السبت، 27 نوفمبر 2021

دولة الدجاج الأبيض

 



بقلم / ياسر رافع

جرت العاده أن اللحوم المذبوحه أمام مشتريها من الفراخ الحيه ، تعد مقياسا وتدليلا على صحه وجوده تلك اللحوم من المنذور الشعبى ، والذى يبعده عن التوجس من كون الفراخ المذبوحه مسبقا غير مذبوحه على الشريعه الدينيه ، وكأنما عملية الذبح والتنظيف والشراء تتم فى مجتمع من القديسين الأطهار . فى هذا الجو المشبع بعمليات الذبح والتنظيف المغلف بجو إيمانى وجدت نفسى وأنا أنتظر تجهيز " الفرخه " المسكينه سارحا وغائصا فى رحله تاريخيه للعصر المملوكى ذاك العصر الفريد من نوعه ، والذى أقام فيه العبيد دوله قويه متراميه الأطراف إمتدت لأكثر من ألف عام ، على أكتاف وسواعد أطفال جلبوا من أسواق النخاسه فى أسيا الصغرى أواخر الدوله العباسيه التى تولت تربيتهم وتنشئتهم وتدريبهم _ على نهج مزراع الدواجن حديثا _ حتى يصبحوا فرسانا ليدافعوا عنها من الأخطار الداخليه والخارجيه ، تزامن هذا مع النزعه الشعوبيه التى ظهرت أواخر الدوله العباسيه ، وهو ما أغرى " أحمد بن طولون " أول عبد يستقل بدوله خاصه فى مصر بمسانده العبيد ، وعلى الرغم من قصر مدة الدوله وسقوطها ، ولكنها أرست مبدأ " الرقيق الأبيض " فى حماية الحكم وإرساء قاعده الولاء للحكم فى مصر كما الفرخه البيضاء لا تعرف من العالم إلا صاحبها حتى لو فتح لها باب الحظيره لا تقدر حتى على الهرب .. وأستمر هذا الوضع حتى نهاية الدوله الأيوبيه هنا إستأسد العبيد و خلعوا عن أنفسهم عار العبوديه وتولوا مقاليد الدوله وأسسوا دولتهم الخاصه ، ولكنهم ساروا على نهج جلاديهم وأستمروا فى سياسه مزرعه دواجن العبيد ليضمنوا الولاء ، وطالت مدة الحكم بحلوها ومرها ، وطارت رؤوس حكام كثيره منهم تحت وطأة الصراع على السلطه فالكل تعلم اللعبه . وبقى الشعب ينظر للمشهد عاجزا عن الفعل فكل ملك _عبد أسوأ من الذى قبله ، يبدأ حكمه بمشاريع لشق الترع والقضاء على قطاع الطرق حتى يهلل له الناس وتكثر الزروع ويسمن الناس ، وهنا فقط يبدأ الحاكم فى حصد ثمار ما فعله فى مزرعته الكبيره مصر فتكثر الضرائب الباهظه وتنتشر مظاهر السلب والنهب ، وتنتشر المجاعات ويموت الناس بعامه من المجاعه _ كله فداء للوالى _ ولم يعد يملك المصريون إلا حكمة الخنوع الشهيره " أصبر على جارك السو "السيئ" يا يرحل يا مصيبه تشيله "

ومع صعود دوله " بنى عثمان " وهزيمتها لدوله المماليك ، فقد بدا ان مصر تخلصت من منطق دولة الدجاج الأبيض ، لكن بنى عثمان لم يكونوا بأحسن حال من سابقيهم العبيد ، فقد نهبوا البلاد وخربوها والأنكى من هذا فقد تركوا إدارتها للمماليك الحكام القدامى ولكن تحت الولايه العثمانيه ، وعاش المصريون أسود أيام حياتهم فى ظل إستمرار دوله العبيد . ومع أواخر العهد العثمانى وما بدا أنه بدايه النهايه للدوله العثمانيه العتيده ، فقد ظهر فى مصر حاكم جديد من رحم الدوله بفكر جديد وأسلوب عمل مختلف يريد أن يحقق مجدا لنفسه ، إنه " محمد على باشا " الذى تولى الحكم فى ظروف تمرد فيها دجاج المزرعه الكبرى من المصريون على أوضاعهم المترديه ولأول مره فى تاريخهم الحديث والقديم يختاروا حاكمهم ويفرضوه على سلطة الخلافه ، ولم يخب ظنهم فيه فقد قام بذبح كل دجاج المزرعه المملوكيه ومن ظلم حكمها وتجبرها على الناس ، لكن لم تدم فرحه المصريين طويلا ، فدائما خلف كل " قيصر يموت يولد قيصر جديد " فعلى الرغم موت دجاج المزرعه من المماليك إلا أن الباشا الجديد إخترع مبدأ جديد مستوحى من الثقافه الداجنه وهى " شراء العبد ولا تربيته " توفيرا للمال والجهد ، وهكذا تحولت مصر إلى مجتمع من العبيد  من أراد أن يترقى فى منصب أو يعالج أو يحصل على وظيفه ، أو .. أو... ) فعليه أن يقدم فروض الطاعه  والولاء للحاكم ومندوبيه ..
وعلى الرغم من توالى الحكام بعد ذلك إلا أننا لم نتخلص من ثقافة العبيد فى إدارة الدوله _المزرعه ، وعلى الرغم من إنتفاضه هنا او ثوره هناك ، إلا أن المبدأ لايتغير ...
يااااااااااااااااااه سبحان من يغير ولا يتغير ...

يا أستاذ يا أستاذ ، مالك سرحت كدا ليه .. الفرخه خلصت _ إتفضل_ ولو حضرتك عاوز بيض كله موجود عندى وطازة ، فضحكت عاليا ومشيت ، وسط إستغراب صاحب المحل .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...