بقلم ياسر رافع
عندما تراه تدرك أن هناك خللا في العقل الجمعي، وطبيعة إدراك المصريين للعلاقة بين مهنة الطب وباقي نواحي الحياة الثقافية الأخرى، فتأثير ثقافة المحتل على المصريين ضاغطه وحاكمة فجعلت من الطبيب مجرد شافي للجراح ومجبر للكسور ليس أكثر ولا أقل محصورا بين دراساته وادواته الجراحيه، حتى أصبح معظم الأطباء لا يشتركون في أي فعالية ثقافية وأصبحوا أسري الموروث الشعبي لثقافة المحتل التي تحصر دور الطبيب بين جدران عيادته فقط.
لكن هناك من الأطباء ويشهد لهم دورهم الثقافي والسياسي بذلك، حاولوا ونجحوا في تسلق جدران العيادة والهروب من قيود موروث المحتل ليعلنوا أن لهم دورا في حياة الناس بخلاف الطب كما كان أسلافهم من المصريون القدماء، دورا صحيا وتوعويا وسياسيا، يؤيدهم علاقاتهم المحورية بين الفرعون وبين الجماهير.
عندما تراه يشرح لك علاقة الطب بآلام وجراح الناس تظنه لا يعرف سواها، وعندما يحدثك عن التاريخ المصري المحض تظنه متعصبا لمصريته، وعندما يحدثك عن الإنسانية في الأديان تشعر وكأنك في حضرة متصوف عقلاني، ولكن عندما تراه يشرح لك ما خطته أزاميل الحفار المصري على جدران المعابد، تدرك على الفور أنه الطبيب الممتد بسلالته عبر التاريخ ليعلن أن الطبيب المصري ودوره في التوعية وإشاعة الوعي بكل مكونات الشخصية المصرية، باقا ولم يمت ولن يستطيع أحد أن يلغي دوره.
الدكتور " ممدوح الكرماني" نموذج حي للطبيب الناجح لدرجة الأستاذية في عمله، وأستاذ ماهر في جسر الهوة بين الأجيال شارحا وناشرا للوعي بكل أشكاله، ومنظما لرحلات للأماكن الأثرية على إختلاف أشكالها، فرعونيه وقبطية وإسلامية، وهو كاتب وأديب تشعرك كلماته وصياغاته بأنك أمام حالة إنسانية متكاملة.
حتى أنك عندما تراه أمام هرم " زوسر" يشرح ويفند ويحلل وكأنه مرشد سياحي عتيد، تظنه مجسدا لشخصية " حسي رع" أو " ممدوح رع" ( طبقا لترجمة الإسم) طبيب الملك زوسر وأول طبيب مصري في التاريخ، وكأنما أستحضرت أرواح القديم في الحديث لتشير إلى أن دور الطب والجراحة ممتد إلى حركة الوعي بكل جوانبه، ولا يقدر على هذا الدور إلا من يستطيع أن يستحضر مكنون الشخصية المصرية بثراءها متخلصا من موروث ثقافة المحتل.
تحية إحترام للأستاذ دكتور ممدوح الكرماني على ما يقوم به من نشر الوعي بالحضارة المصرية بكل مكوناتها قديما وحديثا. الممدوح قديما وحديثا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه