السبت، 27 نوفمبر 2021

إفتتاح قناة السويس .. إشارات ودلالات على الممر






بقلم / ياسر رافع

الوطنيه مصطلح يدل على المواقف الإيجابيه المؤيده للوطن من قبل الأفراد والجماعات ، وهو يستخدم بطرق مختلفه ومتباينه فى التعبير عن نفسه فى زمن السلم، مثل الفخر بالثقافه الموروثه أو الفخر بالإنجازات الوطنيه . أما فى زمن الحرب فلا صوت يعلو على صوت الوطنيه ، وتظهر المزايدات المبالغ فيها التى تعمى عن الحقائق فى أحيان كثيره  بإسم الوطنيه ونصبح أسرى تجار الوطنيه من هتيفة كل نظام سياسى ، فى الوقت الذى يجب أت تكون حقائق الأمور واضحه وبشفافيه خصوصا عند المنعطفات التاريخيه .

ويبقى إفتتاح قناة السويس مثالا صارخا على المزايدات الوطنيه ، حتى أصبح من يفكر مجرد التفكير فى مراجعة بعض تفاصيل مشروع قناة السويس الجديده هو مارق بالضرورة ولا يجب أن يخلع عليه رداء الوطنيه ، فى الوقت الذى تمر فيه مصر بمنعطف تاريخى سيحدد شكل مصر والمنطقه وربما العالم كله إلى نهاية القرن الواحد والعشرون . ولكن يأبى هتيفة الوطنيه إلا ان يقيموا حاجزا بين الشعب ونظام الحكم ، وتناسوا أن مشهد إفتتاح قناة السويس _ حتى وإن طرأ تغير على القناة _ هو حدث مكرر لثالث مره فى تاريخنا المصرى المعاصر وللمفارقات العجيبه أن الإفتتاحات تمت وستتم مواكبه لمنعطفات تاريخيه شكلت تاريخ مصر والمنطقه والعالم ، لذلك يجب أن نضع الحدث التاريخى فى سياقه معبرا عن حقائق الأمور بشفافيه حتى لا نكرر أخطاء تمت مواكبه لإفتتاحات القناه السابقه ..
فالخديوى إسماعيل كان له حلم ان يحول مصر إلى قطعه من أوروبا فى إطار عمليه تحديث واسعه لمصر ، لذلك أكمل ما بدأه خلفه الخديوى سعيد عندما عرض عليه " ديليسيبس" المهندس الفرنسى  فكرة حفر قناه تصل البحرين الأحمر والمتوسط لتوفير المال للتحديث ، هنا قام إسماعيل بتوفير المال اللازم والعمال المصريين بمساعده فنيه فقط لفرنسا بحفر القناه فى ظروف أقل ما توصف بأنها عبوديه ، وتم له ما أراد وأقام إحتفالا أسطوريا لإستقبال الملوك والأمراء من كل الدول يوم إفتتاح قناة السويس ، ولكن تعثر مشروعه التحديثى وإستدان من الخارج وأصبحت مصر مديونه مما حدا به إلى بيع حصة مصر فى قناة السويس للفرنسيين والإنجليز الذين تقاسما السيطره على القناة لأنها قد أصبحت ممرا إستراتيجيا يحقق لمن يتحكم فيه السيطره على المنطقه كلها . ولم يجن إسماعيل ولا الشعب من وراءه إلا أن أصبحت مصر مفلسه وتحت الوصايه وصولا للإحتلال الكامل ، ولم نجن من الإحتفالات الأسطوريه شيئا ..
وبعد ما يربوا من الثمانين عاما وبعد إزالة أثار العدوان الإسرائيلى بعد حرب أكتوبر المجيده ، وبعد أعمال التطهير الكامل للمجرى الملاحى لقناة السويس ، أراد الرئيس السادات أن يفتتح القناة ليعلن للعالم أن مصر قادره وأنها فى سبيلها للتنميه الإقتصاديه بعد الحرب ، وأن قناة السويس شريان الحياة للتجارة الدوليه ستحقق ما تريده مصر من ربطها بالإقتصاد العالمى . وقام بعمل إفتتاح كبير ومظاهره بحريه كبيره فى المجرى الملاحى للقناه معلنا إعادة إفتتاح القناه للملاحه البحريه .  وكما حدث بالماضى فقد تعثر مشروع التنميه الإقتصاديه وأصبحت مصر تعانى مأزقا إقتصاديا خانقا جعل السادات فى مرمى الشعب الجائع مباشرة ، كل هذا جاء مع تعاطى مصر القياده مع التغييرات الإستراتيجيه فى المنطقه المواكبه لبدايه العصر الأمريكى فى المنطقه ، والذى وقف حائلا دون التنميه الإقتصاديه حتى تغير مصر سياستها لتتماشى مع السياسه الأمريكيه فى المنطقه .
وياتى الإفتتاح الثالث والذى يبعد عنا أياما قليله ليخبرنا بإشارات لا تختلف كثيرا عما سبق كثيرا ، فمصر تمر بمنعطف تاريخى مهم لها وللمنطقه ، فبعد ثورة 25 يناير وما واكبها من إحداث فقد أفرزت وضعا إقتصاديا مزريا ووضع إستراتيجى مفزع نتيجه تدهور وسقوط دول أعمده النظام العربى ، كل هذا مواكبا لمحاولات تشكيل نظام عالمى جديد لاشك أن الممرات البحريه وخاصة قناة السويس ستشكل عماد السياسه العالميه الجديده ، فى وسط هذا البحر المتلاطم بالأحداث المتسارعه ، فقد رأت القياده الجديده برئاسه الرئيس السيسى أن السبيل الوحيد للخروج من المأزق الإقتصادى هو بناء محور إقتصادى تكون قناة السويس هى عماده ، فأمر بعمل قناة جديده متفرعه من الممر الرئيس لتسهل حركة الملاحه وتكون بدايه لمشروع متكامل يدر دخلا سنويا يقارب 100 مليار دولار حال إكتمال المشروع .
وعلى الرغم من الأخبار المتواتره عن تفاصيل الإحتفال الذى أرادته القياده الجديده أن يكون مبهرا كسابقيه ، إلا ان إشاراته لم تتغير ، حتى وإن بدا فيه نوع من المصالحه التاريخيه كدعوه ملك مصر السابق " أحمد فؤاد " أو ظهور اليخت الملكى " المحروسه " كلاكيت تانى مره بعد إفتتاح 1975 ، أو دعوة رؤساء من الشرق أو الغرب المتنافسين على كعكه العالم لإظهار مصر بمظهر الإستقرار والقدره على البناء ، فحال مصر هو الحال فى الثلاث إفتتاحات تعثر إقتصادى ، وتغيرات إقليميه وعالميه متسارعه ، قناة السويس فى بؤرة الصراع الدولى ، عدم وجود تنظيم سياسى فاعل وقادر ،
لذلك سيادة الرئيس ونحن على أعتاب البدايه الحقيقيه لمشروع تنميه محور قناة السويس ، فنحن ندرك أن المشروع كبير ، ونعى حجم التحديات التى تحيط بمصر ، وندرك أن الإفتتاح هو البدايه وليس نهاية الحلم ، وأن الحلم الكبير مؤجل لعشر سنوات مقبله ، ولكن يجب أن تتم إصلاحات جذريه فى بنيه الإقتصاد الوطنى مواكبه لجو من الشفافيه بين النظام الحاكم والشعب عبر أليه  إقتصاديه و سياسيه منضبطه تضمن الإستقرار ، بعيدا عن هتيفة الوطنيه ومحتكريها من أذناب كل الأنظمه ، نحن نريد زمنا جديدا نتلافى فيه أخطاء من جعلوا قناة السويس عمادا أساسيا لتحديث مصر ، وأن يكون المشروع الجديد عنوانا عريضا لإستقلال القرار الوطنى بعيدا عن المزايدات الدوليه والداخليه . وأن الإحتماء بالشعب هو الملاذ الوحيد للخروج من كل الأزمات
 نريد وطنا جديدا .. بروح عمل جديده ، حتى لا تطالبك الأفواه الجائعه بما طالبت به الرئيس السادات ، ولا بما طالبت به القوى الإستعماريه الخديوى إسماعيل ..
تحيا_مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...