بقلم /
ياسر رافع
( 1 ) مقدمه
كثير جدا هى مخرجات المطابع ودور النشر ، من المطبوعات والكتب المختلفه ، ولكن
قليل منها ما يثيرك للإشتباك معها .. فمساحة الإبداع أصبحت محدوده ، و السطحيه باديه
بين مفرداتها .. ولكن وسط هذا الواقع المؤلم للواقع الإبداعى ، أجدنى اتلقى هديه
كتاب مع إهداء رقيق من كاتبه الأستاذ / محمد جاد هزاع ،عنوانه " العشق على
طريقتى .. بين الدين المنزل والدين المبدل " .. وهو يعتبر أولى إبداعاته
الفكريه ، على الرغم من كتاباته الصحفيه الكثيره .. وقد كنت من الذين نظموا ندوتين
لعرض مسودات الكتاب قبل طرحه للطباعه ومن ثم للجمهور .. وقد أثارت المسودات أسئله
كثيره ، وجدنا بعضها عند الكاتب ، وسكت عن الأخرى لربما وجد أن الأجابه عن تلك
الأسئله فيه إخلال وسبق ، يفقد الكتاب رونقه .. ولكن بقيت الأسئله معلقه حتى ظهر
الكتاب على أرفف المكتبات .. هنا وهنا فقط أطلت الأسئله من جديد ولكن الأجابه بين
طيات الكتاب أثارت قواعد الإشتباك فى نفسى ، وأحسست أن الكاتب أطلق قذيفته ومضى
وتركنا نبحث عن إجابات فى خضم كبير من الأفكار والفلسفات المختلفه فى "وجبه"
يصعب التوفيق بين مكوناتها ، فما بالك بمحاوله وضعها بمصطلح يعرف بالطريق الثالث ، والذى يبحث عن ملاذات
أمنه من خلال التوفيق بين مكونات فكريه مختلفه . ففى الندوه الأولى سألت الكاتب ..
ما هى طبيعة الكتاب ؟ فأجاب أنها عن التصوف .. فقلت التصوف إما فلسفى أو دينى ؟ فقال : إنه طريق
ثالث ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وفى الندوه الثانيه . ومع إحتدام النقاش .. سألته : ما علاقةهذا الكتاب
"بالكفر" ؟ فسكت الكاتب .. فهممت بالإستفسار .. فضحك ضحكة ، فهمت منها
أن الإجابه مؤجله لما بعد صدور الكتاب .
وها قد صدر الكتاب ولكن الإجابه عن السؤالين قد فتحت مساحه ليست بالهينه وذلك لطبيعة
ما ذهب إليه الكاتب من محاولة التوفيق بين فعلين بشريين متضادين وإن أراد الكاتب
أن يوحى إلينا انهما يوصلان لنفس الهدف ، وهما مقام العشق الصوفى ، ذاك المقام
الروحانى ، وقواعد الإشتباك الدنيويه التى تثيرها ما عرف إصطلاحا بالفلسفه
الوجوديه الإسلاميه . وهنا أصبح الإشتباك لازما لمحاولة الفهم والبحث عن إجابات
لأسئله معلقه ، تطال التاريخ والحاضر والمستقبل ..
...........................................................................................................................
( 2 ) تمهيد
الكتاب جاء كبيرا نسبيا لكون الكتاب أولى أعمال الكاتب ، فهو يقارب الخمسمائة صفحه
من القطع المتوسطه ، وقد أراد الكاتب أن يكون غلاف الكتاب موحيا لما يحويه بين
دفتيه فأختار لوحه فنيه مبدعه ،تعبر عن تجليات صوفيه لا تخطأها العين ، ولكنها
لامست الشق الأول من عنوان الكتاب " العشق على طريقتى " ولم تقترب من
النصف الأخرمن العنوان " بين الدين المنزل والدين المبدل " .. ويبدوا أن
الكاتب أرادها كذلك لأنه عند قراءة الكتاب كاملا نجد أن حظوظ الاشتباك الأرضى بين
الدين المنزل والدين المبدل ليست كبيره ولا تمثل الهدف النهائى من الكتاب بكلياته..
والكتاب يقع فى جزءين رئيسيين هما :.
1- الضفه الأخرى ( سرديه بلا تعريف ) ، وهى تعتبر مقدمه ولكنها ليست تقليديه ،
وذلك لكونها تحتل مساحه كبيره من الكتاب ، وفيها يشرح الكاتب فى سياق تاريخه
الشخصى علاقته بالتصوف التى أرادها بدايه خارجه عن السياق العادى فى الاتصال بالطرق
الصوفيه ، بل أرادها علاقه نبتت على غير موعد وكانها إختيار ربانى لشخصه . وذلك من
خلال إتصاله بشيخه الذى إلتصق به كثيرا للدرجه التى جعلته ملاصقا له فى مصر والسفر
إليه خارج مصر ، أو من خلال الإتصال
الروحانى الذى أوجد له تأصيل مادى بواقع ملموس من خلال مخاطبة شيخه وهم على أبعاد
بعيده .. وكذلك التطرق للبشارات التى وجدها تقف فى طريقه لتنبئه عن سلوكه ومدى
إستقامته على الطريق المستقيم . وما بين كثرة المصطلحات الصوفيه " كالحال ،
والمقام ، والتجلى ، والعشق .... الخ " فجأة وفى مزج بديع يصل الكاتب الحاله
الصوفيه بالحاله الأرضيه من خلال الثوره المصريه فى 25 يناير ، ويظهر لنا ان تلك (
الثوره/ المؤامره ) هى إحدى التجليات والنبؤات التى أخبر عنها من شيخه ، وكيفيه
صعود أبطال الدين المبدل (التيار الدينى) وإمتلاكهم السلطه بقيادة " الأحول
" الذى سيعمد إلى نفع أهله وعشيرته لا نفع الناس بعامه ، وهذا سيكون سبب
سقوطهم وهو ما حدث فى نهاية المطاف .
وفى نهايه القسم الأول من الكتاب فقد بدا لنا ان الكاتب يريد أن يكون على الضفه
الأخرى من الواقع الحادث
فى محاوله فلسفيه صوفيه .. تجعله خارج السياق
العام لما يدور خارج محيطه ، بل ومحكما له . فى برهان حقيقى على ان هناك حاجز
فلسفى يمنعه من الإرتقاء الروحى ، ربما لإنشغاله بما حادث أو محاوله جريئه لروحنة
الحادث نفسه ووصله بالحاله الصوفيه للتخلص
مما علق به من أثام وشرور
2- خلف الجبل ( نصوص بلا تصنيف ) ، وهذا الجزء يعتبر الأكبر حيث يحتل أكثر من ثلثى
الكتاب . وهو ينقسم إلى ثلاث عناوين رئيسيه .. ( فلما تجلى .. وهو يحاوره ) ، (
وما ينبغى له " منه، به ، فيه" ) ، ( كأنه هو " له ، لى ، لكم
") .. وهى عناوين مقسمه إلى نصوص مرقمه ،
ظاهرها أشعار على نمط الشعر الحديث ، لكن الكاتب أرادها تحمل المعنيين ، معنى
للخاصه من الصوفه الذين يقرأون بقلوبهم أصحاب مقام العشق ، ومعنى للعامه ممن
يبحثون على المعانى الظاهريه وتشدهم كلمات
الحب ومعان الجمال بين السطور .. وهى عباره عن حوارات بين الكاتب وشيخه و"
الذات " . وهو فى هذا الجزء حقق ما تكلم به الاستاذ / يوسف زيدان عندما قال
" حلق الصوفيه بأجنحة المحبه والعشق حتى وصلوا إلى أفاق مستحيله ، وبلغوا
منتهى المنتهى ، وقد تجلى ذلك فى عبارات الصوفيه النثريه وكما ظهر فى الشعر الصوفى
.."
ولكن كما أراد أن يكون فى الجزء الأول على الضفه الأخرى ، أراد فى الثانى أن يكون
خلف الجبل بعيدا عن أعين الناس فى محاوله روحيه بحته للبحث عن إجابات لما حدث
وماهو حادث ، فى محاوله جريئه وحديثه لإعادة إنتاج ما ذهب إليه من سبقوه من
المصلحيين الذين رأوا فى الحاله الدينيه وسيله ناجعه للإصلاح بعيدا عن أصحاب الدين
المبدل الذين أفرد لهم الكاتب نصيين متتابعين بعنوان " الدين النقيض 1 ، 2
"
*** وما بين الضفه
الأخرى وما بين خلف الجبل ، يتبين لنا ان الكاتب يعانى ازمه حقيقيه فى إعادة طرح الصراع
الفلسلفى الدينى والتصوف ، وكذلك محاولة مزجهم للخروج بحل وسط يجمع بينهم من أجل
الوصول إلى الحقيقه وطريق جديد يجد فيه الكاتب الحل الناجع لأزمه المجتمع الإسلامى
...................................................................................................................
(3 ) البحث عن الإجابه
كنا قد طرحنا أنفا وقلنا أن الكاتب يتطرق إلى محاوله جديده وجريئه لمحاولة إيجاد
طريق ثالث من أجل الوصول إلى حلول عصريه وجريئه للواقع الدينى المأزوم فى العالم
الإسلامى ، وهو بذلك قد يكون أجاب عن
سؤالى الأول الذى طرحته عليه سابقا عن ماهية الكتاب وتوجهاته ؟
لكن يبدوا أن طريقه الثالث لن يمر بسهوله دون الإجابه عن السؤال الثانى وهو ما علاقه
ما يحويه الكتاب من الكفر ؟؟ .. وهنا يصبح تفكيك عنوان الكتاب هو المفتاح الحقيقى
للإجابه عن السؤالين معا كالتالى :
1- فالكاتب فى الشق الثانى من العنوان " بين الدين المبدل والدين والمنزل
" ينحى بنفسه نحو ما عرف إصطلاحا بالفلسفه الوجوديه الإسلاميه والتى يرى فيها
الحل للوقوف فى وجه التطرف ومحتكرى الدين ، وهى مدرسه " أرادت أن تكتشف معنى
الوجود الإنسانى كى تعلم الإنسان إنسانيته أو وجوده الحقيقى أو كيف يحقق وجوده أو
وجود الله فيه .." ومن اعلام هذة المدرسه د.محمد إقبال المجددى الشاعر
العظيم ، والملقب برائد تلك المدرسه والذى
قال " أيها الناس إن مشكلاتكم التى تضجون منها ، حلها بيدى وهذا هو المفتاح (المصحف)،
فما عليكم إلا أن تنصرفوا عليه ، ثم تستعملوه على وجهه " وهو بذلك يضع الدين
بوجهه الصحيح حلا لمشكلات الناس بعيدا عن مقدسى العبادات ومتطرفى الأفكار ..
وهذه المدرسه ترى أن ما تدعوا إليه لم تحققه إلا الصوفيه فى كثير مما تدعوا إليه ،
وهو ما يلخصه أبرز رواد تلك المدرسه الحاليين عبدالرزاق الجبران فى مقولة "
الحقيقه ليست بعيده .. الأسماء تبعدها "
وهذه المدرسه فى حالة صدام دائم مع محيطها من النصوصيين ومحتكرى الدين لذلك نرى
أنصارها مطاردين ومنفيين وفى حاله حراب دائم على كافة الأصعده .. رافعين لافته
إصلاحيه كبيره عنوانها " أردنا أن نصلى خارج المعبد ، فلم يقبلوا صلاتنا
" .. ولكن هيهات التكفير لهم بالمرصاد
2- الجزء الأول من العنوان " العشق على طريقتى " .. وحالة العشق هذه هى
حاله مختلف عليها فهناك من الصوفيه أنفسهم من ينكرها ، ومنهم من يرى فيها إحياءا
لعقيدة الحلول الفاسده ، وهنا تكون إجابة سلطان العاشقين " روزبهان النقلى
" الملقب " بالشطاح " هى الفاصله عندما يقول " ولما أراد
_تعالى_ أن يفتح كنز الذات بمفتاح الصفات ، تجلى على أرواح العارفين بجمال العشق ،
وظهر لهم بصفات خاصه ، وأنهم حصلوا فى كل صفه لباسا فمن العلم علم ، ومن القدره
قدره ، ومن السمع سمعا ، ومن البصر بصرا ، ومن الكلام كلاما ، ومن الإراده إراده ،
ومن الحياة حياة ، ومن الجمال جمال ، ومن العظمة عظمه ، ومن البقاء بقاء ، ومن
المحبة محبه ، ومن العشق عشقا . كانت كل هذه ( هو) فبرز (هو) فيهم ، وأثرت الصفات
فيهم ، والصفه قائمة بالذات فأصبحت صفتهم قائمة من أثر ذلك ، ولا يوجد من الحلول
شئ فى هذا العالم : العبد عبد ، والرب رب " ..
ولكن هل تنفى تلك الإجابه لروزبهان النقلى ، عن أصحاب مقامات العشق شبهه التكفير ،
أعتقد أن الإجابه الصحيحه " لا " .. لكن كلا يمضى فى طريقه .. وكما قال
سلطان العاشقين " العشق سيف يقطع رأس الحدوث من العاشق وهو ذروة قاعدة الصفات
، فما وصلها روح العاشق إلا وإستسلمت للعشق ، وكل من صار معشوقا للحق وعاشقا للحق
لا يستطيع النزول من تلك الذروه ويصير فى العشق متحدا بالعشق "
................................................................................................................
( 4 ) الخاتمه
إن
قراءة الكتاب قراءه متأنيه ، ملمه بقواعد المصطلح الصوفى ومقتضيات العمل به ،
ستجعل من السهل الوصول للحقيقه التى يريد الكاتب أن يصل بها بمن يقرأ كتابه الوصول
إليها دون معاناة حقيقيه ..
والكتاب فى حد ذاته محاوله جريئه لمزج الفلسفه الوجوديه بعد أسلمتها ووضعها فى
إطار صوفى باحثا عن طريق ثالث لصد الهجمات عن الدين من أعدائه الخارجيين ومحتكرى
الدين والتكفيريين فى الداخل ، ولكن فى الواقع أعتقد أنها محاوله لن يكتب لها
النجاح بسبب واقع مأزوم نعيشه ،أو ربما لعدم تمكن الكاتب من طرحها عمليا وإطلاعنا
على تجارب حيه لإمكانيه التنبؤ بنتائجها على أرض الواقع ..
ويتبقى أن نقول أن الكتاب بمثابة حجر كبير ألقى فى مياه راكده ، أعتقد أنه سيثير
جدلا كبيرا ربما ما توالى الأيام ، وأكاد أشفق على الكاتب مما سيجد فى طريقه فى
محاوله إثبات أن ما ذهب إليه هو الطريق الصحيح لتصحيح المفاهيم ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه