السبت، 27 نوفمبر 2021

مع .. وسط .. ضد






بقلم / ياسر رافع

لا زلت أؤمن بأن التعاطى مع السياسه لا يتم من خلال اللونين الأبيض والأسود كمحددين ثابتين يحددان شكل العلاقه السياسيه داخل المجتمع ، لأن السياسه بطبيعتها عامل إجتماعى متغير يخضع لتغيرات العامل البشرى بالأساس ولا يكفى اللون الأبيض ( المثالى ) للحكم على الأشياء ، ولا اللون الأسود ( السئ ) لضمان الإستمراريه الطويله فى التحكم بالقوه . لذلك فإن السياسه فى أحد تعريفاتها يقول " إنها فن الممكن " أى أنها ببساطه هى المسافه الوسطى بين اللونين الأبيض والأسود ، وهى المرحله التى يتم فيها كافة الأساليب سواء أن كانت بيضاء أو سوداء من أجل الوصول لحلول سياسيه دون التقيد بثوابت جامده تحول دون التغيير المنشود داخل المجتمع .

وفى المقابل من ذلك الأخلاق فهى حاله أحاديه لا تقبل الحاله الرماديه الوسطى التى تتأرجح بين اللونيين الأبيض والأسود ، فالأخلاق كل لا يتجزأ من التكوين البشرى والتى من خلالها يتم الحكم على الفعل البشرى سواء بالخير أو بالشر ، وهى مكون أساسى للتدين البشرى من بداية التاريخ وحتى نهايته . لذلك يعتبر مصطلح " وسطية الدين " مصطلح غريب لا يستقيم مع المعنى الأساسى للبعث الربانى  والذى أخبرنا فيه أن من يتمسك بالتعاليم الربانيه سيكون هو الحكم بين اللونيين الأبيض والأسود ، وانه سيكون الحاله الوسط الحاكمه على معيار التبليغ الإلهى ومقدار تأرجح البشر بين الأبيض والأسود مصداقا لقول الحق تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً " سورة البقره .

ولكن هل يمكن أن يتم دمج السياسه مع الأخلاق لخلق فعل وسط على الرغم من التباين فيما بينهما ؟
فعلى الرغم من وجود أمثله أخلاقيه فى الكفاح السياسى مثال " المهاتما غاندى" إلا أنها ورغم نجاحها فى إستنهاض المكنون البشرى النقى ، إلا أنها لم يكتب لها الإستمراريه فى نهاية المطاف ، وفى المقابل تعانى الأمثله السياسيه التى أرادت إنشاء أخلاق موازيه بعيدا عن السياق العام ، فكلها باءت بالفشل على الرغم من النجاحات التى حققتها فى بداياتها الأولى .. ومع ذلك لا زلت أعتقد أنه يمكن دمجهما على الرغم من إختلافهما وذلك من خلال أجواء من الحريه والعدل والمساواة لأن الأخلاق السياسيه لا تنمو فى مناخ من العنف والتطرف وغياب حقوق المواطنه والمشاركه المجتمعيه ، ولكن هذا يتطلب منا العمل الدؤوب والمثابره عليه وتحمل الألام من أجل ربح المعركه فى الحقل الأخلاقى السياسى ، حقل الترابط الإنسانى واللحمه الوطنيه ، من أجل الوصول لمجتمع مترابط فى سياق ديموقراطى يكون فيه للجميع حقوقا متساويه غير منتقصه تحت أى دعاوى سياسيه تتنافى مع الواقع المنشود
وبالنظر لواقعنا بعد أربع سنوات من ثورة 25 يناير ، نجد أننا حيارى بين اللونين الأبيض والأسود ، بين (مع) كل ما يتفق مع ما نعتقد أنه الصحيح ، وبين ( ضد) ما نرى انه مخالف له ، وبين حاله ( وسط ) عائمه مائعه لا تعطى أى إجابات واضحه لعدم إستنادها لفعل ثابت على الأرض على الرغم من تغليفها ببريق دينى أخلاقى . وهذا الواقع مغلف بحاله عدم يقين لدى جموع الشعب من جدوى ذلك كله لإيجاد حاله من التغيير ، تغير من واقعه الذى يزداد حرجا . لذلك نجد أننا يجب علينا أن نكون سباقين للخروج من هذا المازق الذى يبدو أنه ليس له حل فى الأفق القريب ، وأن نحاول أن نجد حلا من " خارج الصندوق " وهو أن نوجد حاله جديده نستطيع من خلالها أن نخرج من تلك الحلقه المفرغه أو المتاهه التى أوصلنا لها غيرنا ، وأن نتمسك بالقاعدة الأخلاقيه واللجوء إلى أساليب جديده تنسجم مع أهداف ثورة 25 يناير ، وفى الوقت تحافظ على إنسانيتنا وتحصن بيوتنا من مظاهر تهددنا جميعا
إننا يجب أن نخرج من الدائره الجهنميه ( مع .. وسط .. ضد ) وأن نعمل على إيجاد مجتمع جديد متصالح مع نفسه ، غير عابئ بالخلافات السياسيه والمذهبيه ، مجتمع تعلى فيه قيم الحريه العدل والمساواة ، مجتمع يكون فيه الدين مقدسا ليس حكرا على أحد ، قيما على الجميع وفق مقتضيات العصر ،
ولكن هل يتحقق ذلك ؟ أعتقد ذلك إذا أمن الجميع وخاصة شباب هذة الأمه بقدراته الخارقه ، وأن وسائل النضال هى وسائل أخلاقيه ، وأنه يحمل بين طياته أمال وطن يحلم بمجتمع جديد ..
فهل يسمعنى أحد .. إنى أسمع صوتا من بعيد ، ومن أين نبدأ الطريق ؟ أقول له .. عندما تعى ما ذكرته ساعتها ستكون قد بدأت فعلا ..
أيها الشباب عليكم بتكوين طريقا جديد ، خارجا عن السياق القائم تراعى فيه المصالح الوطنيه ومصالح المواطن الفقير ، فى إطار سياسى أخلاقى جديد يتسق مع الفعل الإلهى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...