بقلم / ياسر رافع
" الدين أفيون الشعوب " ، من أكثر المقولات التى سالت بسببها حروب كثيره على إمتداد عشرات السنين وربما ألاف السنين السابقه عليها ، ذلك لأن المفكر كارل ماركس قصد بتلك المقوله تفسير حاله تمثل سنه بشريه إمتدت عبر ألاف السنين منذ أن عرف الإنسان الحضاره ، وتلك السنه تتمثل فى إستغلال الطبقه الحاكمه السلطويه للدين سواء أن كان وضعيا أم سماويا منزلا ، لإخضاع الشعوب من أجل بقاء الطبقه الحاكمه أطول فتره ممسكة بمقاليد الحكم ، ولم تقف محاولات السيطره على الدين من أجل المصالح داخل البلد الواحد بل إمتدت لتصبح مبررا لشن الحروب وبسط النفوذ بين الإمبراطوريات الكبيره.
ولعل ما حدث من إستغلال الولايات المتحده الامريكيه للدين الإسلام ، ضمن خطه إستراتيجيه من أجل إضعاف ومحاصرة الإتحاد السوفيتى ثم سقوطه بعد ذلك ، أوضح مثال عالمى فقد جيشت أمريكا المشاعر الإسلاميه ضد الإتحاد السوفيتى وأنه ضد الدين وانه يشبه " الدين بالأفيون " المخدر وأنه يدعو للألحاد ، وعندها ثارت الامه تدافع عن دينها ، ولكن فى اى موقع تحارب فيه ، حتى دخل الروس أفغانستان ، هنا وجد العرب والمسلمين ضالتهم ميدان معركتهم المنشود ، وراحوا زرافى يجاهدون دفاعا عن دينهم ( وهو فى ظن الشباب المسلم صحيح ) وتناسوا أن عدوهم الذى يقاتلوه لم يتنزع منهم فلسطين ولم يحتل أرضهم ، بل إسرائيل وحليفتها أمريكا ، وتناسوا أن سلاحه الذى بين أيديهم يقاتلون به أعدائهم هو من صنعه ، وأول نصر تحقق لهم على إسرائيل كان سلاحه " الملحد "هكذا تم إستغلال الدين وتوظيفه فى صراع دامى هو برئ منه ولكن تم السيطره من خلاله على أتباعه وتوجيههم ناحية الهدف المنشود ليقودوا معركه لا ناقة لهم فيها ولا جمل . والأمثله كثيره على إمتداد تاريخ الصراع بين الأمم على المستوى الدولى والعالمى .
ولكن تبقى السيطره الدينيه من قبل السلطه الحاكمه داخل الدوله هى الحاكمه لأنها تتصل بحياة الشعب ، فمن خلالها يتم إستعباد الشعب ونهبه وسرقته لصالح الحكام ، وجعله يرفل فى غيبيات الدين ، لا الدين الصحيح الذى يحض على إعلاء قيم الإنسانيه والعدل والمساواة ، ولكن هيهات من سيسمح بذلك ، لذلك تتفنن الطبقه الحاكمه وتتنوع أساليبها فى كيفيه إستغلال الدين من أجل السيطره ،
فقديما فى مصر تم إستغلال الدين أبشع إستغلال من قبل كهنة المعبد الذين مثلوا مع الفرعون وكبار الملاك طبقه حاكمه ، وإستعبدوا الناس ونهبوهم وأفقروهم تحت دعاوى أن الفرعون إله وكهنته معصومون وأنهم حلقة الوصل بين الشعب وبين الجنه ، إن هم أطاعوا دخلوا الجنه ، وإن عصوا دخلوا النار ..
وعلى الرغم من تعاقب الأديان على مصر بعد ذلك ، لكن الحال لم يتغير فظل كما هو ، ولكن ما تغير هو إستغلال الفروق المذهبيه بين أتباع الدين الواحد ومحاباة فرقه دون الأخرى لإلهاء الشعوب عن المطالبات بحقوقها المشروعه وضمان السيطره للسلطه الحاكمه على إختلاف مسمياتها .
ولم تختلف طريقة إستغلال السلطه الحاكمه للدين عبر التاريخ المصرى الإسلامى فهاهم الحكام الفاطميين الشيعه تفننوا فى كيفية إستغلال الدين حتى انهم أحدثوا فيه ما لم يكن فيه ، وظهرت الطرق الصوفيه وإنتشرت الخرافات وتأليه الحاكم وبث روح الدعه والخنوع بين الناس . والنتيجه حالة من الفقر والجوع تصيب الناس وتخمه تصيب الحكام
وعندما جاء صلاح الدين الايوبى السنى وقضى على الحكم الشيعى ، لم يختلف عن سابقيه ، بل إستعان بصوفيه من المشرق لتحول الناس من التصوف الشيعى إلى التصوف السنى ، وهكذا إستمر الحال حتى الحكم المملوكى وحتى مائة سنه تاليه عرفت " بقرن الصوفيه " وفيها إستغل الحكام على إختلاف مشاربهم الصوفيه ليشغلوا الناس عن التفكير فى سوء أحوال البلاد والمطالبه بحقوقهم المشروعه ، بل وجعلوا مشايخ الصوفيه ساده يطاعون أمام عامة الناس ، حتى تقف مطالبات الناس عند المشايخ الذين يطالبون الناس بالصبر على البلاء لأنه مدعاة لدخول الجنه ، ناهيك عن المطالبات بالمشاركه فى شئون الحكم ، والتى عبر عنها الشيخ الشعرانى وهو من كبار متصوفة العصر العثمانى الذى عرف بعصر " الدروشه الصوفيه " عندما انكر على العامه التدخل فى شئون الملك لأنه عمل " مضر" قائلا " ولم يزل الأذى والضرر لكل من دخل فى شئ ليس هو من مقامه ولا من مرتبته من قديم الزمان إلى وقتنا هذا "
وفى بداية عصر الدوله الحديثه فى مصر بداية من محمد على حتى 30/يونيو ، لم يختلف تعاطى السلطه مع الدين عن من سبقوهم ، ولكن ما إختلف هو تراجع الصوفيه امام الإسلام الحركى او ما عرف إصطلاحا بالإسلام السياسى الذى إحتل مساحه كبيره من الوعى الشعبى والذى إرتبط فى بداياته مع حركات التحرر الوطنى ، وقد حاولت الطبقات الحاكمه ممارسة نفس الدور معه كما فعلت سابقا مع الصوفيه ولكنها لم تفلح لأن الوافد الجديد يحمل سمات مختلفه عن سابقيه ، فهو يريد أن يشارك إن لم يأخد الملك نفسه . ولما مثل الإسلام السياسى مشكله أمام الحكام لما يطرحه من رؤيه مختلفه عن تصورات الطبقه الحاكمه ، هنا حدث الصدام الأمر الذى إستدعى من الطبقه الحاكمه بداية من الملك فاروق وعبدالناصر والسادات وحتى مبارك أن تحاول إرجاع التدين الصوفى إلى مواقعه السابقه ليبقى حصنا لهم ، ولكن النتيجه ان الإسلام السياسى قد إستطاع أن يزحزح الطبقه نفسها ويحكم .. ولكنه سقط مع أول إختبار حقيقى ..
ومع مجريات الأحداث بعد 30/يونيو وتولى قياده جديده للبلاد ، وتصاعد العمليات الإرهابيه ، فقد بدا للحكم الجديد انه بحاجه لتجديد الحاله الدينيه ودفعها نحو الوسطيه ، فى الوقت الذى يضمن إستقرار البلاد والحكم . ولكن على ماذا يعول النظام الجديد ، على الأزهر الذى أخترق من كل التيارات الدينيه والسياسيه ، أم تيار الإسلام السياسى الخارج توا من سدة الحكم المتشدد الأفكار ، أم الصوفيه التى يرى فصيل فى الحكم انها لا زالت تعتبر بديلا جاهزا لمساندة الحكم الجديد على الطريقه المملوكيه ، كل ذلك مطعم بوضع إقتصادى مزرى ، وشباب أمه يختلف عن سابقيه سأم اللعبه القديمه ، وأصبح لا يعنيه من قريب أو بعيد المسألة الدينيه فى الحكم ،
لذلك نقول للقياده الجديده ليس شباب اليوم هم شباب المماليك ، فلا تحاولوا معهم إستنساخ التجارب القديمه فى الحكم إنهم شباب ولدوا احرارا فلا تحولهم إلى مريدين أو إرهابيين ، إنهم يريدون ان يصنعوا مستقبل جديد بواقع جديد بتدين جديد ، بعيدا عن الإسترقاق والعبوديه لسلطه الحكم او سلطه المشايخ .. ويدشنوا معكم زمنا جديدا للحريه وتداول السلطه بعيدا عن هتافات عاش مولانا المعظم وعاش أفيونه " شيخ السلطه " ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه