السبت، 27 نوفمبر 2021

دوله تهوى صنع الألهه والكهنه


 



بقلم / ياسر رافع

" أنا ضد الإهتداء والإيمان برب سياسى من أى نوع ، وأعتبر أنهما سلوك غير صالح للمثقف " .. هكذا ما يجب أن يكون عليه المثقف الحقيقى ، وهذا ما يتبناه الكاتب الكبير " إدوارد سعيد " فى كتابه " الآلهه التى تفشل دائما " والذى من خلاله يوضح ماهية المثقف داخل مجتمعه على لسان " جان جينيه "  قائلا  " كل مثقف مهنته هى إيضاح وتقديم أفكار ووجهات نظر وأيدولوجيات محدده ، يطمح منطقيا إلى إنجاحها فى المجتمع ، والمثقف الذى يدعى الكتابه فقط لذاته الخاصه أو لأجل المعرفه الخاصه أو العلم المجرد ، لا يجب أن ويجب ألا .. يصدق "

وهو ينتقد بشده المثقف الذى عبد الأيدولوجيات ونصبها ألهه تعبد ، وعاش كاهن فى معبدها مدافعا عنها بشراسه لا يرى فيها اى عوار ، ممتطيا جوادا وشاهرا سيفا فى وجه من يعارض إلهه الجديد . ويستغرب جدا عندما يسقط هذا الإله ( الأيدولوجيا ) ويصبح أثرا بعد عين كيف أن المثقف بدلا من أن يفيق إلى رشده ، نراه وقد إلتحق سريعا بركب إله جديد ، ذاك انه مثقف غير قادر على الإشتباك والتحرر الفكرى ، وفى المقابل يهوى الإنبطاح وتلقى التعليمات ، جعل من ثقافته مصدرا للإرتزاق بديلا عن تحرير عقول الناس والأخذ بأيديهم إلى رحاب الحريه والإبداع . وهو يعطى أمثله لعباد ألهه إيدولوجيين تحولوا من الماركسيه إلى الأيدولوجيه الرأسماليه ثم إلى الأيدولوجيه الإسلاميه ، وهم فى كل الحالات مدافعيين صناديد أشاوس شرسيين عن الألهه التى قرروا عبادتها ..
إن " إدوارد سعيد " يريد أن يلقى حجرا فى بئر راكده عفنه هى البئر العربيه التى أدمنت العفن ، وأصبح المثقفيين فيها هم من يساعدون على إنتشار العفن مدعوميين بقوى ظلاميه حاكمه ، تريد أن تظل شعوبها جاهله مستكينه مسالمه غير قادره على الفعل ، وإنه لم يطلب من المثقف غير ترك عبادة الألهه أيا كانت ويترك مساحه ولو قليله فى تفكيره لتغيير الواقع ولو بالسخريه ، قائلا  " ما يستوقفنى كشئ ممتع أكثر هو كيفية الإحتفاظ بحيز فى العقل ينفتح للشك ولجزء من السخريه الشكيه "
هكذا هو حال الغالبيه الكاسحه من المثقفين العرب والمصريين ، غير قادرين على الإشتباك عباد ألهه أيدولوجيين متحولين مهره بين الألهه المتعدده ، إنهم من ساعدوا على " تصحير مصر " عبر عمليه تجريف ممنهجه للعقل الجمعى المصرى ،عبر ممالاة السلطه وتبنى أطروحاتها فى الحكم ، سواء أرادت ألهه إشتراكيه أو ألهه رأسماليه أوألهه إسلاميه ، هم جاهزون بلباس الكهنه وجاهزون بأقلامهم وألسنتهم التى تمهد للحاكم أن يقول " أنا ربكم الأعلى " فتكون النتيجه " فأستخف قومه فأطاعوه " .. وهذا ما نراه واضحا جليا فى تلك الأيام الكئيبه حيث تجرى أكبر عملية  تجريف و تصحير للعقل المصرى وإبعاده عن معركته الأساسيه وهى الحريه والعدل والمساواة ، وذلك عبر خلط قيم شديدة المحافظه من الصحراء ( السلفيه ) وخلطها بالشعبيه الإسلاميه ( الصوفيه ) ، أو بمعنى أدق محاولة إحياء ألهه فشلت قديما عبر إنعاش كهنتها ومساندتهم فى محاوله لإيجاد معارك وهميه داخل العقل المصرى ، فى محاوله يائسه لتحجيم والقضاء على ألهه أخرى محاربه لها ..
والسؤال من القاتل ومن المنظر ومن بوق السلطه ؟؟ إنه المثقف ، كاهن الألهه الجاهز للإستخدام عبر كل العصور وإختلاف الألهه ، إنه الذى يساعد الجلاد ويبارك ذبح الضحيه ، إنه من يغتال حلم الفقراء فى عالم جديد ، إنه من يخيل لهم أن هناك حيات تسعى تريد أن تنال من إستقرارهم الذى ينعمون فيه.. وأن عالمهم الذى يعيشون فيه الأفضل مهما حاولوا .
إذا كانت الدوله راغبه حقا فى التغيير الحقيقى للواقع المصرى بعد ثورة 25 يناير المجيده ، فيجب عليها تغيير نمط التفكيير السائد فى أدبيات الحكم القائم على إستنساخ ألهه ( أيدولوجيات ) فشلت قديما فى محاوله للإستمرار  طويلا فى الحكم ، ويجب عليها أيضا أن تبعد الكهنه الجاهزين للإستخدام من المثقفين المأجورين حماة المعبد عن المشهد العام مفسحة الطريق أمام حريه العقل ولمثقفين جدد مشغوليين بقضايا التغيير للأفضل غير مرتبطين بالمعبد القديم ولا كهنته ..
مصر أصبحت لا تحتمل تجارب أو معارك جديده بين الألهه القديمه للسيطره على العقل المصرى المهترئ أصلا بفعل التجريف الذى تم عبر عشرات السنين . نحن لا نريد ألهه تعبد ولا كهنه يباركونها طمعا فى النذور .. نحن نريد مصر جديده حديثه تسع الجميع بعيدا عن جدران المعبد ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...