بقلم / ياسر رافع
الجوع
هو الإحساس بالحاجه إلى الطعام ، وقد مثل الجوع ترمومترا حقيقيا للعلاقه بين
الشعوب وحكامهم على إمتداد التاريخ الإنسانى ، فكلما تقلص الإحساس بالجوع دل ذلك
على علاقه صحيه تدل على رضا المحكومين عن حكامهم ، والعكس عندما يزداد الإحساس
بالجوع ، هنالك تصبح العلاقه متوتره تصل إلى حد الصدام الدامى فى أحيان كثيره ،
وقد صور الكاتب الكبير نجيب محفوظ العلاقه بين الجوع والسلطه الحاكمه فى روايته
ملحمه الحرافيش ، والتى جسدت على شاشه السينما فى فيلم من إخراج على بدرخان ،
أطلقوا عليه إسم " الجوع " وهو فيلم جسد العلاقه بين فتوه الجماليه الذى
وصل إلى الحكم حالما بالعدل ، ممثلا لطبقته الدنيا من الحرافيش ، ولكن سرعان ما
إلتحف بثياب الأغنياء وتزوج منهم ، وأصبح سوط القهر والظلم على الحرافيش ، وزاد
الجبايه عليهم فإنتشر الفقر والجوع وزاد السخط عليه ، وإنتهى جثه على قارعه الطريق
لم يجد من يحنوا عليه .
ولسخريه القدر تزامن عرض هذا الفيلم الكاشف ، مع إقرار حكومه رئيس الوزراء السابق
_على لطفى _ لقرارات إقتصاديه والتى جاءت إمتثالا لروشته إصلاحات من صندوق البنك
الدولى كشرط لإقراض مصر للخروج من أزمتها
الإقتصاديه ، والتى كان من تأثيرها المباشر أن عم السخط الشعب المصرى ، وخرج فى
مسيرات محدوده ، عبر عنها بتغيير إسم مخرج فيلم الجوع من على أفيشات الفيلم من على
بدرخان ، إلى على جوع فى إشاره إلى رئيس الوزراء ، وأصبح واضحا أن النظام على وشك
أزمه مشابهه لما حدث فى عام 1977 ، فسرعان ما قام النظام بعزل الحكومه والتى لم
تكمل عامها الاول ، بعد فشلها فى تمرير الإصلاحات ، عندها أيقن النظام أن الإصلاح
لا يمر على أجساد الفقراء ، لأنهم وإن كانت ثيابهم رثه ، فإنهم كجمر النار يحرق من
يقف أمامه .
وجاءت التسعينات ببشرى إنفراجه ماليه نتيجة المشاركه فى حرب تحرير الكويت ، والتى
إنتهزتها الحكومه لتمرير إصلاحات ماليه بعيده عن تحميل المواطن العادى أعباء كبيره
وفجائيه ، فكانت إصلاحات على ثلاث سنوات بنسبه لا تتجاوز 10 % سنويا ، ومع ضغوط
صندوق البنك الدولى وشروطه الإصلاحيه ، تم تبنى نظام الخصخصه كمقدمه للتحول لنظام
السوق ، وقد نفذت تلك الشروط فيما عدا رفع الدعم عن الفقراء فى محاوله يائسه من
النظام الحاكم للسيطره على البلاد لأطول فتره ممكنه ، والذى طالبه صندوق النقد
بإصلاحات سياسيه تطال تغيير نظام الحكم وتبنى النظام الديموقراطى ، وقد بات واضحا
قبل ثورة 25 يناير أن النظام قد نجح جزئيا فى إيجاد نظام إقتصادى قادر على
المواجهه وتوفير محفظه ماليه قويه ، لكن توزيع الثروه كان فضيحه فقد إستحوذت فئه
محدوده على مقدرات الشعب ، فما كان أن قام الشعب وأسقط النظام كله .
وبعد 25 يناير و30 يونيو بات واضحا أن النظام الإقتصادى فقد كثيرا من مقومات
النهوض نتيجه ضياع الإحتياطى النقدى وتوقف عمليه الإنتاج لأكثر من سنتين وكذلك
المطالبات الفئويه ، إلا أن بعد إنتخاب الرئيس السيسى وحصوله على دعم من دول
الخليج ، أصبح التفكير فى كيفيه النهوض بالإقتصاد بعيدا عن المساعدات الخارجيه هو
الشغل الشاغل لساكن الإتحاديه الجديد ، والذى تبنى سياسه الترشيد والتقشف والعمل
على إلغاء الدعم المقدم للفقراء على مدار عده سنوات ، فكان أن شكل وزاره سرعان ما أصدرت
قرارات صعبه وجريئه ولكنها مجحفه بزيادة أسعار الطاقه بنسبه تصل إلى 45 % ،فى
إستجابه واضحه لصندوق النقد الدولى والتى أثارت سخط الشعب المصرى كله ، والتى جاءت
فى وقت كان يحلم فيه المواطن البسيط أن الرئيس السيسى سيعمل على القضاء على الفساد
ومحاسبه من سرقوا أقوات الشعب و إسترداد الأموال المنهوبه ، لكن تلك الأحلام تبددت
وأفاق على إنه هو المطالب الوحيد بتسديد فاتورة الفساد عن الأنظمه السابقه ورجال
الأعمال الفاسدين .
أيها القابضون على الحكم تذكروا أن أزمه الأرجنتين 2002 والتى أعلنت فيها عن
إفلاسها ، لم تسعفها روشته صندوق النقد الدولى ، بل أورثتها عدم الاستقرار السياسى
والإقتصادى لفتره طويله .
أيها الرئيس ساكن الإتحاديه ، أعتقد أنه قد حدث شرخ فى علاقه الشعب بالنظام الجديد
، معلنا نهايه شهر العسل ، وعليه يجب على النظام أن لا يعمل على توسعة ذلك الشرخ
لأنه عندها سيصبح الحديث عن إستمرار النظام هو ضرب من الوهم المتبدد ، وتذكر أن
الجوع كافر وهو وقود الثورات ، فحنانيك عل فقراء الوطن ، فهم ليس لديهم ما يبكون
عليه إذا ثاروا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه