بقلم / ياسر رافع
مما لا شك فيه أن قضية نشأة وتتطور الأمم صعودا وهبوطا ، شغلت الكثير من المحللين والخبراء على كاقة المستويات ، لشرح الأسباب التى أدت إلى مرحلة النشوء ثم القوه ، ثم مرحلة التراجع والإنهيار . ولقد شغلت مرحلة التراجع والأنهيار الحيز الأكبر فى الدراسات التى تناولت هذه القضيه والتى عزاها البعض إلى جوانب متعدده ومنها الجانب الاخلاقى مثل عالم الإجتماع " جوستاف لوبون " فى كتابه " السنن النفسيه لتطور الأمم " عندما قال " تحتاج الأمم إلى زمن طويل لتبلغ ذروة الكمال الممكن ، لكنها تحتاج إلى زمن قصير لتنحط نحو الدرك الأسفل " . ولكن هناك اخرون يرون المسأله اكبر من الأخلاق وأرجعوها إلى عوامل أرها ويراها المؤرخ " بول كينيدى " عوامل حاسمه سواء فى الحفاظ على المكانه او التراجع عن تلك المكانه لقوى أخرى تريد أن تحل مكانها ، لذلك نراه فى كتابه " صعود وسقوط الدول العظمى " يقدم نظريه مفادها " أن هيمنة القوى العظمى (على المدى البعيد او فى صراعات محدده ) لها علاقه قويه بالموارد المتاحه والإحتمال الإقتصادى والتمدد العسكرى المفرط ، والأفول النسبى المصاحب هو التهديد المستمر الذى يواجه القوى ذات الطموح والمتطلبات الامنيه التى تتجاوز ما يمكن أن تقدمه مواردها المتاحه " .
وإذا طبقا ذلك على القوه الأمريكيه فى تلك اللحظه من تاريخ العالم ، وفى محاوله لفهم التراجع الظاهر لتلك القوه لصالح قوى اخرى ( وإن لم تتضح بعد معالم تلك القوى ) نجد أن أمريكا تعانى من القدره على الإحتفاظ بمكانتها السابقه كقوه وحيده مسيطره ذلك لأنها أفرطت فى التمدد العسكرى لمواجهه الأعباء الأمنيه حول العالم وما صاحب ذلك من عدم قدرة مورادها المتاحه وكذلك قدرة إقتصادها على الوفاء بإلتزاماتها الدوليه كقوه عظمى ، وهو ما كان له أثر فعال وواضح على بداية الأفول النسبى لتلك القوه ، وهذا ما إسترعى إنتباه صناع القرار الأمريكيين وكذلك الباحثيين الأكاديميين ، مثل " زبغنيو بريجينسكى " مستشار الامن القومى السابق الذى ألف كتابا يشرح فيه ، بل يقدم رؤيه متكامله للسياسه الأمريكيه للتعامل مع وضع التراجع النسبى أمام تقدم القوى الصاعده الروسيه والصينيه ، وكيفية وقف ذلك التقدم وكذلك كيفية التعامل معه وفق إستراتيجيه عامه تكون محور الدور الامريكى فى القرن الواحد والعشرين ، وقد دشن رؤية هذه فى كتاب " رقعة الشطرنج الكبرى " والذى حدد شكل العالم الجديد على انه " مجلس إداره عالمى " تكون امريكا فيه رئيس مجلس الإداره والعضو المنتدب ، وأعضاء متحالفين معها تم تقسيمهم إلى لاعبين إستراتيجيين ولاعبين إقليميين من أجل محاصرة النفوذ المتنامى للقوه الصينيه والروسيه ومحاصرتهما فى الكتله الأسيويه ومنعهم من التمدد العالمى ، لضمان إستمرار الهيمنه على العالم ، ولكن بطريقه لم يشهدها العالم من قبل ..وفيما يخص المنطقه العربيه من السياسه الإستراتيجيه الأمريكيه الجديده ، نجد أن أمريكا لم تعط أدوار لأى دوله عربيه فى المنظومه الدوليه الجديده ، بل وأعطت أهميه كبيره لدول الجوار العربى مثل إيران وتركيا ، و التى تعول عليهما كثيرا فى فرض طوق حصار حول الصين وروسيا لمنع تمددهم إلى منطقة البترول وخطوط المواصلات الأهم فى العالم وهى المنطقه العربيه ، وكذلك تلبية المتطلبات الامريكيه فى بترول بحر قزوين ، وهذا ما يفسر تماهى الدور التركى مع السياسه الامريكيه الجديده فيما يخص الملف الإسلامى حيث انها المعنيه بذلك الدور فى خاصرة روسيا ( دول الجنوب الروسى ) ، اما الدور الإيرانى فالبرغم من تعارض السياسه بينهما ، إلا أن امريكا تعول على الدور الإيرانى فى التماهى مع السياسه الجديده خصوصا وانها تصب فى مصلحة الإثنين . اما باكستان اللاعب الثالث فهى لاعب رئيسى ليكمل حلقة الطوق وهو بطبيعة الحال واقع تحت السيطره الأمريكيه .
ولكن يبقى التساؤل الابرز ماهى الجوائز التى تطلبها تلك الدول نظير ذلك الدور ؟ خصوصا وأن أمريكا اعطت إسرائيل الدور الأبرز فى المنطقه العربيه ، مع بداية إنتقال القوه العسكريه الامريكيه إلى منطقة المحيط الهادى ؟
لعل الموقف الإيرانى _التركى من عمليات " عاصفة الحزم " الرافض لتلك العمليات ، وتراجع الدور الباكستانى عن المشاركه فيها ، يفسر طبيعه الجوائز التى تطلبها تلك الدول من أمريكا . فإيران ترى نفسها هى الأجدر والأقوى على لعب الدور الرئيسى فى ضبط الإيقاع فى المنطقه العربيه وتطالب بالسماح والإعتراف بنفوذها المتنامى فى منطقة الخليج ، لأنها تعتبر نفسها قادره على لعب دور شرطى المنطقه خصوصا وانها لعبته فى فتره حكم الشاه ..
أما تركى فتريد دورا يرجع لها مكانتها القديمه فى المنطقه العربيه يعوضها عن كبريائها المهان برفض الإتحاد الأوروبى لها بالإنضمام له ، ويبسط النفوذ التركى على المنطقه العربيه ولكبح جماح تيار القوميه العربيه المنادى بكيان عربى موحد عبر دعم التيارات السياسيه الدينيه ، وهى بذلك ترى فى نفسها شرطى محتمل يمكن التعويل عليه بجانب إسرائيل
وهذا ما يفسر الذعر والغضب الإيرانى _التركى من التحالف العربى فى " عاصفة الحزم " حيث أن ذلك يؤخر بل يمكن ان تتحطم عليه أمال الإيرانيين والاتراك فى لعب دور شرطى المنطقه .
أما باكستان فهى ترى فى منطقة الخليج إمتداد طبيعى لها ذا بعد دينى ، وهى تريد ان يكون لها دور فى ترتيبات المنطقه ولكن ليس على درجة شرطى كامل ، لأن ذلك قد يجر عليها متاعب مع شركاء محليين مثل ما حدث من تراجع باكستان عن " عاصفة الحزم " أمام الإشارات الإيرانيه .
وفى النهايه تبقى التساؤلات الحائره ، على من تعول الولايات المتحده الأمريكيه للقيام بدور الشرطى الأكثر خبره المحتمل بجانب إسرائيل خصوصا وأن الجميع قدم أوراق إعتماده فى ظل التراجع الحاد للقوه العربيه ؟؟
و ماهى الترتيبات الأمريكيه المطروحه للبيت العربى فى ظل ما يشهده من أزمات وحروب أهليه ؟؟
وهل يقبل العرب تلك الترتيبات دون مقاومه ، أم يقبلون بمجرد مشاركه فى ترتيبات المنطقه ؟؟
وهل لدى العرب تصورات لمستقبلهم القادم فى ظل السياسه العالميه الجديده ؟؟
كل هذه الأسئله ليست لها إجابه محدده ، بل كلها مرهونه بمدى قدرة العرب على تجاوز الفتره الراهنه بأزماتها وصولا لحالة تكامل وإتحاد ، وتصور كامل لشكل المستقبل لمنع تحقق السيناريو الامريكى الجديد للمنطقه ، والوقوف فى وجه التمدد الإيرانى التركى الإسرائيلى أعضاء اكاديميه الشرطه الامريكيه الجديده
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه