بقلم / ياسر رافع
الملك المصرى القديم رأى رؤيا مزعجه تخبره بأن هناك سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، ولما صحا من نومه فزعا لم يستطع من حوله أن يفتيه فى رؤياه ، فتطوع أحد المحيطين به وذهب الى نبى الله " يوسف " فى السجن وطلب منه تفسيرا لرؤيا الملك ، ففسرها بأنه ستأتى سنوات سبع فيها رغد من العيش يعقبها سنوات سبع عجاف يكون فيهم الجفاف والقحط . فعرف الملك وأخرج يوسف من السجن وطلب منه أن يجد له حلا للخروج من هذا المأزق قبل حدوثه ، فأشار عليه يوسف أن تقوم الدوله بالزراعه والعمل الجاد لمدة سبع سنين ويقوموا بتخزين ما يساعدهم على تجاوز السنيين العجاف حال حدوثها .. وهكذا تم تجاوز السبع العجاف ، وتجاوزت مصر كلها خطر القحط والجفاف بفضل إدارة نبى الله يوسف الذى عينه الملك وزيره الأوحد ..
ولكن مما لاشك فيه أن زمن الملك ويوسف النبى وزمن المعجزات قد إنتهى ، ولم يتبقى
غير الإداره الواعيه الرشيده القادره على إدارة الدوله بعيدا عن الأهواء والتجارب
الفاشله التى تحمى الوطن من المزالق ، ولعل هذا ما تذكرته وأنا أشاهد على شاشات
الفضائيات ذلك الهجوم الذى قامت به مجموعات إرهابيه على الجيش المصرى فى سيناء ، ولم
أصدق ما يحدث أمامى و تصورت أن ذلك حلما كبيرا بل هى أضغاث أحلام ، ومع البيان
العسكرى وجدت أن ما كنت أشاهده حقيقه وعلى الرغم من التصدى الكامل للجيش لتلك
المجموعات إلا أننى قد أصبحت متيقنا أننا على أعتاب سنين عجاف ،أبت إلا ان تأتى
فجأه دون سابق رؤيا ، ووجدتنى أعيد قراءة كتاب " إدارة التوحش " لأبوبكر
ناجى ، الذى يعطى لنا تفسيرا لواقع الحال فى سيناء والمنطقه العربيه كلها من خلال
عرض و تحليل شيق لأسلوب عمل المجموعات
الإرهابيه وخاصة داعش ، وهدفها من تلك العمليات الإرهابيه ، والتى يحدثنا من خلاله
على أن الهدف الأساسى هو تهيأة المناخ لمرحلة ما قبل قيام الدوله الإسلاميه الكبرى
، وهى ما تعرف بمرحلة " إدارة التوحش" أو ما يعرف بمرحلة ما قبل قيام الدوله والتى
تعنى إنهيار قوه الدوله المستهدفه وتحول مناطق تلك الدوله بالفطره إلى مناطق
وقطاعات والتى يكون فيها التنظيم مسيطرا على مساحات واسعه من الأرض يمارس فيها
إدارته ، وقد حدد دول يسهل فيها إيجاد مناطق لإدارة التوحش وهى اليمن وبلاد
الحرمين وبلاد المغرب ونيجيريا والأردن وباكستان ، وقد إختار تلك الدول لوجود مناطق
بعيده عن سيطرة الدوله ووجود تضاريس تسهل عمل التنظيم لضعف مركزية الدوله عليها ،
ووجود مد جهادى فى تلك الأطراف وإنتشار السلاح بأيدى الناس كسلوك إعتيادى ، وكذلك
طبيعة الناس بها الذين لا يعولون على الدوله فى إدارة شئونهم
هنا ينشط التنظيم الإرهابى فارضا سيطرته على تلك البقاع بأساليب الترهيب والقوه
الغاشمه التى تسمح له بإنشاء كيان منفصل عن الدوله تحت مسمى إدارة التوحش مهمته تهيئة
الناس لقيام الدوله الإسلاميه المزعومه عبر نشر الامن الداخلى وتوفير العلاج
وتأمين مناطق التوحش من غارات " الأعداء" وإقامة القضاء الشرعى بين
الناس ورفع المستوى الإيمانى والكفاءة القتاليه وإستكمال بناء جهاز الإستخبارات ،
وهم بذلك يستلهمون أسلوب إدارات " الدول القلاع" أيام الحروب الصليبيه
والتى قامت منفرده فى إنتظار القائد المغوار الذى يوحد تلك الدول فى دوله كبيره
عظيمه تمهد لدولة الخلافه ، هذا فى المناطق المرشحه لذلك التنظيم إضافة للعراق
وسوريا ، ولكن هل مصر تصلح لبيئه " إدارة التوحش " الإرهابيه ؟؟
بالطبع تتوافر عوامل كثيره منها أن المنطقه المستهدفه " أطراف سيناء "
بعيده عن المركزيه وإنتشار السلاح امر مألوف بين الناس ناهيك عن إهمال الدوله
لعقود طويله للتنميه فى سيناء مما جعل الناس لا يعولون على الدوله فى تصريف أغلب
شئونهم ، وكذلك صعوبة التضاريس بها ، وهو الأمر الذى أدى إلى توفير بيئه صالحه
لظهور التنظيمات الإرهابيه ، ولكن على الرغم من توافر تلك الظروف إلا أن تلك
التنظيمات تعانى فى إيجاد مناطق لإدارة التوحش بسيناء وذلك لعامليين حددهما الكاتب
وهما قوة الجيش المركزى وقوة الشعب لذلك يلجأ التنظيم إلى خلق حالة فوضى تمكنه من
السيطره على مناطق وأراض كبيره ، وذلك عبر ما يسمى " مرحلة شوكة النكايه
والإنهاك " والتى يلجأ فيها التنظيم الإرهابى إلى إتباع أساليب حددها لنفسه
منها :
- إنهاك قوات " العدو" والأنظمه العميله
- جذب شباب جدد للعمل الجهادى
- إخراج المناطق المختاره من سيطرة الأنظمه ومن ثم العمل على إدارة التوحش
وهذا يفسر حجم العمليه الأخيره فى سيناء ضد الجيش المصرى والذى تمت من أجل إيجاد مناطق يسهل التحكم فيها ومن ثم إضعاف الدوله المركزيه ، تحت وهم وزعم أن هذه " هى الطرق السننيه لسقوط الحضارات الفاسده وبناء الحضاره المثاليه "..
وبعد هذا التفسير الواضح الذى جاء على يد أحد مؤيدى داعش وليس على يد نبى مرسل ، فى زمن أصبحت الحقائق لا تقبل التأويل ، أين الدوله المصريه ؟؟ وما هى الأليات التى ستتخذها ضد وقف المد الإرهابى فى سيناء ؟؟ أستعتمد الحل الأمنى فقط وتترك كل عوامل نمو الإرهاب الأخرى دون علاج ؟؟
يبدوا أن الدوله المصريه تدرك أهمية ما تقوم به فى سيناء ، ولكن عليها أيضا ان تدرك أن زمن يوسف النبى قد ولى ولم تعد السماء تؤيد إلا من ياخذ بالاسباب ويعمل ، وأن الإداره السليمه للخروج من مأزق السنوات العجاف " الإرهاب " تقتضى كما فى زمن النبى يوسف أن تتشارك الدوله مع الشعب ككتله واحده متماسكه من أجل الخروج من نفق السنوات العجاف بالعمل الجاد الدؤوب التنموى فى كل ربوع مصر وخاصة فى سيناء البعيده عن مركز الحكم .. وإلى ان يحدث هذا ستظل سيناء تراوح مكانها بين إدارة الدوله ومحاوله التنظيمات الإرهابيه محاولة إيجاد مناطق تمارس عليها إدارة توحشها ، وفى الحالتين سيبقى المواطن المصرى فى سيناء بين شقى رحى الحرب على الإرهاب ومن الإرهاب فى إنتظار نهاية السنوات العجاف " الإرهاب " وبدايه السبع السمان التى تفيض خيرا وبركه بعيدا عن الإرهاب ومناظر الدماء والأشلاء المتناثره
لا للإرهاب .. عاشت مصر وعاش شعبها ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه