الثلاثاء، 1 نوفمبر 2022

مصر فى عين عاصفة الحرب الروسية الأوكرانية


 

بقلم / ياسر رافع

فى بداية الألفية الجديدة ، وعلى قناة الجزيرة القطرية سئل الكاتب الصحفى المصري " محمد حسنين هيكل " على هامش حلقاته الشهيرة بالقناة ، أين يصنع القرار العربى الآن ؟ فأجاب بأن القرار العربى يصنع فى القاهرة ومن داخل القاهرة يصنع من خلال المؤسسة العسكرية ( بإعتبار المؤسسه العسكرية هى اللاعب الرئيسى من خلف الستار فى السياسة المصرية ) .
لهذا وإن كان القرار العربى  يصنع فى القاهرة لسنوات ، فإنه وبعد بداية العشرية الثانية من الألفية الثانية يبدوأ أيضا أن هناك إنكسارات حادة قد حدثت فى السياسة الدولية والإقليمية قد جعلت من صنع القرار فى القاهرة محل شك ، فقد تغيرت معطيات السياسة فى المنطقة مع بداية ثورات الربيع العربى التى خصمت من رصيد السياسة المصرية وحركتها فى كامل الإقليم .
ما الذى حدث ! وما الذى تغير ؟!!
........................................................................................
مع بداية ثورات الربيع العربى تغيرت ملامح الخريطة الجيوسياسية فى المنطقة ، ودخلت القاهرة فى دوامه من الفوضى جعلتها تحاول إعادة ترتيب البيت داخليا مما جعلها تنكفأ على نفسها فى محاولة عدم السقوط فى هاوية الحرب الأهلية التى أصيبت بها بعض الدول العربيه مثل ليبيا وسوريا واليمن ، وهذا مكن بعض دول الجوار الإستراتيجى لمصر مثل تركيا وإيران من لعب أدوار رئيسية فى داخل العمق الإستراتيجى للقاهرة ، وقد حدث ذلك فى التدخل الإيرانى فى الحرب الأهلية اليمينه ، والتدخل التركى فى الحرب الأهلية الليبية ،
ومع ضغوط الأزمة الإقتصادية الطاحنه ، ورغبة القاهرة ونظامها السياسى الجديد بعد 30 يونيو 2013 فى إعادة فرض النظام الداخلى وتعويض ما فقدته من تنمية إقتصادية ، فقد بدا أن ما فقدته نتيجة ثورات الربيع العربى إستراتيجيا صعب تعويضه وسط حالة السيولة التى تجتاح المنطقه والعالم بسهولة ، فقد أصبحت أدوار إيران وتركيا وإسرائيل كلاعبين رئيسيين فى المنطقة واقع يجب التعامل معه وفق آليات ومعطيات جديدة ، تأخذ فى إعتبارها الأوضاع الجيوسياسة الجديدة ، والإقتصادية الناشئة عن التحالفات العربية الإسرائيلية بعد إتفاقات إبراهام الشهيرة .
فهل تسطيع القاهرة تعويض ما فقدته ؟!
....................................................................................
مع إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية سادت حالة من الإستقطاب بين الكتاب والمحللين السياسيين والإستراتيجيين فى مصر ، فقد راح فريق يناصر روسيا التى ساندت القاهرة فى حربها ضد إسرائيل وضد قادة أوكرانيا المدعومين أمريكيا ، وفريق آخر يناصر الموقف الأمريكى الأوروبى من منطق أن روسيا دولة معتدية وأنها السبب فى الكوارث التى حلت فى العالم وساعدت على تفاقم الأزمة الإقتصادية التى تعيشها القاهرة ، وتراشق الطرفين فيما بينهما لإثبات صحة منطقه ، ولكن الفريقين قد أكدا بما لا يدع للشك أنهما ينتميان إلى فترة الحرب الباردة وطريقة تفكيرها والتى تجاوزها الزمن فلم تعد روسيا هى الإتحاد السوفيتى ولا أمريكا أصبحت ترى العالم بنفس منظور الحرب الباردة وخصوصا فيما يتعلق بمصر .
فروسيا غيرت من إستراتيجيتها فى التعامل مع العالم العربى بشكل كلى وجعلت من دول الشرق الأوسط مجال عام لحركتها فى شكل علاقات ثنائية فقط مع أقطابه كما جاء نصا "
 تنوى روسيا تطوير علاقاتها على المستوى الثنائى والإقليمى مع تركيا ومصر والجزائر وإيران والسعودية وسوريا وليبيا وباكستان "
وكذلك تقديم التعامل مع العالم الإسلامى على العمل مع العالم العربى وذلك وفق " وثيقة مفهوم السياسة الخارجية " والتى تم التصديق عليها من الرئيس " بوتين " فى العام 2013 .
وكذلك أمريكا التى وفقا لإستراتيجيتها للقرن الواحد والعشرين ، تريد ترتيبا يضمن مصالحها فى الشرق الأوسط يضمن حصارا لروسيا و الصين ، ولكنها لم تعط أدوارا للدول العربية فى هذا الترتيب ، وإنما بنت تصوراتها للأمن فى الشرق الأوسط على دول الجوار العربى كإيران وتركيا وباكستان وإسرائيل .
لهذا جاء تصويت مصر فى الأمم المتحدة على قرار يدين التدخل العسكرى الروسى فى أوكرانيا نمطيا متماشيا مع " نص " مكتوب فى ميثاق الأمم المتحدة ، ولكنه يعكس حالة عدم اليقين من مساندة روسيا التى تفضل العلاقات الثنائية بعيدا عن لتصورات القاهرة فى كامل قضاياها بإقليم الشرق الأوسط وأفريقيا . وكذلك عدم الإطمئنان لنوايا أمريكا فى المنطقة والتى تملك مفاتيح القوة فيها .
وزادت الحيرة فى القاهرة ، وقد أصبحت سيولة الأحداث والتحالفات تشكل هواجس مفزعه للمستقبل !!
............................................................................
مع تصاعد وتيرة الحرب الروسية الأوكرانية ، وإمتدادها لشهور بعد تقديرات روسية خاطئة لزمن بدايتها وإنتهاءها ، أصبحت القاهرة فى عين العاصفة الناتجة عن تلك الحرب والتى تجتاح العالم أجمع ، وكان تهديد سلاسل الإمداد الإقتصادى العالمى عامل ضغط إقتصادى رهيب زاد من حدة الأزمة الإقتصادية الممتدة منذ سنوات ، حيث تعتمد القاهرة على غالبية إحتياجاتها من الغذاء ومدخلات التصنيع من الخارج وهو الأمر الذى آثرعلى أداءها داخليا وخارجيا .
وكان لدخول تركيا كلاعب إستراتيجى فى الحرب الروسية الأوكرانية وذلك عبر إعتمادها كوسيط له ثقله فى محيطة الجيوسياسى ، وكذلك إشتراكها كلاعب أصبح له ثقل فى سوق السلاح العالمى عبر تنقية الطائرات بدون طيار " البيراقدار " والتى أثبتت فعاليه عالية فى الحرب بجانب أوكرانيا . وكذلك دخول إيران لتعويض خسائر روسيا فى الحرب عبر طائراتها بدون طيار وصواريخها الباليستيه ، وكذلك إسرائيل بجانب أوكرانيا بأسلحتها . وهو الأمر الذى يشى بأن إعتماد قوى من خارج الإطار العربى لتنظيم مسألة الأمن فى الإقليم بات محل لا شك فيه وسيصبح أحد نواتج الحرب الروسية الأوكرانية كمكافاة للأطراف المشاركة فى الحرب .
أضف إلى ذلك ظهور إيران وتركيا وإسرائيل فى أثيوبيا والقرن الأفريقى وفى منطقة الصحراء والساحل والمغرب كلاعبين آساسيين وهو ما يضيف أعباء طويلة الأمد .
فماذا تفعل القاهرة وسط هذة العاصفة ؟!
..............................................................................
لقد كانت الحرب الروسية الأوكرانية بمثابة صاعق كهربائى أصاب القاهرة وشل حركتها فجأة ، فالأزمة الإقتصادية زادت حدتها وهوت بعملتها وزادت من معاناة الشعب الذى تحمل كثيرا ، مما جعلها فى موقف حرج داخليا ، ومساحة كبيرة أعطتها الدول الكبرى المشاركة فى الحرب لدول الإقليم كتركيا وإيران وإسرائيل للعب أدوارا عبر التحالف معها ، وهو ما ينذر بمستقبل جيوسياسى مختلف عما هو الأن .
وأصبح حليف القاهرة فى الخليج هو البطن الرخو فى السياسة المصرية ، فهو ليس مأمون الجانب حيث يغير تحالفاته سريعا ، فهو من عدو لإيران إلى سعى للمصالحة والبحث عن ترتيبات للأمن فى الخليج ، وتركيا تحولت من عدو بعد أحداث الربيع العربى إلى حارث للأمن بقواتها فى الخليج ، وشريك إقتصادى وعسكرى لإسرائيل ، بل ويغازل الصين وروسيا تحسبا لزمن قادم تقل فيه الهيمنه الأمريكيه على المنطقة .
مع ذلك لم تفقد القاهرة بعد أدوات صنع القرار العربى على الرغم من الحديث عن خليج يملك المال ودول إقليمية كبرى تملك القوة والتكنولوجيا وتريد لعب أدوار جيوسياسية وهذا حقها ، فلا زالت تملك أدوات التأثير فعلى الرغم من الغياب السياسى خلف ضبابية المشهد وتشابك المصالح ، فلا زالت المؤسسة العسكرية المصرية قادرة على تغيير معادلات السياسة والقوة ، بشرط أن تتجاوز مصر أزمتها الإقتصادية .
ويجب أيضا أن لا تجلس القاهرة مكتوفة الأيدى داخل حدودها إنتظارا لمرور عاصفة الحرب الروسية الأوكرانية ، فكل دول المنطقة بلا إستثناء بدأت تحدد مع من تكون ! ومع من سيكون شكل المستقبل !

لقد خصمت الحرب الروسية الأوكرانية من رصيد القاهرة الجيوسياسى ، وهذا صعب تعويضه حاليا إلا إذا حددت القاهرة موقفها الإستراتيجي من العلاقات مع روسيا وأمريكا وقوة المستقبل الصين ، وكذلك رؤيتها وموقفها من إيران وتركيا وإسرائل ، وذلك وفق رؤية القاهرة لحجمها وتأثيرها فى محيطها الجيوسياسى والإستراتيجى .
وإلى أن تهدأ العاصفة ، فالقاهرة تستطيع أن تتجاوزها ولكن بأى تصور للمستقبل ؟ هذا مرهون بما تملية السياسه على قادتها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...