السبت، 27 نوفمبر 2021

رسالة بن رافع فى الصحابه




بقلم / ياسر رافع

لا شك أن فى التاريخ مقابلات وشواهد لا تزال حيه ، تحمل فى طياتها جوانب مضيئه ، نستطيع من خلالها وبها محاولة إصلاح ما شاب حياتنا من خلل على الرغم من مضى السنوات الطويله، والتى ربما يحلوا للبعض الحكم على أحداثها التاريخيه وكأنها غير قابله للتكرار ، نافيين وحده الفعل البشرى بصفة عامه ، وهو ما تم  فى سياق عملية النصح التى قام به كلا من " ميكيافيلى " و " إبن المقفع " حيث أهمل المؤرخون الفعل الأساسى لعمليه نصح كلا منهما للحاكم ، وحكموا على كلا منهما فى الأولى بالإنتهازيه السياسيه ، وفى الثانيه بالكفر والزندقه ، فى واحده من كبريات الإهمال التاريخى لسياق الأحداث التاريخيه والمجتمعيه ، والتى بالضروره تتسق مع إلتصاق المؤرخون فى معظم الحالات بدوائر السلطه ، والتى بالضروره لا تريد إلا مؤرخين يرفعون من شانهم دون الإشاره لأحد غيرهم مطبقين مقولة " بن خلدون ": فاز المتملقون "
ولذلك تصبح حالة ميكيافيلى مع أسرة " مديتشى " الحاكمه فى فلورنسا ، وحالة ابن المقفع مع الخليفه المنصور حاكم الدوله العباسيه ، حاله فريده فى التاريخ القديم يقاس عليها مدى خروج المصلحون عن السياق العام للمتملقين حول الحكام موجهين النصح لهم من أجل صلاح الاحوال ، مستغليين قربهم من دوائر الحكم فى الحالتيين ، ولكن على الرغم من أن ميكيافيلى قام بنصح الأمير واضعا نصائحه بين دفتى كتاب " الامير" إلا أنه جوبه بتجاهل تام وربما خشونه فى التعامل ، ولم يأخذ الأمير بالنصيحه ، وزالت دولته ، وأصبح بعدها ميكيافيلى على يد المتملقيين الحاقدين ، مؤسس الإنتهازيه السياسيه ولكن التاريخ أنصفه وأصبح بعد موته الفيلسوف الأول لكل حاكم وسياسى فى عصرنا الحديث .
لكن تبقى حالة نصح " بن المقفع " للخليفه العباسى المنصور الشهير بالسفاح ، هى الحاله التى تعبر عن الوضع العربى والاسلامى بعامه ، فهو المثقف النابه صاحب الإنتاج الأدبى الغزير ذو العقليه الإداريه الكبيره  والذى عمل بالقرب من دوائر السلطه ، وهى المكانه التى جعلته ينظر بعين الولاء للحكم بعامه دون النظر للحاكم من أجل صلاح الأحوال ، فنراه يكتب خطابا مفتوحا للخليفه المنصور، أسماه " رسالة بن المقفع فى الصحابه " والتى يعنى بها صحابة الخليفه وبطانته ، وفيها وجه نقدا صريحا لتلك البطانه وإتهمهم بإرتكاب أعمالا قبيحه ، وكذلك إنتقد مغالاة الجند فى فهم معنى الطاعه للخليفه والتى يتم التجاوز بإسمها ومن خلالها ، وهو ينصح الخليفه من خلالها أن يختار الأكفاء والأخيار موضع القياده .
ولكن ما حدث بعدها أن " بن المقفع " ظن وهما ان الخليفه قد قرأ رسالته وأنه أصبح موضع ثقته ، لكنه بدلا من ذلك مات ميته شنيعه على يد أحد بطانه الخليفه  الوالى" سفيان المهلبى " حيث قام بتقطيع جسد ابن المقفع قطعه تلو الأخرى وهو حى ورميها بالنار . وهو ما دفع بإبن المقفع أن يوجه حديثه لقاتله قبل أن يموت قائلا : إذا مات مثلى ، مات بموته خلق كثير .. وأنت تموت ليس يدرى بموتك الصغير ولا الكبير ..
ولم يسكتوا عليه بالموت ، بل وصفوه بالكفر والزندقه ليكون عبره لكل من تسول له نصح الحاكم .
هكذا حال المصلحين الذين تصوروا أن مهمتهم سهله يسيره ، حتى وإن كانوا متصليين بدوائر الحكم بطريقه أو بأخرى ، أو متسلحيين بعلمهم وكفائتهم ، ذلك لأن المتملقون لهم بالمرصاد على مدار التاريخ والذين يجدون أذانا صاغيه من الحكام ، مصورين الحكام على أنهم ألهه لا تخطأ ، حتى إن تجاهل الحاكم النصح وتمادى فى فعله ، كانت نهايته السقوط ، عندها سارعوا للحاق بموكب الحاكم التالى ..
وإننا فى حالة مع بعد ثورة 25 يناير كنا تواقيين لميكيافيلى يحافظ على كيان الجمهوريه الجديده ، وابن مقفع ينصح الحاكم من بطانة السوء ، ولكن يبدو أن المتملقيين هم من سارعوا لتصدر المشهد العام وكانوا أول الواصليين فى غمرة الفرحه بالثوره وسيولة الأحداث ، حتى أننا نكاد نراهم فى كل مكان متسلحيين بوسائل إعلام جباره ، يعملون حائط صد ، ضد كل محاولات الناصحيين للوصول للحاكم الجديد ، ناشرين روح اليأس لدى الجماهير العريضه من جدوى الإصلاح متذرعين بأن كم المؤامرات الداخليه و الخارجيه تمنع النظر لدعاوى النصح لأنها تتعارض مع الحرب التى تقودها الدوله ضد الإرهاب ..
لذلك إذا أراد رئيس الدوله أن تصلح احوال البلاد ، فعليه أن يبعد المتملقون عن دائرة الحكم والإعلام ، وأن يستمع للناصحيين الذين يوصلون أصوات الشعب لأذانه ، موضحيين له مواطن الخلل فى عملية إدارة البلاد  واضعين خرائط طرق للخروج من الأزمات المتتاليه داخل المجتمع ، الذين يحمون الحاكم من بطانه السوء التى لا تريد إلا مصالحها بعيدا عن مصلحة البلاد والعباد ، الذين ظنوا أنهم ربحوا معركة الحكم مرة أخرى معلنيين أن لا تغيير وأننا باقون رغم أنف الناصحيين  ..
هل يكون مصير الناصح هذة الأيام ، التجاهل والإهمال كمكيافيلى ، أو تقطيع اوصاله مثل ابن المقفع ؟؟ أعتقد أن الإجابه متروكه لقادم الأيام ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...