الخميس، 24 أكتوبر 2024

كيف وصلنا إلى هذة المرحلة !! هل ما زال للزمار دورا ؟!!


 


 
بقلم ياسر رافع 


كل ما حولنا يتساقط كأحجار الدومينو ، الأفكار والمعتقدات ، كل شئ بلا إستثناء أصبح عرضه للكسر والتحطيم ، حتى أصبحنا لا نثق فى شئ ، وتساقطت الأحلام على الأرض متحطمه كقطع الزجاج الحادة الحواف ، تجرح كل من يتجرأ على تبيان وتفسير ما حدث .
لماذا وصلنا إلى تلك المرحلة من الهوان والإنكسار الحضارى فى أسرع مدة زمنية عدت ببضع عشرات من السنين  فقط ، وهو أسرع إنحدار وصلنا له فى فترة زمنية مماثله سابقه لها فى التاريخ ؟
ما هو السبب ؟!!
.........................................................................................................
فى مقال للكاتب الراحل " محمد حسنين هيكل " فى مجلة " وجهة نظر" ، طرح تصورا لما يمكن أن تكون إجابه لما وصلنا له من إنحدار ، وقد حصره فى مصطلح أسماه " القشط والإزاحه " ، وهو مصطلح فى ظنى قد أجاب عن إشكالية كبيرة تمثل عقدة مصرية اصيله فى فلسفة الحكم ، حيث إتسمت كل مرحلة حكم فى مصر بما يشبه المفاصله عما قبلها عبر ممارسة عملية إزاحه لرموزالفكر ومفكرين المرحلة التى سبقتها إرتضاءا أو جبرا عبرعملية قشط قسرية . والمتبقي هم من القادرين على ممارسه دور بأفكار الحكم الجديد .
وقد مارس كل حاكم مصرى تلك العملية .
 ففى بداية العصر الجمهورى 1952 حدثت عملية قشط وإزاحه لكل ما يمت بصله للعهد الملكى تحت تصور بناء النظام الجمهورى الحديث ، وتم له ما أراد ولكن وفق تصوراته الخاصة .
ولكن ما أن إنتهى عصر الرئيس " جمال عبد الناصر " قام الرئيس " أنور السادات " بعملية قشط وإزاحه لعصر " عبد الناصر" ، تحت تصور بناء شرعية جديدة لحكمه بعد إنتصار أكتوبر 1973 . ولكن مع طلقات الرصاص التى إغتالته  ومع تولى نظام الرئيس " مبارك " الحكم حدثت أكبرعملية قشط وإزاحة لكل ما يمت للفكر والحضارة بصله أوصلت البلاد إلى ما يشبه الموات وعدم اليقين بوجود المستقبل مع إنهيار التعليم .
وهو ما جعل من ثورة 25 يناير خاليه من الدسم ، خاليه من الأفكار والمفكرين ، وغلب عليها بقايا فتات أفكار من نتاج عمليات القشط والإزاحه التى مورست على الأفكار والمفكرين طيلة سبعة عقود ماضيه عليها.
بعدما أصبح معروفا لكل من يحاول أن يوقف عملية القشط والإزاحه وبناء نمط تفكير وصناعة أفكار جديدة أن يكون عقابه على شاكلة " سرير بروكست " ، تلك الميثيولوجيا اليونانية السوداء التى تحكي عن بروكست قاطع الطريق الذى لديه سريرين يفرشهما على قارعة الطريق ، واحد على مقاسه ينام عليه ، والأخر للضحية التى يقتلها ، وعندما كان يمر أحد الضحايا فى الطريق يطلب منه أن ينام على السرير ، فإذا كان الضحية طويلا عن السرير قطع أوصاله ليناسب السرير ، والعكس مع القصير فيقوم مط جسم الضحية ، ولكن بمرور الأيام أصبح مهووسا بفكرة بتقطيع الأوصال بما يناسب سريره ، وأصبح بروكست نموذجا للمعد سلفا من قبل الأقوى للسيطرة على الضعيف .
هل بروكست بنموذجه الدموى هو ما تم تنفيذه وهو ما أوصلنا إلى تلك المرحلة ؟
..............................................................................................
فى إحدى المدن الألمانية  قديما كانت الفئران مشكلة كبيرة جدا تؤرق الناس حتى أصبحوا يخافون على حياتهم بسببها ، هنا وضع عمدة المدينة مكافأة كبيرة لمن يخلصهم من تلك الأزمة الوجودية . وفى أحد الأيام دخل المدينة رجل زمار يرتدى ثيابا مزركشه وعرف بقصة الفئران ، فعرض على عمدة المدينة أن يخلصهم من الفئران  فأجابه لمطلبه !! ، وفى ثانى يوم سمع سكان المدينة صوت لحن مزمار جميل فخرجوا ليستطلعوا الأمر فوجدوا الزمار يلحن بمزماره فى الطريق ووجدوا كل فئران المدينه تخرج من جحورها وتمشى خلفه فى مشهد مهيب ، وسار فى طرقات المدينه حتى وصل إلى حافة النهر فإذا بالفئران تقفز إلى الماء وتموت غرقا وسط تعجب أهل المدينة . وهكذا تخلصت المدينة من مشكلة الفئران للأبد ، ولكن الزمار لم يأخذ مكافآته بسبب إتهام أهل المدينة له بالسحر .
وكانت تلك القصة هى لب كتاب " من الذى دفع للزمار – الحرب الباردة الثقافية " للمؤلفه " فرانسيس ستونر سوندرز " ، حيث ترصد فى سرد شيق وقائع وأسرار عن قيام المخابرات المركزية الأمريكية بإنشاء " منظمة الحرية الثقافية الأمريكية " عقب الحرب العالمية الثانية من أجل مكافحة الشيوعية ، وتطورالأمر من أجل الهيمنه الثقافية على شعوب العالم ، عبر إنشاء المجلات والإذاعات والجرائد وتمويلها من وراء الستار ، وقد إستخدمت فكرة الزمار الألمانى القديمه ، وجندت كتابا كبارا مثل " أرثر ميللر " و " جورج أوريل "_ صاحب روايتى " مزرعة الحيوان " و " 1984 " اللتان تدخلت وكالة المخابرات الأمريكية بتعديلات عليها بل وتحويلها إلى أفلام للكبار والصغار _ ليكونوا زمارين لجذب الجماهير حول العالم حول الثقافة الأمريكية بعيدا عن الشيوعية والتبشير بالنموذج الأمريكى ، وكذلك جندت زمارين عن طريق غير مباشر لا يعلمون أنهم تحت التجنيد طبقا لإحدى التوجيهات السرية ، حيث يعتقدون بأن ما يقومون به هو لإقتناعهم الشخصى بأن كل ما تقوم به الحكومة الأمريكية صحيح .
وكانت طريقة عمل " الزمار " هى عبر الإنتصار لمفهوم " الحقيقة والتمييز " التى توصل الناس إلى أن افكار واشنطن هى الحقيقة ، عبر عملية تزييف الوعى الإجتماعى للناس حول العالم وهو ما يسهل عملية التمييز التى حتما ستصب فى إتجاة الثقافة الأمريكية ، كل هذا عبر إستخدام الدعاية الزائفة ضد ما يناقض الثقافة الأمريكية وحتى يبقى الجمهور قطيعا حائرة مذهوله بإستمرار
هل ما زال للزمار دورا وتأثيرا حول العالم ؟!
................................................................................
مع سيادة نموذج " القشط والإزاحة " فى العقلية المصرية إلا أن هذا النموذج لم يكن ليسود ويأتى بالنتائج المرجوة حتى مع إستخدام العنف ، لهذا فإنه تاثر بفكرة " الحقيقة والتمييز " التى كانت قائمة على مهاجمة الأفكار المعادية بطريقة مبتكرة ، ألا وهى مهاجمتها عن طريق تفريغها من مضمونها وإيجاد بديل من داخل سياقها والدعاية له عبر " الزمار" الذى يقوم بدوره الكاتب الجاسوس ، أو الكاتب المجند من أجل الدعايه  المباشرة وغير المباشرة له .
يلاحظ هذا فى الدعاية لفكرة الناصرية ، وهى فكرة منقحة للإشتراكية بعيدا عن الشيوعية التى يراها النظام الناصرى لا تناسبه فى مواجهة الشيوعية وبعيدا عن الغرب. وكذلك فكرة الدعاية لدولة العلم والإيمان للرئيس " السادات " فى مواجهة أعداءه من التيار الناصرى واليسارى ، وقد إستخدم كلا النظامين وسائل الدعاية لجذب الوعى الشعبى ناحيتهما من أجل تثبيت أركان حكمهما ، وذلك عبر تجييش الكتاب والمفكريين للقيام بدور الزمار الألمانى لطرد ومهاجمة أعدائهما ، مما يجعل من عملية القشط والأزاحة وكذلك الحقيقة والتمييز أن تؤدى إلى النتيجة التى يرجوها النظامان الا وهى التخلص من الكتاب والمفكرين الغير موالين وجعل الحقيقة والتمييز فى وجه الجماهير هى الولاء للنظام السياسى .
هل تبقى من هذا النظام القديم ما يوحى بوجوده إلى الأن ؟!
................................................................................
مع تراجع دور وسائل الدعاية التقليدية كالتلفزيون والجريدة والكتاب ، ومع تطورالتكنولوجيا وظهور السوشيال ميديا وسيطرتها على الفضاء العالمى ودخول الذكاء الإصطناعى كمولد للأفكار ، أصبح دور الزمار أو الكاتب الجاسوس دورا هامشيا من الماضى ، وأصبحت طريقة محاصرة الأفكار بتفريغها من مضمونها من الماضى مع سقوط كل الأفكار وسيادة النموذج الليبرالى الأمريكى .
وأصبحت أدوات الدول للسيطرة ، لا تمرعبر القشط والإزاحة أو الحقيقة والتمييز بالوسائل القديمة ، بل عن طريق السيطرة على ادوات التكنولوجيا والتحكم فيما يقال وما ينشر بكبسة زرعلى الكمبيوتر ، بل تستطيع أن تحدد إتجاهات الرأى العام دون أن تبذل مجهودا كبيرا ، وأصبح النموذج الأمريكى للسيطرة عبر التكنولوجيا هو المفضل لكل الدول حيث يوفر لهم كثيرا من المال والمجهود للسيطرة ، وتحول الزمار من كاتب جاسوس أو كاتب مجند بغيرعلم إلى هاشتاج أو صور وأخبار تتداولها جيوش إلكترونية تديرها تلك الدول . ولم تعد الثقافة والأفكار هى الهاجس الذى يؤرق تلك الدول فى تلك الأيام الكالحة.
ماذا عن مصر ؟!
.....................................................................
مصر ، بعد ثورة 25 يناير2011 وما تلاها فى 30 يونيو 2013 ، مع تقادم سياسة القشط والإزاحة على الطريقة المصرية ، والحقيقة والتمييز على الطريقة الأمريكية ، ووسط سيادة النموذج التكنولوجى الأمريكى ، أعتقد أن مصر أصبحت مفرغه بالكامل من الأفكار أو بمعنى أدق ليست راغبه فى إحياء أو إبتكار أفكار جديدة للمستقبل ، وأنها أصبحت تعانى بشدة مما حصل لها من سياسات فكرية سابقة تقوم على القشط والإزاحة للأفكار والمفكرين وصولا لفكرة الكاتب المدجن ، وأصبحت كسفينة وسط محيط هادر من التكنولوجيا لا تستطيع أن تتفادى موجاته العاتيه ، فما بالك من سيطرته على شعبها من خارج حدودها .
لهذا على مصر إذا أرادت أن يكون لها مكان فى المستقبل فعليها إنتاج أفكار جديدة للمستقبل وتجييش الكتاب والمفكرين من بقايا الزمن والحاضر من أجل بناء نموذج فكرى يحافظ على الهوية ، والتخلص نهائيا من فكرة القشط والإزاحة وإعطاء الحرية لأبناءها للتعبيرعن أنفسهم ، وكذلك التخلص من الكاتب الجاسوس أو الزمار لتمرير فكرة الحقيقة والتمييز على الطريقة الأمريكية من أجل تداول حر للأفكار من أجل المستقبل .
هل يحدث ما أتمنى ؟
ممكن !!!
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...