الخميس، 25 نوفمبر 2021

الجلد العارى

 




بقلم / ياسر رافع

كثيرا ما إستوقفنى ذلك المشهد البديع الذى ينسلخ فيه الثعبان من جلده القديم معلنا ميلاد جلد جديد ، وهو ما أثار فى نفسى تساؤلات تطال التغيير فى أى زمن ومكان ، حتى إستوقفنى تساؤلا مهما لم أجد له إجابه شافيه ، وأظن أن البشريه لم تحسم أمر الإجابه عليه ، ألا وهو هل تغيير الإنسان لدينه مسأله سهله يمكنه من خلالها أن يبحث عن الحقيقه والصفاء النفسى فى أى دين أو فلسفه يراها مناسبه له ؟
وإستقر فى نفسى أن عدم حسم البشريه للاجابه يكمن فى الدمج بين الدين الذى يمثل الرؤيه التى لا غنى عنها فى العالم والتى تحكم الأفكار الشخصيه والأعمال الحياتيه ، وبين المعتقد الدينى الذى يتصل بالقيم والممارسات التى تنقل من قبل الزعيم الدينى  . وما بين الرؤيه الشامله للدين وبين الممارسه الذاتيه للمعتقد ، والتى تعدى فيها المعتقد حتى أصبح يتكلم بإسم الدين ومحتكرا إياه ، حتى أصبح الحديث عن أى دين سماوى لا يمر إلا من خلال غابه كثيفه من المعتقدات التى تجعل الإنسان أكثر تعصبا إلا فيما ندر .
وليست منطقتنا العربيه مهد الأديان بتنوعها الدينى الثرى وإلتحام ثقافاتها بمنأى عن الصراع بين الدين والمعتقد ، بل هى المنطقه الأكثر تأثرا فى العالم كله وتكتوى بناره ليلا ونهارا ، ولما إشتد الصراع بين أصحاب المعتقدات الدينيه للاستحواذ على الدين أصبح الحديث عن إطار جامع يتبنى رؤيه شامله تصهر الجميع ، محط إهتمام أصحاب الأفكار خارج الاطار الدينى للمعتقد ، ومن هنا ظهرت فكرة القوميه العربيه ، وهى فكره مستمده من أفكار الثوره الصناعيه فى نهايه القرن الثامن عشر فى أوروبا ، وقد رأى فيها القوميون العرب فكره مناسبه حيث إنها تتبنى فكرة الوحده بين الشعوب العربيه فى إطار التاريخ والدين واللغه المشتركه ، ومع صعود موجه مد التحرر الوطنى فى خمسينيات القرن العشرين تبنى حكام الدول العربيه الجدد فى غالبيتهم فكرة الوحده والقوميه العربيه وهم فى سبيلهم فى البحث عن إطار جامع يصهر الخلافات ، وقاموا بإنشاء الجامعه العربيه للالتقاء والمشوره ، وتعددت أنشطه الجامعه العربيه وظهرت إتحادات بين دول الجامعه فى إشاره إلى قرب الحلم وتوحيد الكلمه . لكن ما أصاب الأصل أصاب الفرع فلقد أبتليت فكرة القوميه العربيه بصراع الرؤيه والمعتقد ، وزايد الكل على الفكره بجانب مهاجمتها من أعدائها ، وبعد مرور ما يربوا على السبعين عاما على إنشاء حلم الوحده العربيه فى إطار حلم الوحده الإسلاميه ، أصبح الوطن العربى أكثر قطريه وتشرذم بل وسقطت القوميه العربيه ، وأطل علينا الصراع الأزلى من جديد بين رؤيه الدين الشامله وبين ممارسه المعتقد ، والذى أورثنا صراعا لا ينتهى ، ليس فقط بين أتباع الدين الواحد بل بين أتباع الديانات الأخرى ، حتى أصبح الحديث عن وجود تعايش سلمى يجمع أصحاب كل الديانات فى وطن واحد ضرب من المستحيل ، وهو ما نلحظه من هجرة أهل البلاد من أصحاب الديانات الأخرى تحت وطأة شدة الصراع بين أصحاب المعتقدات للإستحواذ على الدين وسرقته من سماحته وإلباسه ثوب التعصب الأعمى .
وما بين أصحاب الوحده من خارج الإطار الدينى بمعناه المذهبى وبين أصحاب المعتقدات من أتباع الجماعات والمذاهب تقف جموع العرب والمسلمين وأتباع الديانات الأخرى فى إنتظار سماحه الدين الذى يجمع الكل ، الذى لا يفرق بين عربى أو أعجمى إلا بالتقوى .
وبعد ثورة 25 يناير وموجتها الثوريه 30 يونيو ، يصبح الحديث عن رفع صور أنصار القوميه العربيه وأنصار المعتقدات الدينيه هو ضرب من الجنون ، فقد فشلوا جميعا فى تحقيق ما بشروا به ، ونسوا أن الحضارات بنيت على أساس دينى لا قومى ، دينى بمفهومه الشامل صاحب الرؤيه بعيدا عن التزمت
وليعلم الجميع إنه فى حاله فشل المعتقد بممارساته سواءا الدينيه أو القوميه ، لا يجد الأنسان العادى غيره جلده العارى يحتمى به وهو فى هذه الحاله الدين برؤياه السمحه الشامله ، لذلك فليكن شغلكم الأساسى بلورة أفكار جديده تكون نابعه من حضارتنا العربيه الإسلاميه ، بعيدة عن الأفكار الغربيه ، وكذلك بعيده عن فكرة التعصب الدينى

لا تفلتوا هذه الفرصه من أيديكم فمصير الوطن العربى والإسلامى على المحك ، فالكل يتصارع عليكم ، ولم يبقى غير الجلد العارى فإحموه فهو الملاذ الأخير للعوده مرة أخرى للأمام .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...