصالحه وهيبته فى أفريقيا على المحك ، فصرح قائلا " إن الوضع خطير للغاية لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة ، وسينتهى بهم الأمر بتفجير السد " ومضيفا " وقد قولتها ، وأقولها مجددا وبصوت عال وواضح ، سوف يفجرون ذلك السد ، عليهم أن يفعلوا شيئا ما " .
وقد آثار هذا التصريح زوبعه كبيرة إقليميا ودوليا ، حيث أن التصريح أعتبر بمثابة ضوء أخضر لمصر لضرب سد النهضة ، ولكن القيادة الأثيوبية بقيادة " آبى أحمد " التى يغلب عليها الطابع الشعبوي القائم على الحشد الشعبى لم تلتقط الإشارات المختلفه وراء تصريح الرئيس الأمريكى .
فهى لم تفطن إلى أنها أصبحت مصدر قلق لأمريكا على مصالحها فى حوض النيل والقرن الأفريقى وأن هذا القلق سيطال حليفتها الأكبر إسرائيل فى حال إشتعال الموقف فى مصر والسودان . وكذلك أثيوبيا لم تعد دولة حبيسه جغرافيا ولن تكون فى مأمن من هجمات جوية دقيقه بطائرات وصواريخ حديثه حصلت عليها مصر بعد أن يصبح المجال الجوى السودانى مفتوحا فى حال ظل التعنت الأثيوبى . وأن الرجوع إلى مائدة المفاوضات للوصول لحل هو بمثابة ضوء أخضر لشراكة إقتصادية أثيوبية مع مصر والسودان لتصل إلى المنطقه العربيه وإسرائيل .
وهكذا أصبحت أزمة سد النهضة آسيرة لوسيط له مصالح يدافع عنها ، وهو قادر على إستغلال المواقف لإشعال الحرب ومساندة من تتلاقى معه مصالحه .
.....................................................................
ظنى أن مهلة الضوء الأخضر للتصريح الأمريكى بضرب السد ليست مفتوحه ، لأنها محكومه بإنتهاء فترة رئاسة الرئيس الأمريكى ، وعليه فإن مصر أمامها شهرين على أقصى تقدير إذا ما قررت ضرب السد لأنه فى حال تبدل القيادة الأمريكيه وتولى المرشح الرئاسى " بايدن " وهو ما تراهن عليه أثيوبيا حاليا ، فلن يكون بمقدور مصر ضرب السد إلى فترة طويلة ، وربما لا يحدث !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه