السبت، 27 نوفمبر 2021

فرنسا .. ملئ فراغ أم حرب بالوكاله




بقلم / ياسر رافع

هل تحدد العلاقه بين فرنسا والولايات المتحده الأمريكيه شكل ومستقبل المنطقه العربيه ؟ يبدو أنه للإجابه عن هذا التساؤل _ والذى يراه كثير من الناس والمحلليين خارج عن السياق التقليدى للتفكير العربى القائم على أحاديه التفكير ، القاصر على المشاهدات دون التعمق فى قراءة ما وراء السطور والأحداث _ فإنه يجب النظر إلى العلاقه الأمريكيه الفرنسيه على إنها صراع مصالح ولكنه من منطق أخر صراع إرادات غير متكافئ ، خصوصا وأن الصراع يطال المساحه الأهم فى العالم وهى العالم العربى والشرق الأوسط برمته .

وقد لعب صراع المصالح دورا كبيرا فى بلورة شكل العلاقه الأمريكيه الفرنسيه إلى حد كبير ، بعيدا عن شكل التحالف القائم بينهما .. فأمريكا ترى أن فرنسا أخذت دورها فى القياده وأنه لا مجال لعودتها مرة أخرى إلا من خلال تفاهمات جديده وإداره جديده للعالم تحتفظ فيها أمريكا بالقياده . ولا مانع من دور فرنسى بارز يحقق المصلحه الأمريكيه بالاساس ، ويعطى فرنسا إحساس بالوهم الإمبراطورى القديم
لذلك ففى مؤتمر " يالطا " فبراير 1945 وقبيل إنتهاء الحرب العالميه الثانيه بشهور قليله ، إجتمع قادة الإتحاد السوفيتى وأمريكا وبريطانيا ، ليحددوا شكل وحدود المصالح بينهم بعد إنتهاء الحرب ، وقد غابت فرنسا عن المؤتمر ، وعندما سأل رئيس الوزراء البريطانى " تشرشل " الرئيس الامريكى " إيزنهاور " لماذا لم تتم دعوة فرنسا بإعتبارها قوه عظمى ؟ فرد قائلا " إنها دوله تم إحتلالها من ألمانيا ونحن من حررناها ولا مكان لها بين المنتصريين " . هكذا تم شطب الدور الفرنسى من قبل القوى الجديده القائدة للعالم الجديد ، ولكن تم الإبقاء على دور رمزى لا يعدو الإعتراف لها ببعض النفوذ فيما تبقى لها من التأثير اللغوى فيما عرف لاحقا بالفرانكوفونيه ..
أما فيما يخص المنطقه العربيه ، فبعد الحرب العالميه أخذ دور أمريكا يزداد فى المنطقه للإستحواذ على الميراث الفرنسى .. وهو ما تجلى فى النفوذ المتزايد فى المغرب العربى ، والإعتراف بالثورات العربيه ، بل والوقوف الشهير ضد العدوان الثلاثى 1956 على مصر ، وذلك من أجل إنهاء النفوذ الفرنسى فى المنطقه العربيه إلى الأبد وهو ما تحقق فى النهايه ..
ومنذ تلك اللحظه أصبحت علاقه فرنسا بالمنطقه تحدد صعودا وهبوطا بمدى قوة أو ضعف العلاقه بينها وبين أمريكا ؟ وكذلك بمدى الحاجه الأمريكيه للمساعده الفرنسيه  فى ضبط الإيقاع فيما لا يخالف الإطار العام الخاص بترتيبات مؤتمر " يالطا " ..

فأمريكا إحتاجت فرنسا لمكافحة الشيوعيه ومحاصرة روسيا فى المنطقه العربيه وأفريقيا ، ووافقت على قيام تحالف عربى _ فرنسى فيما عرف " بنادى السفارى " لمكافحة الشيوعيه تحت الإشراف الأمريكى  ، وانتهى دوره . بإنتهاء الغرض منه ..
ثم السماح الأمريكى بتوريد السلاح الفرنسى لتعويض نقص التكنولوجيا الأمريكيه لدى العرب ، حتى تكون فى منأى من الإنتقادات الإسرائيليه وإنتقادات الداخل الأمريكى المعادى للعرب
وهكذا صارت العلاقه الفرنسيه بالمنطقه العربيه ، يعبرعنها ترمومتر العلاقه الأمريكيه _ الفرنسيه  حتى قبيل ثورات الربيع العربى وتحديد إستراتيجيه جديده لقيادة العالم ، وإحتياج أمريكا لدور فرنسى مساعد وفاعل فى نفس الوقت ويتماهى مع الإسترتيجيه العامه .. فكان الوجود الفرنسى فى دولة الإمارات فى مواجهه النفوذ الإيرانى المتنامى ..
حتى قامت ثورات الربيع العربى ، ومع رغبه أمريكا فى تغيير الأنظمه العربيه  وإحلال مكانها أنظمه راديكاليه دينيه معتدله ، نرى أنها إستعانت بفرنسا لضرب النظام الليبى وإسقاطه ، وكذلك إستعانت بها بل وساعدتها بقوه من أجل القضاء على الجماعات الإسلاميه المسلحه بشمالى جمهورية مالى .. لأن أمريكا رأت ان ذلك خطر يدعم الأصوليه الإسلاميه فى مواجهه النفوذ الأمريكى_الإسرائيلى ، وهو ما أعتبر مقدمه لسقوط التيارات الدينيه السياسيه فى المنطقه العربيه
ومع تداعى الأحداث وسرعة إيقاعها فقد بدا واضحا أن أمريكا تريد فرنسا فى مناطق عربيه دون أخرى فهى لا تريد تنامى نفوذها فى المغرب العربى ولا فى سوريا ، خوفا من أحلام إمبراطوريه فرنسيه قديمه ، وفى المقابل لم تمانع فى أدوار كبيره فى مناطق أخرى ، فمثلا لم تمانع التقارب السعودى_ الفرنسى من اجل تسليح الجيش اللبنانى ، وكذلك لم تمانع عقد مصر لصفقات كبيره للسلاح الفرنسى ، كما لم تمانع فى الظهور الكثيف للدبلوماسيه الفرنسيه فى منطقة الخليج وفى الأزمه اليمنيه ..
ويبدو من خلال المؤشرات الجديده التى تتداولها وسائل الإعلام أننا مقبلون على دور فرنسى جديد ، يساند الموقف الأمريكى فى المنطقه ، ويتماهى مع المصالح العربيه الحاليه ، وهو ضبط الإيقاع فى " ليبيا " ما بعد سيطرة المليشيات المسلحه . فهل تكون حربا جديده بالوكاله ، كما حدث فى مالى سابقا ؟؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمه ..
ولكن تبقى كلمه لبلادى العربيه إلى متى نحتاج إلى قوى خارجيه تنظم لنا شأننا الداخلى ، وهل سيفضى التبرم العربى الحالى من السياسه الأمريكيه إلى واقع جديد ؟ أم سيسلمنا هذا التبرم إلى وكيل جديد يملئ لنا فراغ القوه ، ويخوض عنا حربنا بالوكاله  ؟؟  فرنسا لا تصلح لملئ الفراغ ولا تقدر عليه ، إنها تصلح وكيل مؤقت ، ولكن يجب الحظر ثم الحظر من طلبات الوكيل بعد الإنتصار ..
إنى أكاد أسمع هدير المدافع وأزيز الطائرات من بعيد .....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...