بقلم / ياسر رافع
كنت
ولا زلت أعتقد أن قراءة التاريخ من زوايا مختلفه تعطى إطلاله حقيقيه عما جرى فى
الماضى تساعدنا على فهم الحقائق بطريقه أكثر عقلانيه بعيدا عن عبقرية القائد
المنتصر وقيادته الحكيمه ، أو إختلاق الأعذار للقائد المنهزم ، وقد يكون كتاب _
دور الصدفه والغباء فى تغيير التاريخ _ للكاتب إريك دورتشميد محاوله جريئه لقراءة
التاريخ بطريقه جديده حيث يتجول بنا عبر التاريخ البشرى صعودا وهبوطا فى محاوله
لقراءة وقائع تاريخيه وحروب عظيمه غيرت مجرى التاريخ وسطر قادتها أسماؤهم بحروف من
نور الإنتصار ، فى حين أنها لم تكن تعدوا أن تكون غباءا وسوء تقدير ممن خاضوا
أمامهم تلك الحروب ، وأن التاريخ سيظل هو الشاهد كم من جيوش جراره هزمت بسبب غباء
وعدم كفاءة قادتها ، فالحرب ليست مجرد مارشات ومجد عسكرى ، إنها رحى حرب يكون
الغباء وسوء التقدير فيها عاملا حاسما للهزيمه .وعند قراءة التاريخ المصرى الحديث
طبقا للصدفه والغباء ، نجد أن أبوابا تفتح على مصراعيها لإستنتاج حقائق جديده ربما
ما زالت وقائعها تجرى إلى الأن على أرض الواقع ..
ففى 14 فبراير 1945 رست المدمره الأمريكيه يو إس كوينسى فى منطقة البحيرات المره
فى قناة السويس ، وعلى متنها الرئيس الأمريكى روزفلت ، والقادم من مؤتمر يالطا
الشهير والذى جرى فيه تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين المنتصرين فى الحرب
العالميه ، والذى جاء يتحسس مناطق نفوذه الجديده ، وقد طلب لقاء الملك السعودى
عبدالعزيز والذى جاء على متن طراد أمريكى من السعوديه ، وكذلك الملك فاروق
والامبراطور الاثيوبى ،
وعلى الرغم مما دار فى اللقاء من الحديث صراحة عن أهميه البترول والممرات المائيه
وتوطين اليهود ، إلا أن العرب تعاملوا مع دار فى اللقاء بخفه تصل إلى حد الغباء
ولم يهتموا به وأعتبروه مجرد لقاء لا يعدوا أن يكون بروتوكوليا ، وربما تصوروا
أنهم قادرون على الفعل على الرغم من إنعدام الوسائل لديهم ، حتى إن الحديث عن التضامن
العربى جرى على هامش اللقاء مع المستعمر الامريكى الجديد للمنطقه ، حيث فوض الملك
عبدالعزيز الملك فاروق بالتوقيع على ميثاق إنشاء الجامعه العربيه نيابة عن
السعوديه .
وإنفض اللقاء وخرج الملك فاروق من اللقاء خالى الوفاض لإنه لم يستطع أن يتعامل مع
الواقع العالمى الجديد بمنطق أن مصر دوله كبيره ، وأكتفى بأن يظهر كتابع دولى ضعيف
عندما إشتكى للرئيس الامريكى من سوء معاملة المندوب السامى البريطانى له كملك .فى
قراءه غبيه للواقع نتجتها فقده لعرشه وليس هيبته فقط .
ورجع الملك عبدالعزيز بتصورات خاطئه عن وعد أمريكى بتحقيق المصالح العربيه
وإستقلال الدول العربيه وعدم توطين اليهود ، وزاد عليه إفراطه فى التفاؤل بإمكانية
التضامن العربى وهو ما تجلى فى مدحه لمصر بعد عودته إلى ميناء جده وفى السرادق
المقام له قال " ليس البيان بمسعف فى وصف ما لاقيته فى مصر ، ولكن إعتزازى بأننى
كنت أشعر بأن جيش مصر العربى هو جيشكم ، وجيشكم هو جيش مصر ، وحضارة مصرهى حضارتكم
، وحضارتكم هى حضارة مصر ، والجيشان والحضارتان جند العرب "
وبعد 70 عاما من لقاء تعامل معه العرب بغباء يصل إلى حد الخطيئه ، وبعد إنتصارات
عظيمه وإنكسارات أفدح رجع العرب إلى ظروف وأوضاع مشابهه لما كانوا عليه وقت لقاء
البحيرات المره من تشرذم ومعاناه من إستقلاليه القرار الوطنى وتهديد يصل ألى حد
التشرذم إلى دويلات على أساس مذهبى .
وللمصادفه حطت طائرة الملك السعودى عبدالله فى مطار القاهرة ، ولظروف صحيه مشابهه
للملك عبدالعزيز فى لقاء البحيرات المره ، صعد الرئيس السيسى للقاء الملك ، كما
صعد فاروق على المدمره الأمريكيه للقاء الملك عبد العزيز . وكعادة العرب تعاملوا
مع اللقاء على إنه بروتوكوليا ، وهنا يكمن الغباء حيث تكمن أهمية هذا اللقاء فى
أنه يأتى فى مرحله مفصليه مشابهه لما حدث فى لقاء الماضى ، فنحن مقبلون على نظام
عالمى جديد وإنسحاب تدريجى للنفوذ الأمريكى ، وللدور المصرى والسعودى أهميه قصوى
فى ترتيبات النظام الإقليمى فى النظام العالمى الجديد .. فهل تتعامل القيادتين
المصريه والسعوديه بذكاء وفطنه تمحو بهما ما علق فى الذاكره من لقاء البحيرات المره
، ويعملا على تسويه النزاعات العربيه وتوحيد الصف ، وقيادة العالم الإسلامى لبلورة
علاقات متوازنه تقوم على النديه لا التبعيه لأحد . مع اقطاب النظام العالمى الجديد
..
وعلى القيادتين أن يعيا جيدا أن الصدفه وأن تحققت فإنها وحدها لا تصنع مستقبلا
واعدا ، وأن ذكاء اتخاذ القرار المناسب هو الذى يصنع المستقبل ولا تتنظروا غباء
الأخرين لتصنعوا نصرا زائفا سرعان ما يتبدد تحت وطأه الخلاف فيما بينكم ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه