بقلم / ياسر رافع
لا شك أن فى التاريخ مقابلات وشواهد لا تزال حيه ، تحمل فى طياتها جوانب مضيئه ، نستطيع من خلالها وبها محاولة إصلاح ما شاب حياتنا من خلل على الرغم من مضى السنوات الطويله، والتى ربما يحلوا للبعض الحكم على أحداثها التاريخيه وكأنها غير قابله للتكرار ، نافيين وحده الفعل البشرى بصفة عامه ، وهو ما تم فى سياق عملية النصح التى قام به كلا من " ميكيافيلى " و " إبن المقفع " حيث أهمل المؤرخون الفعل الأساسى لعمليه نصح كلا منهما للحاكم ، وحكموا على كلا منهما فى الأولى بالإنتهازيه السياسيه ، وفى الثانيه بالكفر والزندقه ، فى واحده من كبريات الإهمال التاريخى لسياق الأحداث التاريخيه والمجتمعيه ، والتى بالضروره تتسق مع إلتصاق المؤرخون فى معظم الحالات بدوائر السلطه ، والتى بالضروره لا تريد إلا مؤرخين يرفعون من شانهم دون الإشاره لأحد غيرهم مطبقين مقولة " بن خلدون ": فاز المتملقون "ولذلك تصبح حالة ميكيافيلى مع أسرة " مديتشى " الحاكمه فى فلورنسا ، وحالة ابن المقفع مع الخليفه المنصور حاكم الدوله العباسيه ، حاله فريده فى التاريخ القديم يقاس عليها مدى خروج المصلحون عن السياق العام للمتملقين حول الحكام موجهين النصح لهم من أجل صلاح الاحوال ، مستغليين قربهم من دوائر الحكم فى الحالتيين ، ولكن على الرغم من أن ميكيافيلى قام بنصح الأمير واضعا نصائحه بين دفتى كتاب " الامير" إلا أنه جوبه بتجاهل تام وربما خشونه فى التعامل ، ولم يأخذ الأمير بالنصيحه ، وزالت دولته ، وأصبح بعدها ميكيافيلى على يد المتملقيين الحاقدين ، مؤسس الإنتهازيه السياسيه ولكن التاريخ أنصفه وأصبح بعد موته الفيلسوف الأول لكل حاكم وسياسى فى عصرنا الحديث .
لكن تبقى حالة نصح " بن المقفع " للخليفه العباسى المنصور الشهير بالسفاح ، هى الحاله التى تعبر عن الوضع العربى والاسلامى بعامه ، فهو المثقف النابه صاحب الإنتاج الأدبى الغزير ذو العقليه الإداريه الكبيره والذى عمل بالقرب من دوائر السلطه ، وهى المكانه التى جعلته ينظر بعين الولاء للحكم بعامه دون النظر للحاكم من أجل صلاح الأحوال ، فنراه يكتب خطابا مفتوحا للخليفه المنصور، أسماه " رسالة بن المقفع فى الصحابه " والتى يعنى بها صحابة الخليفه وبطانته ، وفيها وجه نقدا صريحا لتلك البطانه وإتهمهم بإرتكاب أعمالا قبيحه ، وكذلك إنتقد مغالاة الجند فى فهم معنى الطاعه للخليفه والتى يتم التجاوز بإسمها ومن خلالها ، وهو ينصح الخليفه من خلالها أن يختار الأكفاء والأخيار موضع القياده .
ولكن ما حدث بعدها أن " بن المقفع " ظن وهما ان الخليفه قد قرأ رسالته وأنه أصبح موضع ثقته ، لكنه بدلا من ذلك مات ميته شنيعه على يد أحد بطانه الخليفه الوالى" سفيان المهلبى " حيث قام بتقطيع جسد ابن المقفع قطعه تلو الأخرى وهو حى ورميها بالنار . وهو ما دفع بإبن المقفع أن يوجه حديثه لقاتله قبل أن يموت قائلا : إذا مات مثلى ، مات بموته خلق كثير .. وأنت تموت ليس يدرى بموتك الصغير ولا الكبير ..
ولم يسكتوا عليه بالموت ، بل وصفوه بالكفر والزندقه ليكون عبره لكل من تسول له نصح الحاكم .
هكذا حال المصلحين الذين تصوروا أن مهمتهم سهله يسيره ، حتى وإن كانوا متصليين بدوائر الحكم بطريقه أو بأخرى ، أو متسلحيين بعلمهم وكفائتهم ، ذلك لأن المتملقون لهم بالمرصاد على مدار التاريخ والذين يجدون أذانا صاغيه من الحكام ، مصورين الحكام على أنهم ألهه لا تخطأ ، حتى إن تجاهل الحاكم النصح وتمادى فى فعله ، كانت نهايته السقوط ، عندها سارعوا للحاق بموكب الحاكم التالى ..
وإننا فى حالة مع بعد ثورة 25 يناير كنا تواقيين لميكيافيلى يحافظ على كيان الجمهوريه الجديده ، وابن مقفع ينصح الحاكم من بطانة السوء ، ولكن يبدو أن المتملقيين هم من سارعوا لتصدر المشهد العام وكانوا أول الواصليين فى غمرة الفرحه بالثوره وسيولة الأحداث ، حتى أننا نكاد نراهم فى كل مكان متسلحيين بوسائل إعلام جباره ، يعملون حائط صد ، ضد كل محاولات الناصحيين للوصول للحاكم الجديد ، ناشرين روح اليأس لدى الجماهير العريضه من جدوى الإصلاح متذرعين بأن كم المؤامرات الداخليه و الخارجيه تمنع النظر لدعاوى النصح لأنها تتعارض مع الحرب التى تقودها الدوله ضد الإرهاب ..
لذلك إذا أراد رئيس الدوله أن تصلح احوال البلاد ، فعليه أن يبعد المتملقون عن دائرة الحكم والإعلام ، وأن يستمع للناصحيين الذين يوصلون أصوات الشعب لأذانه ، موضحيين له مواطن الخلل فى عملية إدارة البلاد واضعين خرائط طرق للخروج من الأزمات المتتاليه داخل المجتمع ، الذين يحمون الحاكم من بطانه السوء التى لا تريد إلا مصالحها بعيدا عن مصلحة البلاد والعباد ، الذين ظنوا أنهم ربحوا معركة الحكم مرة أخرى معلنيين أن لا تغيير وأننا باقون رغم أنف الناصحيين ..
هل يكون مصير الناصح هذة الأيام ، التجاهل والإهمال كمكيافيلى ، أو تقطيع اوصاله مثل ابن المقفع ؟؟ أعتقد أن الإجابه متروكه لقادم الأيام ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه