الأحد، 23 أبريل 2023

رؤية مصرية لأزمة السودان .. دولة واحدة ونظامين عسكريين !!



بقلم ياسر رافع


لم يكن مشهد الضباط والجنود المصريين وهم مأسورين على يد ميليشيات الدعم السريع السودانية ، والتى هاجمت مطار " مروى " السودانى على وقع القتال الدائر بينها وبين الجيش النظامى السودانى ، مشهدا إعتياديا بالنسبة للشارع المصرى الذى ينظر لقواته المسلحه بنوع من التقدير المتصل بتاريخ عسكرى كبير من الإنتصارات العظيمة ، فقد رأى جنوده مطروحين أرضا يقوم بعض افراد تلك الميليشيات بسبهم والإحتكاك بهم ، وهو الأمر الذى أثار شحنه عارمه من الغضب ! وأسئلة كثيرة حول طبيعة تواجد القوات المصرية فى السودان !
وهل لتلك القوات علاقة بالصراع الدائر بين الجيش السودانى وميليشيات الدعم السريع ! وهل مصر تساند طرفا على حساب طرف فى تلك الأزمة ؟!

أسئلة لم تدم لساعات حتى خرجت مصر الرسمية لتعلن عن آسفها لما حدث لقواتها والتى تقوم بمهام روتينية فى إطار تعاون مسبق مع الجيش السودانى ، وأن مصر ليس لديها آى علاقة بالصراع على السلطة الدائر بين الجيش والدعم السريع ، وآن على قوات الدعم السريع تأمين سلامة قواتها وضمان عودتهم مرة آخرى إلى مصر سالمين . وجاءت تلك التصريحات على لسان رأس السلطة فى مصر أثناء إجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية برئاسة الرئيس " عبد الفتاح السيسى " .
وعلى الرغم من التهدئه الضمنية التى أوصلتها القيادة المصرية للشعب على سلامة موقفها من الصراع الداخلى السودانى ، وكذلك التأكيد على سلامة وعودة القوات المصرية من السودان _ وهو ما حدث بالفعل_ إلا أن التساؤلات ظلت محبوسة داخل الصدور حول طبيعة الدور المصرى فى السودان فيما هو قادم خصوصا مع إحتدام المعارك هناك ، وأصبح بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة محتاج لتفسير حول دور مصر فى حال تحولت الأزمة فى السودان لحرب آهلية ، هل تظل بعيدة عن ذلك الصراع ! أم ستتدخل لحماية آمنها ! ومع من ستقف الجيش السودانى أم ميليشيا الدعم السريع ؟ وهل كانت هناك إشارات لذلك الصراع ؟
...........................................................................................
فى العام 1979 وفى أعقاب الثورة الإسلامية فى إيران قام الحكام الجدد " الملالى " بتأسيس ميليشيا الحرس الثورى بجانب الجيش الإيرانى الذى عزل وحوكم معظم قوادة بعد الثورة بسبب إنتماءاتهم لنظام الشاة البائد ، وكان سبب تكوين قوات الحرس الثورى هو حماية النظام الثورى من أعداءة ويكون بجانب قوات الجيش المعاد تنظيمه قوة لا يستهان بها فى الإقليم .
لكن بمرور السنوات كبرت وتوحشت قوات الحرس الثورى حيث أصبحت أقوى تسليحا وعتادا من الجيش ، بل وتمتعت بإمبراطورية مالية وسياسية كبيرة مما جعل أى تغيير فى رأس السلطة فى إيران يمر عبر موافقة تلك القوات والتى يرأسها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ، وأمتد تأثيرها من الداخل الإيرانى إلى كامل الإقليم وأصبح ظهور إسم تلك القوات أو إنخراطها فى أي نزاع إقليمى مثار خشية من طبيعتها العسكرية والأيديولوجية . وتشعبت علاقاتها الدولية وكذلك تحالفاتها.
وهكذا كانت الإشارة الأولى لمصر التى فوجئت بدولة ونظامين عسكريين ، وعلى ما بدا من سياق الأحداث فإن مصر تعاملت مع الوضع بالطريقة التقليدية فى إطار العلاقات العربية الإيرانية سياسيا ، وليس من منطق طبيعة إنشقاق القوة العسكرية الإيرانية ومدى تأثيرة مستقبلا على المنطقة .
فهل تكررت الإشارات ؟!
..............................................................................
من رحم الحرب الأهلية اللبنانية وبعد الإجتياح الإسرائيلى للجنوب اللبنانى 1982 ، تأسس فى لبنان " حزب الله " فى العام 1982 ليؤسس كيانا سياسيا وإجتماعيا يدافع به عن الطائفة الشيعية فى الجنوب اللبنانى ، وليؤسس لشرعية جديدة فى تكوين فسيفساء الجدار السياسى اللبنانى ، ولكنه حدد أيديولوجيته قائلا " مشروعنا الذى لا خيار لنا أن نتبنى غيره ، كوننا مؤمنين ، هو مشروع دولة إسلامية وحكم الإسلام ، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التى يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولى الفقيه الإمام الخومينى " .
وهكذا حددت عوامل الحرب الأهلية والإجتياح الإسرائيلى والطبيعة الإيديولوجية  ، طبيعة حركة الحزب وفلسفته فيما هوا قادم ، الذى ما أن إنتهت الحرب الأهلية 1990 حتى أصبح الحزب بمرور السنوات الأكثر تسليحا وعتادا بل الأكثر تاثيرا فى السياسية اللبنانية التى أصبح جيشها الرسمي كيانا لا يذكر أمام تسليح قوات ميليشيات حزب الله الأكثر تدريبا وتسليحا ، بل أصبح للحزب تمثيلا دوليا يتمتع بشرعية القوة على الأرض فى لبنان لدى كثير من الدول وأهمها بالطبع الدولة افسلامية فى إيران .
وكانت تلك الإشارة الثانية أمام القيادة المصرية لظهور قوة عسكرية برأسين ولكن فى بلد عربى ، ولكن هذة المرة إنتبهت مصر لطبيعة القوة العسكرية الناشئة ، ولكن كان التعامل معها وفق رؤية مشتركة مع دول الخليج وخاصة السعودية وهو ما ثبت فشله بعد ذلك .
هل إنتهت الإشارات ؟
..............................................................................
أدى سقوط نظام الرئيس " صدام حسين " على يد القوات الأمريكية  فى العام 2003 ، إلى إعادة تشكيل القوى السياسية والعسكرية ، ولظروف الإحتلال الأمريكى وتسريح قوات الجيش العراقى القديم ثم إعادة تشكيله مرة آخرى ، ظهرت قوة " داعش " التى إجتاحت العراق ولم يستطع الجيش العراقى صدها ولا الوقوف فى وجهها وأحتلت مساحات واسعة من العراق ، وأستباح التنظيم كل شئ ، الأرواح والأجساد ، مما دعا المرجعية الدينية الشيعية فى النجف الأشرف إلى تكوين ميليشيات مسلحة أطلق عليها إسم " الحشد الشعبى " والتى كان لها دور فعال مع الجيش العراقى والقوات الدولية فى القضاء على تنظيم داعش .
ولكن مع القضاء على داعش تحولت قوات الحشد الشعبى الغير رسمية إلى فاعل رئيسى فى الشآن العراقى وبدأت تحدث إحتكاكات ومناوشات بين تلك القوات والمكونات السياسية العراقية ، مما بدأ ينذر بتشكل قوات موازية على نمط الحرس الثورى الإيرانى وهو ما قوبل برد فعل شعبى وإقليمى ودولى رافض لتلك الخطوة ، وهو ما آدى فى النهاية إلى سن قانون وافق عليه البرلمان العراقى بدمج قوات الحشد الشعبى فى الجيش العراقى .
ومع تلك الإشارة الثالثة يبدوا أن مصر إستفاقت وسارعت إلى مساندة الدولة العراقية فى مواجهة قوات الحشد الشعبى ولجمها حتى لا تقع الدولة العراقية فى براثن حرب آهلية ، ومحاولة إحتواء التمدد الإيرانى فى المنطقة والذى تشابكت أذرعه العسكرية  خارج حدوده لتشمل كامل الإقليم فى سوريا واليمن والعراق بل إمتد إلى أرمينيا واوكرانيا . وأصبح الذراع العسكرى خارج المؤسسة العسكرية هو شبه مهيمن على العلاقات الدولية  فى المنطقة .
....................................................................
فى الأزمة السودانية فى دارفور إحتاجت الدولة إلى من يساعد الجيش فى حربه ضد المتمردين من القبائل الإفريقية ، فقامت بتسليح قوات من القبائل العربية بقيادة " محمد حمدان دقلو " الشهير " بحمديتى" وهو رجل غير متعلم إحترف التجارة غير المشروعه عبر الحدود ، ولكنه يتمتع بقدرات تنظيمية هائلة ، مكنته من تكوين ميليشيات عرفت بإسم " الجنجويد " والتى إرتكبت فظائع وجرائم حرب فى دارفور جعلت المجتمع الدولى ينتبه لها ولخطورتها ، ولكن مع إنتهاء الأزمة ظهر إحتياج آخر لتلك الميليشيات ولكن هذة المرة لمساندة رأس السلطة فى الخرطوم ، فالرئيس " عمر البشير " أراد مساندة قوات ولاءها بالكامل له فى وجه بعض جنرالات الجيش السودانى الذين ينتمون أيديولوجيا لجماعة الإخوان المسلمين فى السودان والذى حدث إنفصال بينها وبين الدولة السودانية عقب مساندتها للإنقلاب العسكرى لعمر البشير فى 1989 .
وقام " البشير " بتقنين وضع تلك الميليشيات وآطلق عليها إسم " قوات الدعم السريع " وأطلق يدها فى كل نواحى الحياة وأصبح قائدها بين يوم وليلة من مرتزق ومهرب عبر الحدود وغير متعلم يحمل أرفع رتبة عسكرية فى البلاد وأصبح لقبه " الفريق حمديتى " .
وتمددت تلك الميليشيات تحت مظله قانونية وشرعية وأصبح لها نفوذ سياسى وإقتصادى ضخم دعمه نفوذ إقليمى دولى ، وأصبح الفريق " حمديتى " رقما صعبا فى الصراع الليبيى والصراع اليمنى ، حيث كان المورد الأساسى للمرتزقة لتمويل آلة الحرب فى تلك الدولتين . وهو ما جعله شريكا فى الثروة السودانية وأحتكر مناجم الذهب  وجزء لا يستهان به من النشاط الإقتصادى .
ولكن مع ثورة الشعب السودانى  19 ديسمبر 2018 ضد نظام " عمر البشير " ، سارع كلا من الجيش وقوات ميليشيا الدعم السريع بالتخلى عن البشير وسط هدير الجماهير فى الشارع السودانى وهذا مكنهما من أن يعيدا إمتلاك زمام الأمور ومسك دفة التفاوض مع الكتل السياسية من أجل الوصول لحل سياسي وتشكيل حكومة وإجراء إنتخابات . لكن تحت السطح كان هناك صراع مكتوم بين قوة الجيش النظامية التى ترى الحق فى أن تحكم وتمتلك السلطة ولا تريد أن تنازعها قوة مسلحة آخرى ، وبين قوة الدعم السريع التى أدت الظروف والعلاقات الدولية وإمتلاك الثروة الذهبية بها أن تحاول إقصاء الجيش عن المشهد وصولا لحكم السودان .
وأصبحنا بين يوم وليلة ، فإذا ما كان مكتوما بالأمس قد أصبح اليوم تراشق بالبيانات العسكرية وبكل أنواع الأسلحة فى العاصمة السودانية " الخرطوم " ومناطق أخرى فى السودان .. وتحول النموذج السودانى من أن يكون نموذجا ناجحا كالنموذج الداخلى الإيرانى وأصبح كابوسا لا يقبل القسمه على إثنين .
وهكذا أصبحت الإشارة الرابعة لمصر كابوسا حقيقيا على حدودها ، فالحرب الأهلية آخر ما كانت تتمناه مصر ، وكذلك وجود قوتين عسكريتين تتحكمان فى مفاصل الدولة الإقتصادية والسياسية والعسكرية يجعل من التفاوض المستقبلى معهما أمرا مستحيلا ! وكذلك من الوارد جدا تورط مصر لمساندة أحد الطرفين إذا إستمر أمد الحرب الأهلية حماية لمصالحها المباشرة .
هل هناك حل أمام مصر ؟
.................................................................................
وهكذا إستفاقت مصر على وضع شبه عسكرى موازي على طول الإقليم وعرضه أصبح يشبه فى قوته ورعبه ثعبان " هيدرا " فى الأساطير اليونانية ذا التسع رؤوس ، ومطالب أن تتعامل عسكريا وسياسيا معها بطبيعة الأمر الواقع وهو ما ينشئ أوضاعا جديدة وإستراتيجيات عسكرية تتماشى مع تلك المستجدات ، فرؤوس الهيدرا تتقاطع جميعها مع الأمن القومى المصري ، الحرس الثورى الإيرانى ، حزب الله اللبنانى ، الحوثيون فى اليمن ، تنظيم داعش ، التنظيمات المسلحة الليبية ، ميليشيات الدعم السريع السودانية  . وبما أن زمن البطل الأسطورى " هيراكليس " الذى قتل الهيدرا قد ولى ، فإن مصر عليها أن تتعامل مع رؤوس الهيدرا بحذر كبير عسكريا وسياسيا وربما إقتصاديا . وأن تتعلم الدرس جيدا وأن أى محاولة لتدريب ميليشيات تحت أى مسمى داخل البلاد هو بداية النهاية لتماسك الدولة .
..........................................................................
العالم بدأ يتجه ناحية تجزأة القوة العسكرية ، وأصبح إستخدام المقاولين العسكريين ، كالشركات الأمنية الخاصة للقيام بأدوار الجيوش مثل " بلاك ووتر" الأمريكية ، و" فاجنر" الروسية  ، أمرا مستساغا ومعتادا لدى كثيرمن الدول ، وعلى مصر أن تتعلم فى ضوء الأزمة السودانية أن التعامل مع دولة ونظامين عسكريين أصبح أمرا معتادا ، ليس فى السودان فقط وإنما فى دول أخرى . لذا يجب أن تكون لغة المصالح واحدة مع مراعاة الإنتباة للقوة العسكرية وسلامة الجبهه الداخلية . وخصوصا مع تحذير رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق " إيهود باراك " من تكوين قوات الحرس الوطنى فى إسرائيل كقوة منافسة للجيش ، لأن ذلك قد يؤدى بتلك القوات مستقبلا فى التحكم فى السلاح النووى الإسرائيلى وهو ما لن ترضى عنه القوى الغربية . وهو التحذير الذى جرى التارجع عنه تحت ضغط الجماعات المتطرفة .
....................................................
دولة ونظامين عسكريين .. ومقاولين وشركات أمن .. وحكومات دينية .. واقع إقليمى وعالمى يجب التعامل معه وفق إستراتيجية مصرية محددة الملامح وليس التعامل بالقطعه .


الخميس، 29 ديسمبر 2022

من يفكر بجانب الرئيس ؟!!


 

بقلم / ياسر رافع


هل الديموقراطية الغربية قابلة للتطبيق فى المنطقة العربية ؟

هل الديموقراطية هى الوسيلة الأفضل للتغيير السياسى فى منطقتنا ؟
على ماذا يستند الرئيس أو الحاكم العربى من كتل سياسية أو إجتماعية لتدعيم شرعيته ؟
من يفكر بجانب الرئيس ويعمل على بلورة أفكاره السياسية ؟
كل تلك الأسئلة وغيرها تعتبر من المحرمات فى السياسة العربية ، ولن تجد لها إجابة واضحة المعالم ، وإنما إغراق كامل فى الإتهامات المتبادلة بين طرفين ، طرف يريد ديموقراطية ولا يريد تحمل تبعاتها الممتدة حتى تتجذر فى المجتمع ، وطرف يحكم ولا يريد منافسا محتملا على عرش السلطة .
لماذا وصلنا إلى هذة الحالة ؟!!!
...................................................................
لقد كانت الحرب الروسية الأوكرانية التى ما زالت تدور رحاها حتى الأن ناقوس مهم لفهم حقيقة ما يجرى حولنا بعيدا عن المسلمات والأفكار المعلبة حول الديموقراطية . فمن يتابع الحرب بعيدا عن دخان المعارك وإختلاط الدماء بالحديد ، وعن بيانات الحرب النفسية على جانبى طرفى الحرب ، فسوف يجد أن هناك جانب مهم تسبب فى إندلاع الحرب ألا وهو الصراع المكتوم بين روسيا ومحيطها الأوراسى وبين أمريكا والغرب حول محاولة تسلل الديموقراطية الغربية من الفناء الأمامى للجغرافيا الروسية ، وهو الأمر الذى ترفضه روسيا بشده معتبرة أن الديموقراطية الغربية غير صالحة لها ولمحيطها الجيوسياسى ، وقد عبر الرئيس الروسى " بوتين" فى أكثر من مرة أن الديموقراطية والليبرالية الغربية لم تعد صالحه لهذا الزمن ، ولكن أمريكا وأوروبا أرادوا موقع قدم فى المحيط الروسى فى أوكرانيا عبر صناديق الإنتخابات التى عقدت تحت راية الديموقراطية الغربية وهو ما قبول برفض روسى تمثل بإحتلال شبه جزيرة القرم ، بل وصل فى نهاية الأمر إلى الدخول فى حرب مباشرة وإحتلال أجزاء كبيرة من أوكرانيا التى رأتها روسيا رأس حربه لفرض الديموقراطية الغربية قسرا وتهديد الوجود الروسى .
لماذا تخشى روسيا من الديموقراطية الغربية ! أليست وسيلة ناجحه للتطور وتم تجربتها عبر السنين ونجحت فى بلدان أخرى خارج أوروبا وأمريكا ؟!
.................................................................

لقد إنتهجت روسيا فى عهد الرئيس " بوتين " سياسة عرفت " بالديموقراطية السيادية " وتلك السياسة قائمة على السيادة والتدخل المباشر للدولة فى إدارتها على أساس أن الحقوق الفردية لا يمكن حمايتها إلا عندما تكون الدولة قوية وقادرة على أن تكون فى طليعة المدافعين عن تلك الحقوق ، وذلك من منطق عدم إعتراف روسيا بنجاعة النموذج الغربى الديموقراطى الغربي القائم على الفردية ، أى أننا أمام نموذج روسى تريد روسيا أن تثبت نجاحه فى مواجه النموذج الغربى ، وهو نموذج قائم على حاكم أوتوقراطى سلطوى فى شكل ديموقراطى عبر مؤسسات شكلتها الدوله وتحميها المؤسسه العسكرية ، ووفق أفكار شعبوية قومية تضمن إستمرارية  نهج " بوتين " السلطوى .
لكن بعد خسارة الجيش الروسى لبعض المناطق فى أوكرانيا وإنسحابه منها وخاصة مدينة " خيرسون " خرج علينا الفيلسوف الروسى " أليكسندر دوغين " الذى يعتبر العقل الذى يفكر بجانب " بوتين " بمقال تحت عنوان " أمام بوتين خياران النصر أو القتل " ، أعتبر معبرا عن مأزق الديموقراطية الروسيه الوليدة ، حيث شن فيه تحريضا للرئيس لبذل مزيد من العنف فى أوكرانيا ، حيث وجه فى بدايته نقدا مباشرا للرئيس ومحملا إياه سلسلة الهزائم قائلا " هناك شخص واحد هو المسؤول عن كل ذلك وإلا فما هو معنى الأوتوقراطية التى لدينا ؟ نحن نمنح الحاكم القوة المطلقة لكى ينقذنا ، الشعب والدولة والمجتمع فى اللحظات الحرجه حتى لو كان هذا الحاكم  يحيط نفسه ببطانة سوء شريرة "
" لو لم يتمكن الحاكم الأوتوقراطى من حمايتنا فما هو مصيره ؟ سيكون بكل بساطه مثل مصير ملك الأمطار الأسطورى " يتم قتل الملك المقدس لو لم يسقط المطر فى الوقت المحدد "
" الإستبداد أيضا له جانب سلبى ، الإستحواذ على القوة المطلقة وكامل السلطة لتحقيق نتائج ، ولكن أيضا تحمل كامل المسؤولية بشكل منفرد عند الفشل ،على القائد أن يسأل نفسه ما الذى يريده حقا ؟ "
ومما ذكر يوضح " أليكسندر دوغين " جوهر الديموقراطية السيادية القائمة على الحاكم الفرد السلطوى المدعوم بالقوة المطلقة ، ولكنه أمام حيوية الديموقراطية الغربية فى إتخاذ القرار فى الحرب الروسية الأوكرانية ، نراه يحاول دفع الرئيس" بوتين " نحو تبنى سياسة أكثر تشددا قائلا " الإنتقال الفورى من الديكتاتورية السيادية إلى القيادة العقائدية ، أى تبنى أيديولوجية سياسية واضحة لقيادة الدولة والمجتمع وهو ما كاد أن يفعله القائد ، لكن كالعادة تراجع مرة أخرى حتى ضاعت خيرسون "
هكذا ببساطه تحدث عقل بوتين والمفكر بجانبه عن ديموقراطية روسيه تجنح نحو الديكتاتورية السيادية والتى تعانى مأزق جعلها أكثر تشددا عند مواجهة الديموقراطية الغربية فى الميدان .

هل الديموقراطية الروسية بمأزقها الحالى صالحة للتطبيق فى الدول العربية كحل لهروب الأنظمة العربية من تبعات تطبيق الديموقراطية الغربية على بقاءها فى السلطة ؟
...............................................................
بعد ثورات الربيع العربى فى العام 2011 وما تلاها ، كانت الديموقراطية بمفهومها الغربى حاضرة وسط صيحات الجماهير العربية الثائرة فى الميادين التى تريد تطبيقها لتخلصها من إرث سلطوى إستمر لعشرات السنوات منذ حركات التحررالوطنى أواسط خمسينات القرن العشرين ، لكن مع مرور السنوات تحول ذاك الربيع إلى شتاء قارس تلطخ جليده بدماء الناس فى الشوارع بفعل الحروب الأهلية والصراع على السلطه ، وتراجعت الوتيرة الثورية وأصبح المتاح ليس ديموقراطية غربية وإنما ديموقراطية شبيهه بالنموذج الروسى ، ولكنها لا تكتسب نفس قوة النموذج الروسى لعدة أسباب أهمها عدم تمتعها بالقوة العسكرية الجبارة التى تحميها فى مواجهه القوة الغربية التى تريد تجذير نموذجها فى المنطقة العربية ، وكذلك تراجع قواها الإقتصاديه ودخولها فى مأزق إقتصادى خانق ، وهذا جعل من الديموقراطية بعد الربيع العربى نموذج مشوه ، فالسلطه لا تريد ديموقراطية على النسق الغربى يهدم أسس بقاءها وهيمنتها وعينها فى ذلك على النموذج الروسى الذى يعزز مكانة رأس الدولة ويمنحه سلطات كاملة تجعله يفكر ويحدد سياسة الدولة منفردا مدعوما بكتل سياسية مصطنعة تحميها قوة المؤسسة العسكرية ، وفى الوقت نفسه أيضا لا تستطيع أن تتبنى النموذج الروسى بالكامل خوفا من تبعات العقوبات والحصار الإقتصادى الغربى والأمريكى الذان تقعان ضمن مناطق نفوذه التقليدية .
لهذا نجد شكل ديموقراطى عربى سلطوى وأصبحنا أمام مأزق سياسى كبيرلا يفرز شيئا فى سبيل تطور سياسى محتمل يسايرالواقع ويخاطب المستقبل ، وأصبح غياب الساسه المحترفين وأصحاب الأفكار هو السمه الغالبة على مشهد السياسة العربية أمام تفرد السلطة بكامل المشهد السياسى دون سواها ، بل لم تعطى السلطه العربية أى مساحة ولو بسيطة لأى مفكر سياسى أو فيلسوف ليفكر بجانبها ويبلور لها أفكارها ويخاطب الجماهير تحت راياتها .
فهل نطمح أن نجد بجوار السلطة العربية مفكرا أو صحفيا نابها ليعرفنا ماذا تريد أن تفعله أو تقدمه للواقع الديموقراطى العربى ؟!
.............................................................
أعتقد أن الأنظمة العربية الشمولية تغازل النموذج الديموقراطي الروسى وتريد تطبيقه لأنه يناسب طبيعة التركيبة السياسية فيها ، وهى تحاول جاهدة الإفلات من الضغوط الغربية والأمريكية لتطبيق الديموقراطية الغربية حفاظا على إستقرارها فى السلطة . وأعتقد أيضا أن أمريكا والغرب لن يضغطا كثيرا لتطبيق الديموقراطية الغربية لكنهم فى المقابل لن يسمحا بتطبيق النموذج الديموقراطى الروسى ، وإنما سيرضيان بواقع عربى سلطوى إعتادوا عليه فى التعامل  قبل قيام الربيع العربى من أجل الحفاظ على مكاسبهم السياسية والإقتصادية والعسكرية . لهذا ستبقى كل الأسئلة حول الديموقراطية ومدى تطبيقها وقابليتها فى النمو فى الأرض العربية  !! وكيف يفكر الرئيس فى إدارته للدولة !! وكذلك التعلق بفكرة ظهور مفكر بجانب الرئيس ليوضح ويشرح فلسفة السلطة فى إدارة البلاد !! كل هذة الأسئلة ستظل معلقه تبحث عن إجابه حتى تستقر الدولة على شكل سياسى أو نموذج سياسى يحدد ماهية الحكم وفق إرادتها وحدها بعد غياب كل القوى السياسية عن كامل المشهد السياسى .
وحتى ذلك الحين ، يبقى السؤال الأكثر حيرة فى السياسة العربية ، مع من يفكر الرئيس لإدارة الدولة ؟


الثلاثاء، 1 نوفمبر 2022

مصر فى عين عاصفة الحرب الروسية الأوكرانية


 

