بقلم / ياسر رافع
إن الثوره ليست حلم الثائر فقط ، ولكنها حلم وطوق النجاة لمن وراءه من الملايين من المهمشين والمحرومين ، الأملين فى زمن جديد ، ومستقبل يسع لكل أحلامهم البسيطه . و تبقى أحلامهم وأمالهم معلقه على مدى إخلاص ذاك الثائر الحالم ومدى إيمانه بقضيتهم . ويشترك جميع الثوار فى وحدة الهدف وهو التخلص من الظلم والحلم بالتغيير . ولكن يتباين تعاطيهم مع واقع ما بعد الثوره فعنده ينقسم الثوار وتختلف الرؤى فيما بينهم .. ما بين ثائرا حالم بعالم أفضل ، وبين ثائر غير قادر على الحلم من جديد ويسير على خطى سابقيه ولكن بشكل مختلف ..
هذا هو ما حدث مع بدايات ثورة 23 يوليو 1952 فيما عرف بأزمة مارس والتى أوضحت أن
هناك فصيل من الضباط الثائرين كان حالما ومحملا بيوتوبيا أرادت أن تعلى من قيم
رأوها نافعه من أجل تغيير واقع المواطن المصرى وأن يكون دورهم قاصرا على تهيئة
البيئه المناسبه للمواطن من أجل ان يأخذ هو بزمام الأمور فى واقع ديموقراطى جديد ،
ولكن إنتهت تلك الأزمه بهزيمه الثائر الحالم وإزاحته من المشهد ، وفوز الجناح
الأخر من الثائرين الذين رأوا أن خيارهم فى التغيير الكلى من خلالهم هو الحل
الأمثل . وقد كان لهم ما أرادوا . ولكن هل نجح خيارهم فى السير بالمجتمع نحو ما
كانوا يصبون إليه ؟؟؟ ربما ..
وهاهو " تشه جيفارا " ذاك الثائر
الحالم الذى جاب البلاد على دراجته البخاريه باحثا عن واقع جديد يزول فيه الظلم
والإحتلال والتبعيه ، عبر إزالة الظالمين عن كراسى الحكم . يجد ضالته فى رفاق الكفاح " كاسترو "
ورفاقه الذين إلتقت رؤاهم وأفكارهم على هدف واحد هو تطهير كوبا من الظلم والتبعيه
لأمريكا ، فكانت الثوره الكوبيه على نظام " باتيستا " العميل .. ولم
يختلف الثوار على الهدف الأسمى وهو تحرير الشعب الكوبى من الظلم وإقامة نظام عادل
يسع الجميع ، وكان لهم ما أرادوا . وزال نظام " باتيستا" وبدأت معركة
التنميه . وهنا إختلفت الرؤى بين أيقونة الثورة " جيفارا" وبين مؤسسها
" كاسترو" ، فجيفارا أراد بناء وطن قائم على الحريه والإعتماد على بناء
الفرد ليصبح فى النهاية المجتمع مجتمعا للأحرار . وبين كاسترو الذى لم يقدر على
التمادى أكثر فى الحلم وأراد بناء مجتمع تقليدى وإن بدا عليه الحداثة ، ولكنه فى
النهايه تطبيق لنموذج خارجى . وقد كانت نتيجة الخلاف ان ترك "جيفارا "
كل المناصب التى تولاها بعد الثوره بل وترك كوبا كلها متنازلا حتى عن جنسيتها فهو
يرى " أن الثوره تتجمد وأن الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسى
وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثوره مجمده داخلى " . وحمل حلمه فى النقاء
الثورى وراح يبحث عن حلمه الإنسانى فى مكان أخر ، ووجد ضالته فى بوليفيا وساند
ثوارها ولكن تم أسره وإعدامه ، ولكن قبل إعدامه سأل عما إذا كان يفكر فى حياته
والخلود فقال " لا أنا أفكر فى خلود الثوره " .. وبعدها أطلق عليه النار
وقطعوا يديه .
هكذا هم الثائرين الذين يبحثون عن بث الروح فى الشعوب ، عن شحذ الهمم وبناء الفرد
قبل الشروع فى بناء دوله سرعان ما ستتهاوى تحت ألام الفقراء الذين لم تحسن الدوله
الجديده التعاطى مع أحلامهم من البدايه ..
ومن أن وصل خبر مقتله إلى " كاسترو" حاكم كوبا الجديد الذى يلبس الزى
العسكرى ،حتى أعلن الحداد وأمام أكثر من مليون شخص وقف يخطب فيهم قائلا " "إذا كنا نود أن نفصح عن ما نريده من رجال الأجيال القادمة أن يكونوا عليه،
فعلينا أن نقول: دعهم يكونوا مثل تشي! إذا أردنا أن نقول كيف نريد لأطفالنا أن
يتعلموا، فعلينا أن نقول بلا تردد: نريد منهم أن يتعلموا بروح تشي! إذا أردنا
أنموذجا للرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا بل إلى المستقبل، فأقول من أعماق قلبي أن
هذا الأنموذج، من دون أي مأخذ على سلوكه ومن دون أي مأخذ على عمله، هو تشي!" ..
ولكن لم تغير كلمة كاسترو من الواقع شيئا فقد رحل الثائر من أجل الشعب وبقى الثائر
الذى رأى أن كرسى العرش هو تعويضا له عن سنوات نضاله .. وغرقت كوبا وشهدت عصرا من
الأنغلاق وإهدار لكرامة الشعب تحت دعاوى مختلفه .. ولم تعد تتذكر جموع الملايين حول
العالم غير " جيفارا" أيقونه الحريه الإنسانيه ، ومات "
كاسترو" سريريا وهو على قيد الحياة لأنه لم يرسى دوله المواطن الحر صاحب
الإختيار ، بل أسدل ستارا حديدا على أمال الشعب ، ونصب نفسه قيما عليه ..
وما بين ثورة يوليو وأزمة مارس ، وبين أزمة جيفارا وكاسترو .. تبقى التجربه شاهده
على الإثنتين ، فكاسترو لم يستطع أن يعدوا بعيدا بكوبا وإختار التحالف مع السوفييت
ويكون حليفا لهم فى مواجهه أمريكا وأصبحت كوبا محاصره لعشرات السنيين تعيش على
المعونات ، وعبد الناصر قطع شوطا كبيرا نحو بناء الدوله وقد نجح كثيرا فى مجالات عده
.. ولكن الإثنين لم ينجحا فى بناء مجتمع قادر على الإختيار ، كما كان يحلم جيفارا
وامثاله
لذلك أكاد ألمح صوت " جيفارا" ينادى على المصريين بعد ثورة 25 يناير أن
إهتموا ببناء الإنسان القادر على الإختيار الحر بعيدا عن القمع ، القادر على بناء
المستقبل بعيدا عن الوصايه ، بعيدا عن التبعيه .. وأن لا تكرروا تجربة من سبقكم
وتهدروا طاقاتكم فى عبث ، فكاسترو إنتهى وعبد الناصر مات ..
وبقيت التجربه شاهده على الجميع .. وقد أن الأوان أن تصنعوا تجربتكم الجديده
بأيديكم بعيدا عن تقليد لن يجدى نفعا لا
فى حاضركم ولا مستبلقكم .. وتذكروا ان من يحيى الأمل فيكم ويهتم بإقامه العدل والمساواة بين الشعب هو من سيخلده التاريخ .. أوصيكم
بالحريه بالحريه ..
وقفوا دائما صارخين فى وجه من يريدون إرجاع عجلة الزمن للوراء " لماذا أنتم هنا ، أمن أجل أن تبدأ
الثوره المضاده " .. وإطردوهم من حياتكم إلى غير رجعه .. عملاء الأمس واليوم
..
عاشت دولة جيفارا ... ولتسقط دولة كاسترو
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه