السبت، 27 نوفمبر 2021

عبد الحليم قنديل .. فارس بلا جواد


 

بقلم / ياسر رافع

عجيبة هى أحوال الذاكره الإنسانيه فهى على الرغم من كونها تحتفظ بالذاكره الخاصه بالإنسان الفرد والإنسان المجموع ، إلا أنها تحتفظ لنفسها بخاصيه فريده ، فهى تحتفظ ببعد يصعب تفسيره فى تعاملها مع الأرشيف الإنسانى وهو البعد الإنسانى العاطفى الذى يجعل من عمليه التذكر  عمليه مؤلمه أو سياحه عاطفيه ممتعه وسط ذكريات مثلت ندوب فى الذاكره يصعب تجاهلها .. وهذا ما ينطبق على ما أحسست به عندما قرأت المقاليين الأخيرين للكاتب الكبير / عبدالحليم قنديل وما تبع ذلك من هجوم غير مبررعليه ، ظنا من مهاجميه أنهم قد ينالوا منه .. فقد تذكرت ذلك الشاب المفعم بالحيويه النحيف القصير الذى يرتدى نظاره سميكه الذى زارنا أواسط التسعينات من القرن الماضى فى ( وحدتنا الأساسيه ) التى كانت تشكل مع كل الوحدات على مستوى القرى المصريه الكيان الأساسى للحزب العربى الناصرى قبل إنفصالى عنه .. ورأيته وهو يتكلم بطلاقه تشى بثقافه عاليه يندر تكرارها وجرأه رأيتها فى تلك الأيام ( جرأه تودى السجن ) لكنها كانت تنسجم مع جرأة شبابى وإقبالى على المعرفه .. وتكرر ذلك فى لقاءيين لم تندمل ندوبهم فى الذاكره وظل عبدالحليم قنديل قدرا أبحث عنه ويبحث عنى .. فتابعته فى كل مكان كتب فيه سواء جريد أو مجله أو حتى كتاب ، فقد مثل لى ضمير فارس لا يتخللى عن مبادئه ، ولم يخب ظنى فيه ورهانى عليه رغم أننى كبرت وبدا أنه إذا كان بيننا مشتركات إلا أن هناك مساحة إختلاف .. لكن أبدا لم يكبر داخلى عبدالحليم الشاب الثائر الباحث عن الحقيقه فهو لا كذب أحد أعمده الثوره على نظام مبارك لم يكذب ولم يخن حتى أنه أصبح صداعا فى رأس النظام وإتبعوا معه كل الأساليب القمعيه وفشلوا فجربوا معه عقوبه مملوكيه أصيله هى عقوبة ( التجريس ) أو الفضيحه ( بالبلدى ) فإختطفوه وقاموا بضربه وتعريته وتركوه وسط الصحراء ( علشان ميتكلمش على أسياده ) ولكنهم لم يخبروه جيدا فهو كالعنقاء تقوم من وسط الرمضاء ، فمشى عاريا الا من ملابس استعارها فى طريقه إلى عدسات الميديا ليعلن للنظام أنه غير قابل للإنكسار ، فلاحقوه فى رزقه ولكنه صمد حتى زال مبارك وزبانيته ، كل هذ وسط كثير ممن خانوا وباعوا وتعروا لنظام مبارك طواعية ، الذين تم تعيينهم فى وظائف ومنهم من أخذ المال ومنهم من فتحوا له طريقا ليتكسب فى الخارج ..

وبزوال نظام مبارك بعد ثورة 25 يناير فقد بدا عبدالحليم قنديل كشاب مفعم بالحيويه والنشاط ، تراه فى الميادين صارخا  وعلى الفضائيات مبشرا بزمن جديد ، وكاتبا عنيدا على صفحات الجرائد ، يذكرنا برجال لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينيه الذين أمنوا بالإنسان وحريته ضد ظلم وجبروت الحكام . ولكنه سرعان ما إشتبك مع النظام الجديد المتمثل فى الإخوان المسلمين وكان شرسا فى معارضته للنظام متقدما الصفوف فى وقت ظن كثيريين أن النظام الجديد هو زمن توزيع الغنائم ، ومع زوال حكم الإخوان السريع ، وبعد أحداث 30/6 ومساندته لأحداثها وما تبعها من أحداث إنتهت بدستور ورئيس جديد ، وظن الجميع أن الفارس قد باع ضميره وينتظر المكافأه على ما فعله من تأييد التجربه الجديده التى رأى فيها تكرار لتجربه عشقها وهى التجربه الناصريه ، ولكنهم فوجئوا بفارس لا يساوم على تجربته الذاتيه ولا يساوم على كرامة الإنسان المصرى الذى أمن بحريته ، وكتب منتقدا الأداء الرئاسى والحكومى الجديد الذى رأه لا يتناسب مع مقتضيات مرحله ما بعد ثورة 25 يناير المجيده ، وهو ما قوبل من مطبلتيه النظام السابق والجديد بهجوما شديدا وضاريا مس كل جوانب حياته العامه والشخصيه ، ولكنه قابل كل ذلك بتجاهل شديد .. لانهم لم يفهموا معنى أن تكون حرا ولك رأى حتى مع من تأيد ، إنها سلوكيات الفرسان فى زمن النسوان ..
فهنيئا لك فارسى المفضل بذاكرتى التى حجزت لك مكانا عليا بين من شكلوا الوعى لدى ، بين فرسان الكلمه الذين لا يمتطون الجياد ، إنهم فرسان الكلمه الجريئه .. فرسان بلا جواد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...