بقلم / ياسر رافع

فى بداية الألفية الجديدة ، وعلى قناة الجزيرة القطرية سئل الكاتب الصحفى المصري " محمد حسنين هيكل " على هامش حلقاته الشهيرة بالقناة ، أين يصنع القرار العربى الآن ؟ فأجاب بأن القرار العربى يصنع فى القاهرة ومن داخل القاهرة يصنع من خلال المؤسسة العسكرية ( بإعتبار المؤسسه العسكرية هى اللاعب الرئيسى من خلف الستار فى السياسة المصرية ) .
لهذا وإن كان القرار العربى  يصنع فى القاهرة لسنوات ، فإنه وبعد بداية العشرية الثانية من الألفية الثانية يبدوأ أيضا أن هناك إنكسارات حادة قد حدثت فى السياسة الدولية والإقليمية قد جعلت من صنع القرار فى القاهرة محل شك ، فقد تغيرت معطيات السياسة فى المنطقة مع بداية ثورات الربيع العربى التى خصمت من رصيد السياسة المصرية وحركتها فى كامل الإقليم .
ما الذى حدث ! وما الذى تغير ؟!!
........................................................................................
مع بداية ثورات الربيع العربى تغيرت ملامح الخريطة الجيوسياسية فى المنطقة ، ودخلت القاهرة فى دوامه من الفوضى جعلتها تحاول إعادة ترتيب البيت داخليا مما جعلها تنكفأ على نفسها فى محاولة عدم السقوط فى هاوية الحرب الأهلية التى أصيبت بها بعض الدول العربيه مثل ليبيا وسوريا واليمن ، وهذا مكن بعض دول الجوار الإستراتيجى لمصر مثل تركيا وإيران من لعب أدوار رئيسية فى داخل العمق الإستراتيجى للقاهرة ، وقد حدث ذلك فى التدخل الإيرانى فى الحرب الأهلية اليمينه ، والتدخل التركى فى الحرب الأهلية الليبية ،
ومع ضغوط الأزمة الإقتصادية الطاحنه ، ورغبة القاهرة ونظامها السياسى الجديد بعد 30 يونيو 2013 فى إعادة فرض النظام الداخلى وتعويض ما فقدته من تنمية إقتصادية ، فقد بدا أن ما فقدته نتيجة ثورات الربيع العربى إستراتيجيا صعب تعويضه وسط حالة السيولة التى تجتاح المنطقه والعالم بسهولة ، فقد أصبحت أدوار إيران وتركيا وإسرائيل كلاعبين رئيسيين فى المنطقة واقع يجب التعامل معه وفق آليات ومعطيات جديدة ، تأخذ فى إعتبارها الأوضاع الجيوسياسة الجديدة ، والإقتصادية الناشئة عن التحالفات العربية الإسرائيلية بعد إتفاقات إبراهام الشهيرة .
فهل تسطيع القاهرة تعويض ما فقدته ؟!
....................................................................................
مع إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية سادت حالة من الإستقطاب بين الكتاب والمحللين السياسيين والإستراتيجيين فى مصر ، فقد راح فريق يناصر روسيا التى ساندت القاهرة فى حربها ضد إسرائيل وضد قادة أوكرانيا المدعومين أمريكيا ، وفريق آخر يناصر الموقف الأمريكى الأوروبى من منطق أن روسيا دولة معتدية وأنها السبب فى الكوارث التى حلت فى العالم وساعدت على تفاقم الأزمة الإقتصادية التى تعيشها القاهرة ، وتراشق الطرفين فيما بينهما لإثبات صحة منطقه ، ولكن الفريقين قد أكدا بما لا يدع للشك أنهما ينتميان إلى فترة الحرب الباردة وطريقة تفكيرها والتى تجاوزها الزمن فلم تعد روسيا هى الإتحاد السوفيتى ولا أمريكا أصبحت ترى العالم بنفس منظور الحرب الباردة وخصوصا فيما يتعلق بمصر .
فروسيا غيرت من إستراتيجيتها فى التعامل مع العالم العربى بشكل كلى وجعلت من دول الشرق الأوسط مجال عام لحركتها فى شكل علاقات ثنائية فقط مع أقطابه كما جاء نصا "
 تنوى روسيا تطوير علاقاتها على المستوى الثنائى والإقليمى مع تركيا ومصر والجزائر وإيران والسعودية وسوريا وليبيا وباكستان "
وكذلك تقديم التعامل مع العالم الإسلامى على العمل مع العالم العربى وذلك وفق " وثيقة مفهوم السياسة الخارجية " والتى تم التصديق عليها من الرئيس " بوتين " فى العام 2013 .
وكذلك أمريكا التى وفقا لإستراتيجيتها للقرن الواحد والعشرين ، تريد ترتيبا يضمن مصالحها فى الشرق الأوسط يضمن حصارا لروسيا و الصين ، ولكنها لم تعط أدوارا للدول العربية فى هذا الترتيب ، وإنما بنت تصوراتها للأمن فى الشرق الأوسط على دول الجوار العربى كإيران وتركيا وباكستان وإسرائيل .
لهذا جاء تصويت مصر فى الأمم المتحدة على قرار يدين التدخل العسكرى الروسى فى أوكرانيا نمطيا متماشيا مع " نص " مكتوب فى ميثاق الأمم المتحدة ، ولكنه يعكس حالة عدم اليقين من مساندة روسيا التى تفضل العلاقات الثنائية بعيدا عن لتصورات القاهرة فى كامل قضاياها بإقليم الشرق الأوسط وأفريقيا . وكذلك عدم الإطمئنان لنوايا أمريكا فى المنطقة والتى تملك مفاتيح القوة فيها .
وزادت الحيرة فى القاهرة ، وقد أصبحت سيولة الأحداث والتحالفات تشكل هواجس مفزعه للمستقبل !!
............................................................................
مع تصاعد وتيرة الحرب الروسية الأوكرانية ، وإمتدادها لشهور بعد تقديرات روسية خاطئة لزمن بدايتها وإنتهاءها ، أصبحت القاهرة فى عين العاصفة الناتجة عن تلك الحرب والتى تجتاح العالم أجمع ، وكان تهديد سلاسل الإمداد الإقتصادى العالمى عامل ضغط إقتصادى رهيب زاد من حدة الأزمة الإقتصادية الممتدة منذ سنوات ، حيث تعتمد القاهرة على غالبية إحتياجاتها من الغذاء ومدخلات التصنيع من الخارج وهو الأمر الذى آثرعلى أداءها داخليا وخارجيا .
وكان لدخول تركيا كلاعب إستراتيجى فى الحرب الروسية الأوكرانية وذلك عبر إعتمادها كوسيط له ثقله فى محيطة الجيوسياسى ، وكذلك إشتراكها كلاعب أصبح له ثقل فى سوق السلاح العالمى عبر تنقية الطائرات بدون طيار " البيراقدار " والتى أثبتت فعاليه عالية فى الحرب بجانب أوكرانيا . وكذلك دخول إيران لتعويض خسائر روسيا فى الحرب عبر طائراتها بدون طيار وصواريخها الباليستيه ، وكذلك إسرائيل بجانب أوكرانيا بأسلحتها . وهو الأمر الذى يشى بأن إعتماد قوى من خارج الإطار العربى لتنظيم مسألة الأمن فى الإقليم بات محل لا شك فيه وسيصبح أحد نواتج الحرب الروسية الأوكرانية كمكافاة للأطراف المشاركة فى الحرب .
أضف إلى ذلك ظهور إيران وتركيا وإسرائيل فى أثيوبيا والقرن الأفريقى وفى منطقة الصحراء والساحل والمغرب كلاعبين آساسيين وهو ما يضيف أعباء طويلة الأمد .
فماذا تفعل القاهرة وسط هذة العاصفة ؟!
..............................................................................
لقد كانت الحرب الروسية الأوكرانية بمثابة صاعق كهربائى أصاب القاهرة وشل حركتها فجأة ، فالأزمة الإقتصادية زادت حدتها وهوت بعملتها وزادت من معاناة الشعب الذى تحمل كثيرا ، مما جعلها فى موقف حرج داخليا ، ومساحة كبيرة أعطتها الدول الكبرى المشاركة فى الحرب لدول الإقليم كتركيا وإيران وإسرائيل للعب أدوارا عبر التحالف معها ، وهو ما ينذر بمستقبل جيوسياسى مختلف عما هو الأن .
وأصبح حليف القاهرة فى الخليج هو البطن الرخو فى السياسة المصرية ، فهو ليس مأمون الجانب حيث يغير تحالفاته سريعا ، فهو من عدو لإيران إلى سعى للمصالحة والبحث عن ترتيبات للأمن فى الخليج ، وتركيا تحولت من عدو بعد أحداث الربيع العربى إلى حارث للأمن بقواتها فى الخليج ، وشريك إقتصادى وعسكرى لإسرائيل ، بل ويغازل الصين وروسيا تحسبا لزمن قادم تقل فيه الهيمنه الأمريكيه على المنطقة .
مع ذلك لم تفقد القاهرة بعد أدوات صنع القرار العربى على الرغم من الحديث عن خليج يملك المال ودول إقليمية كبرى تملك القوة والتكنولوجيا وتريد لعب أدوار جيوسياسية وهذا حقها ، فلا زالت تملك أدوات التأثير فعلى الرغم من الغياب السياسى خلف ضبابية المشهد وتشابك المصالح ، فلا زالت المؤسسة العسكرية المصرية قادرة على تغيير معادلات السياسة والقوة ، بشرط أن تتجاوز مصر أزمتها الإقتصادية .
ويجب أيضا أن لا تجلس القاهرة مكتوفة الأيدى داخل حدودها إنتظارا لمرور عاصفة الحرب الروسية الأوكرانية ، فكل دول المنطقة بلا إستثناء بدأت تحدد مع من تكون ! ومع من سيكون شكل المستقبل !

لقد خصمت الحرب الروسية الأوكرانية من رصيد القاهرة الجيوسياسى ، وهذا صعب تعويضه حاليا إلا إذا حددت القاهرة موقفها الإستراتيجي من العلاقات مع روسيا وأمريكا وقوة المستقبل الصين ، وكذلك رؤيتها وموقفها من إيران وتركيا وإسرائل ، وذلك وفق رؤية القاهرة لحجمها وتأثيرها فى محيطها الجيوسياسى والإستراتيجى .
وإلى أن تهدأ العاصفة ، فالقاهرة تستطيع أن تتجاوزها ولكن بأى تصور للمستقبل ؟ هذا مرهون بما تملية السياسه على قادتها .

الأربعاء، 5 أكتوبر 2022

لا ترقصوا علي جثث الشهداء


 


 ياسر رافع 

من أسوأ التقاليد السياسية التي ترسخت في وجدان العرب والمسلمين هو ما إبتدعته الخلافة العباسية بعد أن هزمت الخلافة الأموية حيث لم يكتفوا بقتل أمراء وجميع من إنتسب إلى البيت الأموي بل كانوا يخرجون جثث او ما تبقى منها من جثث خلفاء بني أمية السابقين ويقومون بجلدها وتقطيعها وحرقها إنتقاما وتشفيا.

وعلى الرغم من تواري هذا السلوك الهمجي كفعل شائع إلا إنه إنتقل إلى السياسة وأصبح هو السلوك الحاكم على فكرنا، حيث الإنتصار للماضى ولإفكار بعينها حتى ولو إنتهكنا حرمات الموتى في القبور. وأصبح معيارنا الذي لا يحيد عنه أصحاب الأفكار المختلفه هو القاعدة الفقهية " من إنكر شيئا معلوما في الدين بالضرورة فهو كافر".  فأصبحت الأفكار مقدسات وثوابت لا يمكن الإقتراب أو المساس بها.

وأصبحنا في المناسبات نستدعي فعل إستخراج الجثث لنجلدها ونتراشق بالتكفير. وياليت وقفنا ذلك بل نحاول أن نطمس تاريخا ناصعا مشرفا ونجعل ممن ضحوا بشرف وكأنهم مجرد قتلي لا قيمة لهم.

ما معنى أن يخرج من إختلف مع السادات جثته من القبر ويشيعونها باللعنات ويتمنون فعل العباسيون ويقتحمون قبره ويحرقوا جثته لأنه أنكر مما فعله عبد الناصر وأنكر ماهو معلوم بالضرورة وكفر بالوطنيه بحسب مفهومه . ويتمادون لإنكار نصر أكتوبر وينتقصون منه ويصفونه بالمسرحيه وتناسوا أنهم بذلك ينبشون قبور شهداء فاضت روحهم دفاعا عن الأرض والعرض. شهداء إختارهم الله إلى جواره تكريما وتشريفا لإعلائهم كلمته . وشباب إختلطت دمائهم بالرمال وتقطعت أوصالهم دفاعا عن وطن يجمعنا.

يا أيها الأخ والإبن ويا أيها الحفيد لا تعطي الفرصة لكل من يريد أن يخرج شهيدكم ليرقص على جثته فرحا وشماته في السادات على خلفية الخلاف السياسي. فهذا الشهيد وهذا الشيخ الذي شارك في الحرب هم عنوان شرف هذة الأمة. هم الذين أحرزوا النصر الوحيد لهذة الأمة خلال 182 سنه منذ معاهدة 1840.

يا محترفي نبش القبور وأنصار التكفير الفكرى من أصحاب التيارات السياسية حنانيكم على الأجيال الحالية فهم يريدون قدوة ولا يريدون ماضي لم يشاركوا في صنعه ولا يريدون دفع فواتيرة. وإذا كنتم غير راغبين في عدم الإستماع للنصح. فلا أقل من أن تتركوا جثث شهداء أكتوبر 1973 التي صعدت إلى بارءها وهي مقتنعه أنها إنتصرت للحق وقلدت وطنا إكليل غار النصر. وطوقت أعناق ذويها بمجد وفخر لأجيال متعاقبة. إتركوهم ولا تشوهوهم في عيون الإبن والحفيد

#نصر_أكتوبر_49

#أكتوبر_إرادة_وطن

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

السينما والإستمطار السياسى !!


 

بقلم ياسر رافع 


كثيرا ما تلجأ الدول التى تعانى من شح الأمطار ومصادر المياة إلى عملية تعرف " بالإستمطار" وهى عملية عبارة عن إطلاق مواد كيميائية فى السحاب لتكثيفه ليسقط مطرا عليها حسب الحاجه ، وأصبح الإستمطار حلا للتغلب على مشاكل نقص المياة التى تهدد تلك الدول بالمجاعات والحروب !!

وفى المقابل تستخدم تقنيات تلك العملية أيضا لتبديد الغيوم من أجل السلامه كالذى يحدث فى المطارات ، وهو ما يدفعنا للقول بأن تلك العملية ماهى إلا ترجمة عملية لعملية منظمة تنظيما دقيقا تعطى نتائج عظيمة متوقع حدوثها ، وهو ما يجعلنا نستطيع أن نسقطها على الواقع السياسى لنستطيع فهم بعض ما جرى ويجرى حولنا
فهل يمكن للإستمطار المائى أن يتحول لإستمطار سياسى ؟!!
....................................................................................
فى العام 1919 توجه بضعه أفراد من المصريين إلى دار السفارة الإنجليزية فى القاهرة على رأسهم السياسى " سعد زغلول " وذلك لتقديم طلب للسماح لهم بالتوجه لمؤتمر السلام فى باريس لعرض مطالب مصر بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى 1914، والتى تتضمن إلغاء الحماية البريطانية على مصر وإعلان الدستور ، لكن السفير البريطانى شكك فى شرعيتهم مما جعلهم يجمعون التوكيلات من المصريين لإثبات الشرعية ، ولكن السلطات البريطانية قامت بإعتقالهم ونفيهم إلى جزيرة مالطا على الرغم من محاولات حكومية مصرية للحيلوله دون وقوع ذلك ،الأمر الذى أدى إلى بدأ المظاهرات والإحتجاجات فى القاهرة وكان قوامها من طلبة المدارس الثانوية والعليا ثم تلا ذلك دخول كل طبقات الشعب من كل القطر المصرى تباعا .
مع تراكم سحب الثورة فى كل مكان المحملة بغيوم كثيفة من الغضب لدى كل قطاعات الشعب وخاصة الشباب ،
بدأت أول عملية " إستمطار سياسى" فى مصر الحديثة ، فعلى الرغم من الإفراج عن " سعد زغلول " وسفره إلى باريس إلا أن المؤتمر أيد الحماية البريطانية على مصر ، وهو ما أجج مشاعر المصريين أكثر وأخذت المظاهرات منحى عنيفا وسقط الشهداء والجرحى ! لكن أحدا لم يلتفت إلى السرعة التى إنتشرت بها الثورة فى مجتمع يغلب عليه الجهل والإستكانه ويرزح تحت عبودية ملاك الأراضى من الإقطاعيين ، إنها الدولة العميقة التى رأت مصالحها مع تنامى الغضب ضد المحتل الإنجليزى لهذا ساعد ملاك الأراضى الكبار والقصر الملكى الثورة ودعموها من الخلف لتجميع أكبر قدر من سحب الغضب وذلك لهدفين ،
الأول نيل إستقلالا يمنح الملكية المصرية قبلة الحياة ، والثانى الوقوف ضد دعاوى متنامية لإقامة جمهورية تنهى الملكية وسيطرة ملاك الأراضى . لهذا كانت المساعدة فى تكثيف سحب الثورة لأكثر من سنتين العامل الحاسم لإستمطار سياسى كان من نتائجه تصريح 28 فبراير الذى ينهى الحماية البريطانية على مصر بعد مفاوضات مع القصر وكبار الملاك من الوزراء ، وكذلك السماح بوجود دستور للبلاد " دستور 1923 " ، وبقى أمام الدوله العميقة مهمة تبديد سحب الثورة وعودة الجماهير الغاضبه إلى بيوتها مرة أخرى وهذا كان أمرا سهلا مع قطع الدعم لها ، ومغازلتها بتولية " سعد زغلول " رئاسة الوزراء ، إلا أنه وبعد فترة قصيرة تم التخلص من تلك الوزارة ، بعدها إطمئن أصحاب الإستمطار السياسى أن سحب الثورة تبددت وأن النظام الملكى الجديد أصبح تظله سماء صافية .
وهكذا نجحت أول عملية إستمطار سياسى فى مصر الحديثه ، وعادت الجماهير إلى البيوت مرة أخرى لا تدرى لماذا خرجت ؟ ومن كان يدفعها إلى الأمام ؟ ولماذا إرتفع سقف المطالب ؟ ولماذا لم يتغيرالوضع الإجتماعى والسياسى بالنسبه لهم ؟ ولماذا تم إلغاء دستور 23 أهم منجزات ثورة 1919 ؟
أسئلة ظلت معلقة حتى تجدد المشهد مرة أخرى , ولكن بطريقة أكثر حداثه !!
............................................................................................
فى أخر سنتين من حكم الرئيس السابق " حسنى مبارك " قد بدا أن النظام على وشك السقوط ، بسبب رغبه دولية خارجية رأت فى ذلك النظام أنه لا يلبى طلبات بعينها ، وأصبح الهجوم عليه شبه متواصل عبر كل الوسائل المتاحه لذلك ، ورغبة داخلية محملة بتبعات أزمة إقتصادية كبيرة وبطالة متزايدة ونفوذ لا متناهى لرجال الأعمال الذين تولوا زمام الأمور فى البلاد . ورغبة محمومة من نجل الرئيس وحاشيته لتولى رئاسة الجمهورية خلفا لوالده يقابلها عدم رضا من قبل المؤسسة العسكرية وقطاعات واسعة من الشعب .
ولكن كيف السبيل لإسقاط نظام " مبارك " ؟!
على عكس ثورة 1919 التى نفذت فيها أول عملية إستمطار سياسى ، فقد كانت ثورة 25 يناير 2011 أول ثورة تنفذ فيها عمليتى إستمطار سياسى متناقضتين .. كيف ؟!
إستمطارا سياسيا خارجيا أراد عبر سلسلة من الإجراءات والدعم أن يوفر بيئة حاضنه لكتله شعبية مستغلة العامل الإقتصادى والسياسى المزرى من أجل تجميع سحب الغضب الشعبى وإستمطارها لتهيئة البيئة المناسبة لنظام جديد ومتعاون . وإستمطارا سياسيا داخليا يبدوا أنه وجد الفرصه من أجل التخلص من نظام فقد القدرة على إدراة شؤون البلاد وإستباقا للإستمطار الخارجى وقطع الطريق على من يريد تدشين نظام جديد .
وبقيت الأزمة كيف يتم تجميع سحب الغضب تجاة نظام " مبارك " دون المساس بصلب وقوام الدولة العميقة ، هنا كانت السينما ضمن عوامل كثيرة لتهيئة الجماهير لحدث كبير قادم . فبعد الأزمة الإقتصادية العالمية 2008 ظهر أن نظام " مبارك " غير قادر على الصمود كثيرا وأن سياسات رجال الأعمال تدفع إلى حنق شعبى ، هنا ظهرت السينما لتبرز ما يحدث فى المجتمع ، وخلال الثلاث أعوام السابقة على ثورة 25 يناير ، ظهرت أفلام كانت جريئة فى طرحها على عكس سطوة الأجهزة الأمنية ، ففى العام 2008 ظهرت ثلاثة أفلام الأول وهو " طباخ الرئيس " والذى يظهر رئيس الجمهورية رجلا صالحا مهموما بمصالح بالشعب ولكنه محاصرا بأجهزة فاسدة تحجبه عن الشعب ، والثانى وهو فيلم " حسن ومرقص " وهو يتعرض مباشرة لمدى تغلغل التعصب الدينى فى الشارع المصرى بين المسلمين والمسيحيين والذى أصبح جاهزا للحريق فى أى وقت ، والثالث وهو فيلم " رامى الإعتصامى " الذى يجسد طبيعة الإحتجاجات الشبابيه وكيفية التعامل معها وقدرتها على إجتذاب شرائح مجتمعية معها فى تلك الإحتجاجات وكأنه يشير لما هو قادم .
وفى العام 2009 يبدوا أن جرعة الإستمطار السياسى لتجميع السحب قد زادت وفيها أنتجت السينما فيلمين مهمين جدا ، الأول وهو فيلم " الديكتاتور " الذى يتحدث عن حاكم كهل لديه ولدين فاسدين وشعب ثائر خرج عليه مدعوما من الجيش ويستطيع خلعه ولكن بعد فترة يرجع مرة أخرى للحكم ، والفيلم الثانى " بوبوس " وهو يغوص داخل مجتمع رجال الأعمال بكل فساده المتحالف مع الدولة الأمر الذى جعل من حياة الناس البسطاء صعبه جدا .
وبعد قيام الثورة بستة أشهر عرض فيلم " صرخة نملة " وهو على ما يبدوا واضحا إنتاج سنة 2010 وهو فيلم يحاكم سياسات الخصخصة والفساد على كل المستويات وكذلك يبشر بما وراء الكواليس من محاولة تدشين نوع جديد من الخصخصة الإقتصادية وإستبدالها بتحويل ملكية الشركات الحكومية إلى أسهم متداولة فى البورصة .
وهكذا ساعدت السينما فى أكبر عملية إستمطار سياسى للتخلص من نظام مبارك ، لصالح الإستمطار الداخلى وتفويت الفرصة على الإستمطار الخارجى  ، وأصبح الشعب جاهزا للإستمطار الذى كانت نتائجة واضحة وسقط نظام " مبارك " نتيجة تجمع سحب الغضب  .... ولكن ؟!
......................................................................................
لم يكن سقوط نظام مبارك هو النهايه بل بداية لصدام جديد بين الإستمطار الخارجى والداخلى ، نتج عنه سنوات من العواصف السياسية التى لم تسفرعن شئ سوى الخوف والقلق على مستقبل البلاد ، وأصبح شبح السينما بأفلامها السابقه على الثورة  يطل من جديد ، ويضعنا أمام سيناريو صدام دينى مسيحى مسلم على شاكلة فيلم " حسن ومرقص " ، أوعوده أخرى لنظام مبارك على شاكلة فيلم " الديكتاتور" ، أو عودة لنظام يتبنى أفكار رأسمالية ويحول الشركات الوطنية إلى اسهم فى البورصات العالمية .
لكن فى النهاية نجح الإستمطار السياسى الداخلى فى حسم الأمور لصالحه وكان عليه أن يقوم بعبئ تبديد سحب الإستمطار من الشارع وإرجاع الجماهير مرة أخرى إلى منازلها ، وهو ما حدث !!
وكما ثارت التساؤلات بعد ثورة 1919 ، ثارت أيضا التساؤلات بعد 25 يناير ، لماذا خرجنا ؟ هل كانت لنا مطالب محددة أم أمنيات غير قابله للتحقق ؟ كيف خرجت كل تلك الملايين وكيف إختفت فجأة ؟ من كان يتفاوض مع الدولة التى لم تسقط ؟ وعلى ماذا كان يتفاوض ؟ هل سقطت الجمهورية القديمة أم تم إعادة طلاؤها لتناسب الشكل الجديد ؟ ................ لماذا ! كيف ! أين !
أسئلة حائرة ولن نجد لها إجابه سوى أن ما حدث فى ثورة 1919 وثورة 25 يناير 2011 كان تدشينا وإستخداما جيدا لظاهرة جديدة على السياسة المصرية إسمها " الإستمطار السياسى " القادرة وحدها فى ظل غياب المعارضة القوية والوعى الشعبى على إعادة ترتيب البيت الداخلى والقيام بالمواءمات الخارجية ، وحتى تتضح ملامحها وأدواتها الحقيقية فإن السينما قادرة على قراءة بعض مظاهرها حتى إشعارا آخر
............................................................................

الاثنين، 12 سبتمبر 2022

أزمة المثقفين والحوار الوطنى !! إعادة تدوير للماضى !!


بقلم / ياسر رافع

أين المثقفين ؟ سؤال يشغل الشارع المصرى منذ قيام ثورة 25 يناير2011 وما تلاها فى 30 يونيو2013 وهو سؤال تزداد الحاجه إلى إجابته يوما بعد يوم ، خصوصا وأن معظم المثقفين ثوريتهم سماعيه لم يشاركوا فى صنع ثورة ملهمه قبل ذلك بل تفاجئوا كما تفاجئ الجميع بأن الثورة جاءت من شباب ثارعلى أوضاع عفنه وأراد تغييرها ، بل نستطيع أن نقول أن معظمهم تم صناعتهم فى أزمنه سابقه للتأكيد على شرعية النظم السابقه ، وهذا بالطبع ينسحب على الغالبية العظمى منهم وليس كلهم بطبيعة الأمور .

..................................................................................................

عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة ضباط الجيش ، حدثت أزمة ثقة كبيرة بين المثقفين وضباط الجيش على الرغم من أن المثقفين فى غالبيتهم إستقبلوها بترحاب كبير ورغبة منهم فى إيجاد زمن جديد ، لكن بمرور السنوات زادت الفجوة وهو ما إستدعى أن  يقوم الأستاذ " محمد حسنين هيكل " بكتابة أربع مقالات عن " أزمة المثقفين " فى العام 1961 ( بعد مرور ثمانى سنوات على قيام الثورة ) يشرح ويحلل فيها أسباب الأزمة وشدد فى البداية على " إن التلاقى والإمتزاج بين ما أسميه قوة الدفع الثورى وبين ما يسمونه المثقفين أمر حيوي لتوسيع وتعميق مجرى العمل الثورى إندفاعا إلى إقامة المجتمع الجديد " , وأستمر هيكل شارحا أسباب أزمة المثقفين والتى لخصها فى ثلاثة أزمات رئيسة كالتالى :

" قامت الأزمة الأولى حول المطالبة بعودة الجيش لثكناته فى أعقاب تصدية لتنفيذ ثورة 23 يوليو ،

 وقامت الأزمة الثانية حول المطالبة بعودة الحياة النيابية وبعودة الأحزاب السياسية بإعتبار أن ذلك فى رأى المطالبين به هو اساس الديموقراطية وصورتها التى لا تتغير . وقامت الأزمة الثالثة حول ما أسموه فى ذلك الوقت بالمفاضلة بين أهل الثقة وأهل الخبرة وتركزت هذة الأزمة فى الواقع حول تعيين بعض العسكريين فى عدد من الشركات والهيئات والمؤسسات وفى وظائف يبدو أنها فنية بحتة لا تحتمل غير المتخصصين فى أعمالها  "

لكنه فجأة يشن هجوما خاطفا على المثقفين قائلا " فى هذا كله أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير ، بعضهم بإرتباطاته الطبقية كان يقف فى الصف المعادى للجماهير ، والبعض الأخر بحكم إيثار العالفية على الأقل كان يقنع بالإنزواء ويباشر رعايته لمصالحه الشخصية من غير تعرض غير مأمون العواقب لمجرى الأحداث "

وعلى الرغم من أن الأستاذ " هيكل " لم يكن الأول الذى تحدث عن أزمة المثقفين فقد سبقه إلى ذلك الأستاذ " أحمد بهاء الدين " والأستاذ " لطفى الخولى" وغيرهم إلا أن مقال " هيكل " الأول حول الأزمة قوبل برد فعل هجومى عليه مما دعاه لكتابة ثلاث مقالات أخرى شارحه لموقفه ، عاتبا على المثقفين موقفهم الغير واضح من ثورة 23 يوليو ورغبتهم فى التغيير بضمانات من الجيش دون أى تضحية منهم قائلا " فإن الثورة ليست عملا يمارس تحت ظل الأمان والضمان ، إنما الثورة إندفاع إلى التضحية بدافع الإيمان "

 وعاب عليهم عدم إدراكهم للحظة التغيير قائلا " أفدح منه فى تصورى خطأ المثقفين ، الذين لم يدركوا حتى الأن أن التغيير المحتم الذى لا مفر منه ، ليس هو مجرد تغيير رأس الدولة  وإنما بداية تغيير المجتمع من أساسه " ومضى يقول " ومضى هؤلاء وهؤلاء ينتظرون الأيام لعل الأيام تأتى معها بجديد ، وراحوا فى تبرير الإنتظار يصورون لأنفسهم أنهم قليلى الحيلة على أية حال فى مواجهة القوة القاهرة "

ثم يأتى إلى لب مطلبه من المثقفين بإعتباره متحدثا بإسم السلطة  وشارحا لمفهوم " الوعى" الذى تحدث عنه الرئيس " جمال عبدالناصر" قائلا " ولقد كان الدور الطبيعى الواجب للمثقفين ، ليس مجرد أن يتعاونوا مع الثورة ، وإنما أن يتفاعلوا مع الثورة وأن يتبنوا قضيتها ، أن يأخذوها ، أن يعطوها من فكرهم نظريتها الوطنية ، أن يصوغوا من أعماق ضميرهم وعلمهم عقيدتها الثورية أى طريقها إلى التغيير الأساسى والجذرى للمجتمع المصرى "

..................................................................................................

لم تكن 1961 سنه عادية ، فلم تكن الذكرى الثامنه لقيام الثورة ، ولا الذكرى السادسة لأزمة مارس 1954 الديموقراطية ، ولا هى بالطبع سنة أزمة المثقفين ، ولكنها كانت تمثل حدثا فريدا من نوعه فى مصر الحديثة ، حيث إجتماعات اللجنة التحضيرية " للمؤتمر الوطنى" حيث المناقشات بشأن طبيعة نظام الحكم ، وبناء شرعية جديدة ، وكذلك الشكل الإقتصادى للبلاد ، وقد شارك فى فعالياته كل الأطياف السياسية فيما عدا " أعداء الشعب " . 

وقد إنتهى هذا المؤتمر بعد الأخذ بالمناقشات والتعديلات من خلال اللجان النوعية والقواعد الجماهيرية ، إلى إقرار " ميثاق العمل الوطنى " فى 30 يونيو 1962 ، كوثيقة إسترشادية لطبيعة عمل الدولة خلال عشر سنوات وقد فسر الرئيس " عبد الناصر" ذلك قائلا " بنعمل محاولة ... بنقدم مشروع للميثاق الوطنى بيبقى دليلنا للعمل ، بعد كده كل سنه بنغير ، لأن النظرية أو ميثاق العمل الوطنى لن يكون إلا نتيجة لدراسة مشاكل المجتمع " _ كتاب نداء الشعب تاريخ نقدى للأيدولوجيا الناصرية _

وكان الملفت هو تأطير أوإدماج المثقفين داخل صلب الدولة الجديدة ، وقد إنقسموا لقسمين ، الأول سارع بالإندماج لطبيعته المتعلقه بسلطة الحكم أيا ما كان الحاكم كما كان قبل ثورة 23 يوليو ، والثانى إنضم بعدما تيقن من صدق النوايا أو أن التجربة مع النظام الجديد إن لم تفيد فهى لن تضر حتما .

وأصبح المثقفين السلبيين كما هم ، آثروا السلامه كما فى كل عهد خوفا من دفع فواتير لا يقدرون عليها .

......................................................................................

بعد قيام ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها فى 30 يونيو 2013، قد بدا واضحا أننا نعانى من أزمة مثقفين متجددة ، وأن الثورة فاجأتهم كما فاجأتهم حركة الجيش 1952 ، فهم لم يستطيعوا ملئ الفراغ بين السلطة والجماهير ، ولم يبشروا بثورة ولا أعدوا لها ، وأنهم فى غالبيتهم لم يخرجوا عن الثلاث فئات التى ذكرها " محمد حسنين هيكل " فى مقالات " ازمة المثقفين  " ، حيث فئة مع سلطة الحكم تحافظ على مكتسباتها الطبقية والوظيفية ، وفئة مارست الفعل الحزبى دفاعا عن مكاسب حزبيه ، وفئة ثالثة آثرت البعد عن السياسة وتفضيل العمل فى القطاعين العام والخاص من أجل سلامتها لما فى العمل العام من مشاكل سياسية وأمنية .

لهذا جاءت سنة 2022 ، لتعيد تدوير ما حدث فى العام 1961 بنفس أحداثها ، حيث أزمة مثقفين طاحنه يعيدون نفس مطالبهم القديمة ، حيث مسألة تحكم الجيش فى مفاصل الدولة ، وتنظيم جديد للعملية السياسية والحزبية وفتح المجال للكفاءات بعيدا عن أهل الثقة ، وتصطدمهم إجابة " هيكل " ، " أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير" وأن من ملئ الفراغ السياسى بين السلطه السياسية والجماهير هو الجيش .

وكذلك دعوة رأس السلطه الرئيس " السيسى " لـ " حوار وطنى " للبحث فى شكل الدولة أو الجمهورية الجديدة إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا ، كما فعل الرئيس " عبد الناصر" سابقا . ولكن مشاركة المثقفين تبدو غير واضحة المعالم ، حيث أن المثقفين المتحلقين حول السلطه كانوا بطبيعة الأمور هم الأسبق للمشاركه فى الحوار الوطنى ، وأن المثقفين خارج هذا الحوار كما فى السابق ينتظرون وسوف ينتظرون كما فى السابق ، لأنهم لم يدركوا أن الذى يحدث الأن فيه مفاصله تامه عما سبق ، وأن تعللهم بأن القوة القاهرة للمؤسسات الأمنية يبرر إحجامهم عن المشاركة فى الحوار أو الجرأة فى طرح رؤاهم الخاصه ، وكذلك يعولوا على أن النظام سيعطى لهم ضمانات للعمل وفق نظرتهم للأمور .

لهذا لم تدع الحوادث ولا طبيعة المثقف المصري أية خيارات أمام المثقفين المصريين ، الذين لم يتطوروا خارج حاضنة الدولة المصرية منذ ثورة يوليو1952_ الغالبية العظمى منهم _ ولم يعد لديهم إلا خياران وحيدان ، الأول وهو الإندماج داخل الدولة وفق مخرجات " الحوار الوطنى " كما حدث مع مخرجات " المؤتمر الوطنى " سابقا ، الثانى الحديث عن عمل وطنى موازى لفكر الدولة الجديدة تكون نتيجته الوصول لحالة جديدة ولكن هذا الخيار الثانى يصطدم بطبيعة المثقف المصرى طوال السنوات السابقة التى تفضل إعادة تدوير الماضى على التفكير فى المستقبل وتبعاته ، ما يتبع ذلك من تعلق نظره بالسلطه دائما يراقب حركتها وإيماءاتها وساعتها يحدد حركته الخاصه .

...............................................................................................

يبدو أننا نعيش مرحلة مهمة ، ليس لإن هناك جديد ولكن لأننا نشهد أكبر عملية إعادة تدوير للأفكار بنفس آليات العمل ، وللمصادفة البحته بنفس أطراف الصراع  وإن تغيرت الأسماء ، السلطه التى تمسك بزمام الأمور والتى ملئت فراغ السياسه ، والمثقفين ، والأحزاب السياسة ، وكذلك إستبعاد " أعداء الوطن " ، 

لهذا إذا كان المثقفون المصريون يريدون أن يلحقوا بالمستقبل فعليهم بلورة رؤية واضحة لشكل العلاقة داخل البلاد بين السلطة والجماهير تعبرعن الأمال والطموحات وشكل المستقبل الذى نريده ، وعليهم أن يتركوا ساحات السوشيال ميديا ويلتحموا بالجماهير ، ولا تتعلق آمالهم بضمانات تعطيها لهم السلطه .

وحتى يتحقق ذلك ستظل أزمة المثقفين المصريين " كلاكيت تانى مرة " وحتى إشعارا آخر

الأحد، 4 سبتمبر 2022

المواطن والمجتمع صفر !!

 



بقلم ياسر رافع

هناك أسطورة تحكى عن سيدة إسمها ليدى " جوديفا " عاشت فى أواخر القرن الحادى عشر ، وكانت متزوجة من أمير مقاطعة كوفنترى فى بريطانيا إسمه " ليوفرك إيرل لميرسا " ، فقد قامت تلك السيدة والتى كانت محبوبة من قبل الشعب بالتوسط لدى زوجها الأمير ليخفف الضرائب عن كاهل الناس ، ولكن الأمير لم يستجب لها وتحت إلحاح منها فقد عقد معها إتفاق رأه مستحيل التنفيذ ، وإشترط عليها أنه سيخفف الضرائب عن الناس فى حال أنها خرجت عارية تماما وجابت شوارع المقاطعة . فوافقت السيدة " جوديفا " وركبت حصانها عارية تماما وبشعرها الطويل غطت ما يمكن تغطيته من جسدها ، وفى المقابل ما إن سمع الشعب بذلك الشرط حتى دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم ونوافذهم حتى لا يروا سيدتهم التى ضحت من أجلهم عارية ،

وما أن رجعت السيدة " جوديفا " مرة أخرى إلى القصر حتى طالبت زوجها بالوفاء بوعده بتخفيف الضرائب عن المواطنين ، وهو ما حصل فعلا !!


كان هذا فى العصور الوسطى ما قبل الثورة الصناعية ، حيث الظلم والسلطه المتجبرة على الناس بحكم الشكل الإقتصادى الإقطاعى آنذاك والذى يعتبرالناس عبيدا لدى سيد ومالك الأرض !!!


ولكن مع الثورة الصناعية فى أوخر القرن الثامن عشر تغير كل شئ وأصبح النظام الإقطاعى يتلاشى تدريجيا حتى إنتهى ، وأنتهت معه كل أشكال الظلم الإجتماعى ، وظهرت أفكار وفلسفات جديدة تبشرالناس بزمن جديد من المساواة والعدالة الإجتماعية ، ولكن كانت هناك عوارض إجتماعية بدأت تظهر مع إستبدال قوة العمل الجسدية بالألات ، فبعد أن كانت المصانع والحقول تحتاج لعمالة كثيفة أصبح الإستغناء عن العمالة شكلا معتادا مع التقدم التكنولوجى للآلات .

وهذا ما جعل الكاتب المسرحى الأمريكى " إلمر رايس " يكتب نصا مسرحيا فى بدايات القرن العشرين ، أسماه " آلة الجمع " أو " الألة الحاسبة " ، وفيه يرصد علاقة الإنسان بالألة التى أصبحت تزاحمه قوت يومه وتسيطر على حياته ، من خلال شخوص المسرحية والذى أعطاهم أسماءا رقمية بدلا من أسماءهم البشرية مثل " مستر صفر " و " مستر واحد " وهكذا .

ومن خلال المسرحية  يظهر " مستر صفر " كاتب الحسابات الذى تحمل كل ضغوط المجتمع الصناعى الجديد يمضى ساعات طويلة فى العمل يجمع ويطرح بطريقة روتينية بحته ، وسط حياة روتينية فى بيته وفى الشارع وفى مجتمع ينظر إليه على أنه مهمشا لا قيمة له ، وتمر الأيام والسنوات حتى يقرر مديره فى العمل أن يستغنى عنه ويستبدله بألة حاسبة ، هنا ثار " مستر صفر " الذى تحمل معيشة صفرية فى أدنى السلم الإجتماعى من أجل أن يعيش ويحصل على وظيفة ، وقام بقتل ذلك المدير ، فى رمزية الثورة ضد التهميش والظلم الإجتماعى  ، لكنه لم يعى مدى قدرته على تغيير الواقع  بسبب واقعه الصفرى المنعدم القدرة على التغيير ، لهذا أماته الكاتب فى المسرحية وجعله فى العالم الأخر شخصا آخر يستطيع أن يختار بين أشياء متعددة ، هنا تظهر حالته الصفرية التى ليس لديها القدرة على الإختيار بسبب تفاهتها وإعتيادها على المهانه ، ويشعر بالخوف والرعب فى حال إختار مصيرا جديدا لا يعرف عنه شيئا ، وهنا يقررأن يختارالعودة إلى حياته فى الدنيا التى ثار عليها حتى القتل " صفرا " مهملا لأنه رأى فى حياته السابقة بعض الأمان يجنبه رفاهية الإختيار الذى لا يستطيع تحمل نتائجه .

ومع إشتداد سطوة الرأسمالية وتحولها إلى رأسمالية متوحشة ، ودخول العالم إلى زمن الألة والذكاء الإصطناعى ، زادت أعداد المواطن " مستر صفر " وأصبحت المجتمعات مهدده من قبل سيطرة الرأسمالية وربيبتها الأله ، تهديدا من ثورة " مستر صفر " الذى أصبح مجرد رقم فى مجتمع أصبح مجرد رقم هو الأخرعلى لائحة الرأسمالية العالمية ، ثورة لا تعرف أى معنى غير أنه يريد أن يتخلص من مجتمع كئيب تسيطرعليه المادة ولا يعرف العواطف ولا القيم الإنسانية ،

وأصبح حلم " مستر صفر" الذى يشعر بدونية وضعه الإجتماعى نتيجة رأسمالية مجتمع تحول إلى نسخه حديثة من مجتمع القرون الوسطى الإقطاعى ، أن تعود السيدة " جوديفا " إلى الحياة مرة آخرى لتتعرى للمرة الثانية كشرط لرفع الضغوط والممارسات الغير آدمية للمجتمع الرأسمالى على الغالبية من المجتمع الذى ينحدر نحوالصفرية بسرعه شديدة منذرا بعواقب لا تحمد عقباها ، أو أن يعتاد الناس الصفرية كما إعتادها رعايا القرون الوسطى . 

فهل يستطيع المواطن والمجتمع التخلص من صفريته أمام سطوة الألة فى زمن الرأسمالية المتوحشة والتى حولت العالم والمجتمعات إلى ما يشبه إقطاعيات القرون الوسطى حيث الأغنياء خلف الأسوار بأسماءهم وكنياتهم وبقية المجتمع مجرد أصفار تنتظرأن تتخلص من صفريتها وتعبر الأسوار لتحصل على أسماء وحرية إختيار ! أم ان يعتاد الصفرية كحل تقليدى يعطيه الأمان الوهمى القائم على مفهوم الإستقرار ؟

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...