بقلم ياسر رافع
ما زال يحكمنا إرث نبش القبور والبحث في أضابير التاريخ عن خطايا البشر لإثبات اللاشئ واللاضروري لتغيير الحاضر من أجل المستقبل. كما فعل خلفاء الدولة العباسية عندما إنتصروا على خلفاء دولة بني أمية، حيث أخرجوا جثث هؤلاء الخلفاء الموتى وأشبعوها ضربا بالسياط والحرق إنتقاما منهم ومن تاريخهم كله. لكن هذا لم يغير من الحقيقة شيئا، وهو أن دولة بني أمية قد زالت بالفعل ولن يجدي نفعا نبش القبور وإخراج الجثث للإنتقام وتصفية الحسابات إلا أنها رسخت مفهوم الخصومة مع التاريخ ونكران ما تم خيرا أم شرا وهو ما ولد عداوة تاريخية لا زلنا نرفل فيها إلى الآن.
..........................
لهذا عندما تحل ذكرى وفاة الرئيس الراحل " جمال عبد الناصر" السنوية نجد حفاروا ونباشوا القبور يظهرون ويخرجون جثته ويضربونها ويحرقونها بسياط الألسنه والتعليقات الجارحة والسباب، حتى ما أن تمر الذكرى حتى يعاد الجسد إلى القبر مرة أخرى على وعد بإخراجه في العام القادم، متناسين أن الرجل قد مات وماتت تجربته عندما خرجت جنازته الرسمية في العام 1970 بل نتجاوز هذا التاريخ قليلا ونرجع إلى الوراء قليلا في العام 1967 حيث هزيمة 5 يونيو والذي إنهارت فيه دولة يوليو 1952 بكل إنجازاتها وإنكساراتها ودخل بعدها زعيمها في طريق المرض والوفاة حتى الإعلان الرسمي بعدها بثلاث سنوات.
...................
على ماذا يبحث نباشوا القبور في قبر عبد الناصر؟
هل تبحثون عن جثة طازجه؟ أم تاريخ يصلح للحكم به على الواقع وتبرير ما يحدث لكم في الحاضر ؟
عبد الناصر مات فإذا كنتم تبحثون عن جلد للذات وجلد للتاريخ فلكم ما شئتم ولكن الوطن حي لن يموت ويتوقف عند ذكرى إنسان مهما كانت مكانته ولكن أنتم حتما خاسرون معركة الحاضر والمستقبل وسيتبقي لكم فقط ذكرى عاشَورائيه للطم وشق الجيوب وهذا لن يحيي الميت ولا سيصحح تاريخه.
عبد الناصر.. مات وماتت دولته ولم يبقى من أثرها شيئا، لا إشتراكيته ولا نظامه الإجتماعى.. مات بإنجازاته الكبرى وإخفاقاته الكبرى. ولا حتى نظامه السياسي بكل المآخذ عليه.. حتى أن أكثر من 90٪ من الشعب ولدوا بعد مماته وتفتح وعيهم على شكل دولة آخر وأصبح ناصر مجرد تاريخ يقرأ ويناقش ويختلف عليه شأنه مثل كل الزعماء والرؤساء والملوك الذين كانوا قبله في التاريخ..
.................
في إحدى دول شرق آسيا توجد إحدى الفئات العرقية تقوم بإخراج جثث موتاهم من الأجداد والآباء ثم يقومون بتزيينها والإحتفال بها أمام الأولاد والأحفاد إيمانا بفضلهم ثم يعيدون دفنها مرة أخرى بعدما وصلت الرسالة للجيل الجديد. وهي أن العرفان بالجميل والتصالح مع التاريخ هو شئ مهم جدا من أجل مستقبل الأجيال القادمة.
إختلفت طريقة التعامل مع نبش القبور ذما وقدحا بين البشر ولكن فكرة التعامل مع شخوص التاريخ تظل مرفوضه لأنها منافيه للعقل والمستقبل
........................
لهذا تعالوا جميعا نتخلى عن نبش القبور على طريقة الدولة العباسية التي تحمل معنى الخصومة مع تاريخ الأموات، وكذلك نتخلى عن نبش القبور على طريقة شرق آسيا حتى ولو فيها العظة إحتراما لقدسية الموت والموتي، ولنأخذ مسار المستقبل الذى نتخلى فيه عن الخصومة التاريخية مع شخص أو حدث لم يبقى منه تاريخيا إلا ذكره في الكتب. ثم نحاول أن نتخلص من عقلية نباشوا القبور خصومة أو مدحا ونتعامل مع أدوات العلم في تحليل التاريخ وأخذ العبر بما يفيد الحاضر وصولا للمستقبل من أجل أجيال تريده ولا تريد أن تعيش في عقلية الماضي وتتحمل نتائج تاريخ لم تراه ولم تشارك في صنعه من الأساس.
...............................
عبد الناصر مات وماتت تجربته وبقيت فقط ذكراه يا نباشوا القبور
.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه