السبت، 27 نوفمبر 2021

وعاظ الشيطان




بقلم / ياسر رافع

الواعظ هو ذلك الإنسان الذى يطل علينا بأشكال مختلفه ليلا ونهارا على شاشات التلفزيون وعبر موجات الأثير ليوجهنا إلى الطريق الصحيح نحو عالم أفضل ويوتوبيا لم ولن تتحقق إلا فى خياله هو وحده ، ذلك لأنه يظن أنه وحده الذى يملك الحقيقه المطلقه وأن أخلاقيات الناس مثل الملابس تنظف بالماء والصابون ، لذلك إذا لم يجد صدى لما يدعوا له إنهال على الناس بالويل والثبور وعظائم الأمور .وهو فى الغالب يوجه نصائحه للناس ولا يوجهها إلى الحكام . لأن دأب الواعظين عندنا أنهم يتركون الطغاه المترفين يفعلون ما يشاؤون ، ويصبون جل إهتمامهم على الفقراء من الناس فيبحثون عن زلاتهم وينغصون عليهم عيشتهم وينذرونهم بالويل فى الدنيا والأخره . بهذا وجد الطغاه فى الواعظين خير معاون لهم على إلهاء رعاياهم وتخديرهم . لذلك نراهم يأخذون جانب الحاكم ويحاربون المحكوم فتجدهم يعترفون بنقائص الطبيعه البشريه حين يستعرضون أعمال الحكام ، فإذا ظلم الحاكم رعيته أو ألقى بها فى مهاوى السوء ، قالوا: إنه إجتهد فأخطأ وكل إنسان يخطئ والعصمة لله وحده . أما حين يستعرضون أعمال المحكومين فتراهم يرعدون ويزمجرون وينذرونهم بعقاب الله الذى لا مرد له ، وينسبون إليهم سبب كل بلاء ينزل بهم. لذلك لا عجب أن يأيد الجبابره سلوك الوعاظ بل والعمل على تشجيعه لأنه يحقق لهم السيطره الكامله على الناس . وهؤلاء الوعاظ هم أناس مزدوجى الشخصيه لا مبدأ لهم وهم من صنف دأب على الأكل على موائد الحكام الظالمين لذلك لا تعجب من أن يوجه حديثه للناس قائلا :إنكم أذنبتم أمام الله فحق عليكم البلاء من عنده ، وهو بذلك يرفع مسؤولية الظلم الإجتماعى عن عاتق الظالمين فيضعها على عاتق المظلومين أنفسهم فيأخذون بالإستغفار وطلب التوبه . وبهذه الطريقه يستريح الطغاه ، فقد أزاحواعن كواهلهم مسؤولية تلك المظالم التى يقومون بها ووضعوها على كاهل ذلك البائس المسكين الذى يركض وراء لقمة عيشه صباح مساء ، ثم يلاحقه الواعظون بعد هذا بعقاب الله الذى لا مرد له . هذا هو ما خلص إليه الكاتب العراقى ( على الوردى ) فى كتابه (وعاظ السلاطين) ، وهو بذلك يعطينا رؤيه أوسع لكشف حقيقة الواقع الذى نعيشه ، وكذلك المحاولات المستميته من هؤلاء الوعاظ لتدجين الناس وجعلهم كالقطيع يسيرون على هوى الحكام ، وقد كنا ننتظر أن يتغير الحال بعد قيام ثورة 25 يناير وموجتها الثانيه فى 30/6 ولكن راحت كل الأمانى والأمنيات أدراج الرياح ، وهاهم رجال الوعظ الذين يطلون علينا كل يوم مبشرين بأحلام ومنذرين بعواقب كلا على حسب ما يريد الحاكم ، لذلك لا نجد هناك فرقا بين واعظ يرتدى بدله غربيه متسلحا بتعريف محلل إستراتيجى وعالم ببواطن الأمور ، وبين واعظ يرتدى ملابس أزهريه  متسلحا بأيات القرأن والأحاديث النبويه ، فالإثنين يأخذون منطق الحاكم ناهيك عن أخذ الأمه كلها فى مساحات فكريه لا طائل من ورائها إلا تغييب الناس وجعلهم لا يفكرون . ويا ويل من يفكر ويبدى رأيا مخالفا لهم ، تراهم يصفونه بالعماله والخيانه والخروج على ولى الأمر ، لأن هذا هو ما تعودوا عليه لأنهم ببساطه وعاظ الشيطان. لذلك إذا أرادت الدوله أن تقدم نموذجا جديدا لعالم جديد ، فعليها أن تلجم هؤلاء الوعاظ ، لأنهم تركوا أثرا سيئا فى نفوس الناس ولم يعد أحدا يستريح لرؤيتهم ، وكيف يستريح الناس لرؤية الشيطان .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...