بقلم / ياسر رافع
الخطيب إرتقى المنبر وما هى إلا لحظات حتى بدأ يتكلم ، وكانت الخطبة تتكلم عن الفساد فى المجتمع ، وعلى الرغم من أن كلام الخطيب لم يكن يرقى حماسيا لعنوان الخطبة ، إلا أن الخطبة لفتت نظر كلا من " كمال " و "جوده" ، فيما يبدوا أنهما ينتظران من الخطيب أن يقول بعضا مما يجول فى خواطرهما من بعض الهموم ، ولكن خاب ظنهما ، فالخطبه كانت فى العموميات ، كلمات صدأه معلبه !!وما إن إنتهت الخطبه وتبعتها صلاة الجمعه ، حتى خرجا سويا متجهين ناحية السوق لشراء طعام للفطور الذى يتأخر عادة يوم الجمعه لما بعد الفراغ من الصلاة ..
كمال : يلا يا جودة نروح نلحق المطعم بتاع الطعميه والفول قبل ما يخلص ..
جودة : انا مش هاكل طعميه وفول ، عاوز أغير ....
كمال : تغير !! ليه !!
جودة : أولا أنا مبحبش العيال بتوع المطعم ، بيتعاملوا معانا كأنهم إتأممت ممتلكاتهم ، وكأن الطعميه بتتوزع من تكية الباشا ، وثانيا أنا قرفت من أكل الطعميه والفول وعاوز أغير ...
كمال : هههههههههه سيبك من بتوع الطعميه اللى الألاطه مسكاهم ، طيب عاوز تاكل إيه فهمنى ؟!
جودة : الصراحه نفسى رايحه لأنى أكل حواوشى ...
كمال : الله يقرف أمك ، ودا يتاكل على الفطار إزاى ..
وبين شد وجذب ، وتعليقات ساخرة بين الإثنين ، كانت النتيجه أن " كمال " وقف عند مطعم الطعمية ، فيما ذهب " جودة " إلى مكان شراء الحواوشى . وأنقضى ربع ساعة تقريبا ، حتى جاء " جوده " ليأخذ " كمال " الذى كان فى إنتظاره ، ومشيا سويا ليجلسا على المقهى ، حتى وصلا وطلبا ماء ومشروبات من صبى المقهى . وبينما يفتحان الأوراق التى تلف الطعام ....
كمال : تصدق كان عندك حق يا " يا جوده " ، المطعم دا أنا مش هروحه تانى ...
جوده : هههههههههههه خير ، أوعى تقولى بتوع الطعميه زعلوك
كمال : ههههههههه لا مش للدرجه دى ، دا إدونى إحساس كأنى درويش نايم فى تكيه أبوهم بيتبرعوا له بأكله وشربه ............
جوده : هههههههه مش أحسن منى ، كنت واقف جنب الفرن اللى الراجل واقف بيه فى الشارع مستنى رغيفين الحواوشى ، وكان واقف حوالين الفرن ثلات كلاب ، والراجل كل شويه يضربهم بطوبه من الأرض ، وكان إحساس زباله ..
يضحكان بصوت عالى بينما يمتلئ فميهما ببقايا الطعام ، فى نفس اللحظه التى يضع فيها صبى المقهى الماء والمشروبات ...
كمال لصبى المقهى : إتفضل يا برنس ، مد إيدك
صبى المقهى : لا أنا سبقتكم ، شكرا
جوده : إلا قولى يا واد يا كمال ! هوا الإمام كان بيتكلم عن الفساد بحنيه ودلع كدا ليه ؟!
كمال : زى ما إنت بتاكل الحواوشى إللى فى إيدك بالظبط ، بحنيه ودلع ...
جوده : هههههههههههه يا إبن المره ، أنا بتكلم بجد ..
كمال : شوف ، الحواوشى دا كوكتيل ثقافى مصرى ، متعرفش نوع لحمة الحيوان إللى إنت بتاكله ، قط ولا كلب ولا خنزير ولا بقرة ، حيوانات قدسناها وعبدناها فى أيام الفراعنه ، وفى العصور التاليه بقينا نشتم بعض بأسماءها ، ووصلنا إلى مرحلة إننا أكلناها ...
جوده : خف يا كمال ، دا إحنا بناكل مش طالبه سياسه
كمال : مش إنت بروح امك بتسأل على الفساد عنوان خطبة الجمعه ..
جوده : خلاص كمل يا سيدى ..
وسط روائح الأكل ، المختلفة الطعوم ، طعمية وفول وحواوشى وبصل أخضر ومخللات ، أمسك " كمال " بقطعة من الطعام ، ووضعها فى فمه ، وبينما يمضغها ...
كمال : بص يا جوده ! كان فيه ملك فارسى إسمه " قمبيز " حب يتجوز فطلب من فرعون مصر " أحمس التانى " إيد بنته ، ودا كان فى أواخر عصر الفراعنه ، وطبعا الفراعنه لا يزوجون بناتهم لغرباء ، فرفض الفرعون يجوزه بنته ، لكنه خاف من قوته فحب يضحك عليه ، فبعت بنت الفرعون اللى قبله على إنها بنته ، وأرسلها لقمبيزعلشان تتجوزه ، البنت زعلت على نفسها فراحت قالت لقمبيز على الحكايه ، فصمم إنه يغزو مصر ، المهم جيش قمبيز وصل لحدود الدلتا ، وتقابل الجيشان الفارسى والمصرى ، وكان الفرعون المصرى آنذاك إسمه " بسماتيك الثالث " إبن " أحمس التانى " اللى مات قبل المعركه ...
جوده : إستنى بقى لما أمسح إيدى من الحواوشى ...... ( لحظات ) ، يلا كمل الحدوته دى
كمال : قمبيز كان ملك صايع شويه ، درس المصريين كويس ، عرف إنهم بيقدسوا الحيوانات ، فقام جاب كلاب وقطط وطيور ، وخلاها تمشى أمام جيشه ، وكمان رسم الألهه الحيوانيه المصريه على الدروع الفارسيه ، طبعا الجنود المصريين جالهم خوف وجزع وخارت مقاومتهم بسبب المعتقدات الفاسدة ، إزاى يرفعوا سلاحهم أمام آلهتهم
جوده : يا نهار إسود ، وبعدين إية اللى حصل ..
كمال : البلد إحتلها الفرس ، مش محتاجه كلام ..
جودة : خير اللهم إجعله خير ، كل دا من علشان سألتك عن الحواوشى وخطيب الجامع
كمال : ههههههههههههه المهم ، الفراعنه راحت أيامهم وجاءت المسيحيه وبعدها الإسلام ، والمصرى دمه خفيف ويحب ينكت على نفسه فأخترع شتيمة نفسه بأسماء الحيوانات اللى كان بيعبدها ، وتلف الأيام وييجى اليوم اللى ياكل فيه معبودة القديم ، خط واحد لرغيف الحواوشى المقدس ، فساد عقائدى زمان تسبب فى إحتلال البلد ، وفساد أخلاقى جعل الناس تشتم بعضها ، فساد إقتصادى وصحى بقى فى الأكل . ببساطه تخلص من الحيوان اللى جواك ساعتها الدنيا مش هيبقى فيها فساد .
صمت وشرود من " جوده " بينما " كمال " يشرب الشاى ، لحظات قليله
جوده : طيب يا كمال سؤال !! هوا خطيب الجامع عارف موضوع الحواوشى من أيام قمبيز لحد دلوقتى
كمال : ههههههههههههه لأ طبعا
جوده : أمال إنت إبن صرمه ، منكد على أمى ليه ! يلعن ابو الحواوشى على إللى بياكله على اللى يقعد معاك ، ماله الحواوشى شغال وبيملى البطن ومليان لحمه وبتلاته جنيه ، يا رغيف الغلابه يا جامد
كمال : هههههههههههههه ما جدك وهوا شايل الدرع زمان قال كدا ..
ضحكات عاليه ، أعقبها طلب " كمال " لصبى المقهى لكى يقوم بدفع ثمن المشروبات ، وبعد دفع ثمن المشروبات ، تأبطا بعضهما البعض وصارا سويا ، يلعنان ويشتمان الروائح التى تصدر من فيهما ، كوكتيل فساد روائح ، طعمية وفول وحواوشى ومخلل بدنجان وبصل أخضر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه