الجمعة، 24 ديسمبر 2021

كمال وجوده (10)




بقلم / ياسر رافع

الخطيب إرتقى المنبر وما هى إلا لحظات حتى بدأ يتكلم ، وكانت الخطبة تتكلم عن الفساد فى المجتمع ، وعلى الرغم من أن كلام الخطيب لم يكن يرقى حماسيا لعنوان الخطبة ، إلا أن الخطبة لفتت نظر كلا من " كمال " و "جوده" ، فيما يبدوا أنهما ينتظران من الخطيب أن يقول بعضا مما يجول فى خواطرهما من بعض الهموم ، ولكن خاب ظنهما ، فالخطبه كانت فى العموميات ، كلمات صدأه معلبه !!
وما إن إنتهت الخطبه وتبعتها صلاة الجمعه ، حتى خرجا سويا متجهين ناحية السوق لشراء طعام للفطور الذى يتأخر عادة يوم الجمعه لما بعد  الفراغ من الصلاة ..

كمال : يلا يا جودة نروح نلحق المطعم بتاع الطعميه والفول قبل ما يخلص ..
جودة : انا مش هاكل طعميه وفول ، عاوز أغير ....
كمال : تغير !! ليه !!
جودة : أولا أنا مبحبش العيال بتوع المطعم ، بيتعاملوا معانا كأنهم إتأممت ممتلكاتهم ، وكأن الطعميه بتتوزع من تكية الباشا ، وثانيا أنا قرفت من أكل الطعميه والفول وعاوز أغير ...
كمال : هههههههههه سيبك من بتوع الطعميه اللى الألاطه مسكاهم ، طيب عاوز تاكل إيه فهمنى ؟!
جودة : الصراحه نفسى رايحه لأنى أكل حواوشى ...
كمال : الله يقرف أمك ، ودا يتاكل على الفطار إزاى ..

وبين شد وجذب ، وتعليقات ساخرة بين الإثنين ، كانت النتيجه أن " كمال " وقف عند مطعم الطعمية ، فيما ذهب " جودة " إلى مكان شراء الحواوشى . وأنقضى ربع ساعة تقريبا ، حتى جاء " جوده " ليأخذ " كمال " الذى كان فى إنتظاره ، ومشيا سويا ليجلسا على المقهى ، حتى وصلا وطلبا ماء ومشروبات من صبى المقهى . وبينما يفتحان الأوراق التى تلف الطعام ....

كمال : تصدق كان عندك حق يا " يا جوده " ، المطعم دا أنا مش هروحه تانى ...
جوده : هههههههههههه خير ، أوعى تقولى بتوع الطعميه زعلوك
كمال : ههههههههه لا مش للدرجه دى ، دا إدونى إحساس كأنى درويش نايم فى تكيه أبوهم بيتبرعوا له بأكله وشربه ............
جوده : هههههههه مش أحسن منى ، كنت واقف جنب الفرن اللى الراجل واقف بيه فى الشارع مستنى رغيفين الحواوشى ، وكان واقف حوالين الفرن ثلات كلاب ، والراجل كل شويه يضربهم بطوبه من الأرض ، وكان إحساس زباله ..

يضحكان بصوت عالى بينما يمتلئ فميهما ببقايا الطعام ، فى نفس اللحظه التى يضع فيها صبى المقهى الماء والمشروبات ...

كمال لصبى المقهى : إتفضل يا برنس ، مد إيدك
صبى المقهى : لا أنا سبقتكم ، شكرا
جوده : إلا قولى يا واد يا كمال ! هوا الإمام كان بيتكلم عن الفساد بحنيه ودلع كدا ليه ؟!
كمال : زى ما إنت بتاكل الحواوشى إللى فى إيدك بالظبط ، بحنيه ودلع ...
جوده : هههههههههههه يا إبن المره ، أنا بتكلم بجد ..
كمال : شوف ، الحواوشى دا كوكتيل ثقافى مصرى ، متعرفش نوع لحمة الحيوان إللى إنت بتاكله ، قط ولا كلب ولا خنزير ولا بقرة ، حيوانات قدسناها وعبدناها فى أيام الفراعنه ، وفى العصور التاليه بقينا نشتم بعض بأسماءها ، ووصلنا إلى مرحلة إننا أكلناها  ...
جوده : خف يا كمال ، دا إحنا بناكل مش طالبه سياسه
كمال : مش إنت بروح امك بتسأل على الفساد عنوان خطبة الجمعه ..
جوده : خلاص كمل يا سيدى ..

وسط روائح الأكل ، المختلفة الطعوم ، طعمية وفول وحواوشى وبصل أخضر ومخللات ، أمسك "  كمال " بقطعة من الطعام ، ووضعها فى فمه ، وبينما يمضغها ...

كمال : بص يا جوده ! كان فيه ملك فارسى إسمه " قمبيز " حب يتجوز فطلب من فرعون مصر " أحمس التانى " إيد بنته ، ودا كان فى أواخر عصر الفراعنه ، وطبعا الفراعنه لا يزوجون بناتهم لغرباء ، فرفض الفرعون يجوزه بنته ، لكنه خاف من قوته فحب يضحك عليه ، فبعت بنت الفرعون اللى قبله على إنها بنته ، وأرسلها لقمبيزعلشان تتجوزه ، البنت زعلت على نفسها فراحت قالت لقمبيز على الحكايه ، فصمم إنه يغزو مصر ، المهم جيش قمبيز وصل لحدود الدلتا ، وتقابل الجيشان الفارسى والمصرى ، وكان الفرعون المصرى آنذاك إسمه " بسماتيك الثالث " إبن " أحمس التانى " اللى مات قبل المعركه ...
جوده : إستنى بقى لما أمسح إيدى من الحواوشى ...... ( لحظات ) ،  يلا كمل الحدوته دى
كمال : قمبيز كان ملك صايع شويه ، درس المصريين كويس ، عرف إنهم بيقدسوا الحيوانات ، فقام جاب كلاب وقطط وطيور ، وخلاها تمشى أمام جيشه ، وكمان رسم الألهه الحيوانيه المصريه على الدروع الفارسيه ، طبعا الجنود المصريين جالهم خوف وجزع وخارت مقاومتهم بسبب المعتقدات الفاسدة ، إزاى يرفعوا سلاحهم أمام آلهتهم  
جوده : يا نهار إسود ، وبعدين إية اللى حصل ..
كمال : البلد إحتلها الفرس ، مش محتاجه كلام ..
جودة : خير اللهم إجعله خير ، كل دا من علشان سألتك عن الحواوشى وخطيب الجامع
كمال : ههههههههههههه المهم ، الفراعنه راحت أيامهم وجاءت المسيحيه وبعدها الإسلام ، والمصرى دمه خفيف ويحب ينكت على نفسه فأخترع شتيمة نفسه بأسماء الحيوانات اللى كان بيعبدها ، وتلف الأيام وييجى اليوم اللى ياكل فيه معبودة القديم ، خط واحد لرغيف الحواوشى المقدس ، فساد عقائدى زمان تسبب فى إحتلال البلد ، وفساد أخلاقى جعل الناس تشتم بعضها ، فساد إقتصادى وصحى بقى فى الأكل . ببساطه تخلص من الحيوان اللى جواك ساعتها الدنيا مش هيبقى فيها فساد .

صمت وشرود من " جوده " بينما " كمال " يشرب الشاى ، لحظات قليله

جوده : طيب يا كمال سؤال !! هوا خطيب الجامع عارف موضوع الحواوشى من أيام قمبيز لحد دلوقتى
كمال : ههههههههههههه لأ طبعا
جوده : أمال إنت إبن صرمه ، منكد على أمى ليه ! يلعن ابو الحواوشى على إللى بياكله على اللى يقعد معاك ، ماله الحواوشى شغال وبيملى البطن ومليان لحمه وبتلاته جنيه ، يا رغيف الغلابه يا جامد
كمال : هههههههههههههه ما جدك وهوا شايل الدرع زمان قال كدا ..


ضحكات عاليه ، أعقبها طلب " كمال " لصبى المقهى لكى يقوم بدفع ثمن المشروبات ، وبعد دفع ثمن المشروبات ، تأبطا بعضهما البعض وصارا سويا ، يلعنان ويشتمان الروائح التى تصدر من فيهما ، كوكتيل فساد روائح ، طعمية وفول وحواوشى ومخلل بدنجان وبصل أخضر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...